صفحات المستقبل

الثورة السورية من العسكرية إلى الفصائلية/ عبيدة عامر

 

 

 

على وقع الرصاص، كان الثلاثيني الشهير بابتسامته المميزة جالسًا بين مقاتليه، بلباس بسيط وسلاح فردي متواضع، وبينما يتكلم لم يقطع أزيز الرصاص المتواصل أثناء حديثه، أو الانفجارات المتوالية على جبهة “اللواء ٨٠” قرب مطار حلب الدولي، كلمات «حجي مارع» العفوية بلكنتِها الريفية الحلبية الواضحة، شادًا بها من أزر مقاتليه الشباب الذين يشبهونه شكلًا وكلامًا، ومحدثًا إياهم بآيات قرآنية ومضامين أحاديث لا يذكر نصّها، مسقطًا إياها على واقعهم وهم من استطاعوا “تحرير” حلب قبل أكثر من عام من هذه المعركة؛ معركة عبد القادر الصالح، الملقب بـ “حجي مارع”، الأخيرة قبل أن يُقتل في اليوم التالي بغارة للنظام السوري.

مثَّل “عبد القادر الصالح” تلك المرحلة بشكل واضح، بحضوره وعفويته والإجماع الشعبي عليه، وبصعوده من تاجر للحبوب والمواد الغذائية إلى متظاهر ضد النظام، في بلدته “مارع” في ريف حلب الشمالي، ثم إلى “حجي مارع” مع بدء حمل السلاح، في إشارة إلى أهميته الاجتماعية لا السياسية أو الأيديولوجية أو العسكرية، ثم قيادته لـ “لواء التوحيد”، في إشارة لتوحيد الفصائل والعمل العسكري؛ لا التوحيد بالمعنى الديني، وهو اللواء الذي استطاع تحرير نصف مدينة حلب الشرقية في يوليو/تموز عام ٢٠١٢، كما مثلها رحيله الذي كان مترافقًا مع بدء انحسارها، وهي المرحلة الفارقة والمؤسسة في مسار الثورة السورية، وهي ذروة انتصاراتها وتوسعيها الجغرافي والشعبي.

كان رحيل الصالح بمثابة كلمة نهاية لمرحلة المقاومة؛ حيث استطاع الثوار المسلحون السيطرة على كل أرياف البلاد تقريبًا، وطرد قوات النظام من بعض أحياء المدن الكبرى وأكبرها مدينة حلب، بالإضافة لسيطرتهم على معابرها ونقاطها الحيوية وموارد طاقتها الموزعة على طول سوريا وعرضها، سواء أكانوا المتظاهرين حاملي السلاح للدفاع عن أنفسهم، أو المنشقين عن المؤسسات الأمنية والعسكرية للنظام الذين انتظموا في كتائب وألوية صغيرة محلية توسعت شيئًا فشيئًا.

قبل رحيل “الصالح” بقليل ومنذ منتصف عام ٢٠١٣ تقريبًا، بدأت قوات المعارضة السورية تفقد زخمها وقوتها، فهذه القوات عالية الشعبية، والتي كان أوضح وأكبر مظلة رسمية لا فعلية لها هو “الجيش السوري الحر”، حملت داخلها قوتها وضعفها معًا، فهي من جانب تمثل امتدادًا طبيعيًا للمجتمع السوري المحلي المتباين، أكثر من كونها ذات بنية عسكرية منظمة، فكانت تثور بكليتها لا بأجزاء منها، سواء لتشابكها التام ضمن علاقات اجتماعية ومحلية محددة في الأرياف والأحياء البسيطة والبنى العشائرية، أو لانتهاج النظام سياسة العقاب الجماعي العنيفة ضد هذه المجتمعات عندما تثور ليصبح سببًا في توحدها، ولتخففها من أي هدف فرعي سوى هدف التحرر؛ إلا أنها من جانب آخر حملت كل علل المجتمع السوري، مجتمع مهمش سياسيًا منذ أكثر من أربعة عقود، منذ انقلاب البعث على السلطة عام ١٩٦٣، ثم الحركة التصحيحية عام ١٩٧٠، ثم بلغ التهميش ذروته في مجزرة حماة عام ١٩٨٢، ليستمر فيما بعد مفكك الأوصال وسط عقود بناء عائلة الأسد لنظامها.

“بعد مقتل الصالح بأربعة أعوام، وبعد خسارة المعارضة لحلب التي حررها فصيله لهم؛ يبلغ عدد مقاتلي المعارضة المسلحة ما بين ١٠٠- ١٥٠ ألف مقاتل، موزعين على أكثر من ١٠٠٠ كيان متنوعة الأحجام والأفكار والقدرات”

وبينما يحمل النظام المسؤولية الأكبر قبل الثورة بقتله لأي مجال عام متاح، سياسيًا كان أو دينيًا أو اجتماعيًا، ثم لرفضه الإصلاحات التي طالبت بها المعارضة بداية، والرد عليها بعنف شديد يولد في معظم الحالات المشابهة عنفًا مضادًا، جعل من النظام وعناصره قوة منزوعة الشرعية عند قطاع كبير من الشعب السوري مما أدى لتهافت الموانع الشعبية في مواجهته بالسلاح أيضًا، ثم جلب النظام “حزب الله” وميليشيات أخرى بمساعدة إيران وروسيا دمرت تلك الموانع بشكل أبدي، وحولت الثورة إلى ما يشبه «حرب تحرير» لسوريا في نظر المعارضة وقطاع شعبي عريض؛ مع كل ذلك يبقى جزءً لا يستهان به من التراجع العسكري بأيدي المعارضة المسلحة نفسها.

اليوم، بعد مقتل الصالح بأربعة أعوام، وبعد خسارة المعارضة لحلب التي حررها فصيله لهم؛ يبلغ عدد مقاتلي المعارضة المسلحة ما بين ١٠٠- ١٥٠ ألف مقاتل، موزعين على أكثر من ١٠٠٠ كيان متنوعة الأحجام والأفكار والقدرات، ساروا في طريق طويل من التجربة والخطأ أنضجهم شيئًا فشيئًا، ولكنه في الوقت نفسه وسع انقساماتهم، وأفقدتهم معظم وأهم المساحات التي كانوا يسيطرون عليها، ليصبحوا محصورين في جيوب صغيرة حول بعض المدن، كالغوطة الشرقية حول دمشق، وريف حمص الشرقي، أو في جزر معزولة جغرافيًا عما سواها، كجنوب البلاد في حوران، وشمالها في ريف حلب الشمالي، وفي إدلب، ينازع الثوار النظام لمجرد البقاء، أعداءهم الكثر، كما ينازعون أنفسهم، آخذين أنفسهم بأنفسهم نحو مزيد من الخسائر، في إشارة واضحة على خلل لا شك فيه.

تمرد بلا مركز

بقدر ما كانت مظاهرة أبناء “تفتناز”، بصدورهم العارية أمام الدبابات بداية الثورة، مشهدًا فارقًا ومعبرًا عن «طقس عبور» الثوار بتحررهم من الخوف إلى المطلق؛ كان مطار تفتناز العسكري الواقع قربها فأل الشر والخوف لها ولكل ما كان حولها من القرى والمدن، ولذلك كان لا بد من تحريره.

بعد مهلة أعطيت لأربعة أيام للجنود المختبئين داخل المطار المحاصر من كل الجهات، وانشقاق بعضهم، حاولت الفصائل المشاركة بالهجوم الاقتحام في اليوم الأول، مستخدمة ما معها من أسلحة خفيفة وثقيلة، ومستغلة جنح الضباب والبرد، فلم تستطع، وزاد من سوء الوضع هطول المزيد من الأمطار التي أعاقت حركتهم ليوم آخر، ثم زالت برياح عاصفة وأجواء استغلوها لاقتحام المطار، ليكون أحد أبرز وأول النقاط العسكرية التي تخرج عن سيطرة نظام الأسد مطلع عام ٢٠١٣.

تحولت الانتفاضة السورية التي اندلعت في مارس/آذار عام ٢٠١١ بمظاهرات سلمية إلى ثورة حاشدة شملت أنحاء البلاد من حوران إلى إدلب، ومع شراسة النظام ومعاملته للثورة على أنها حرب نظامية واجهها بجيشه مباشرة، ومع تزايد تسليح الثورة والانشقاق داخل قوات الأسد،

انتقلت الثورة إلى مرحلة المقاومة العسكرية، والتي بدأت تقريبًا بإعلان انشقاق المقدم “حسين الهرموش”، في يوليو/تموز عام ٢٠١١، واستمرت حتى منتصف عام ٢٠١٢، بعمل عسكري كان عفويًا استقلاليًا، وتنظيم كتائب وفصائل محلية صغيرة لا مركزية، لتبدأ بعدها مرحلة “التمرد”، التي سعت للسيطرة على الأراضي والنقاط العسكرية وخلق واقع جديد، مرحلة توسع بها الثوار بشكل شامل حتى منتصف عام ٢٠١٣، شهدت خلالها عددًا من محاولات التحالف بمبادرات داخلية أحيانًا وضغوط خارجية أحيانًا أخرى، أبرزها “جبهة ثوار سوريا”، و “جبهة ثوار سوريا الإسلامية” اللتان اندمجت فصائل منهما مشكلة ما أطلق عليها “الجبهة الإسلامية»”، ثم تحول نمط التحالف إلى غرف عمليات جغرافية، لا أيديولوجية، أشهرها وأنجحها “جيش الفتح”، والذي شهد بدوره تفككًا بعد خلافات داخلية كبرى.

في دراسته لـ ١٨١ تمردًا منذ الحرب العالمية الثانية وحتى عام ٢٠١٥، المعنونة بـ “خوض حروب التمرد” (Waging Insurgent Warfare)؛ رأى الباحث والخبير بالشؤون الأمنية في مركز “راند” الأمريكي البحثي “سيث جونز” أن أصعب ما في التمردات، التي يسعى بها الفاعلون دون الدولة لتأسيس وبناء دولة بديلة باستخدام العنف المسلح، هو بدايتها بطريقة صحيحة وفعالة، لكنه أكد أنها حين تبدأ فـ «لا يمكن أن تنتهي بسهولة»، إذ بلغ المتوسط الزمني لها حينها ١٢ عامًا، ثم يكون عليها اختيار استراتيجية قتالية، ما بين حرب العصابات التي تعتمد على هزيمة إرادة أي حكومة وإضعافها، أو حرب نظامية، أو سياسات عقابية، ثم اختيار بنيتها التنظيمية، التي رأى أنه من الأفضل أن تكون مركزية، ثم تأمين الدعم الخارجي لإمكانية الاستمرار، والبدء بحملات المعلومات للحشد، وصولًا إلى اختيار التكتيكات المختلفة.

وإذا كانت المعارضة السورية المسلحة قد نجحت في الخطوة الأولى وهي البدء، واستطاعوا اختراق جوهر التمرد “الشعب”، بحسب جونز، وهو جوهر يتقاتل عليه المتمردون والحكومة والأطراف الخارجية، لأنه يؤمن الدعم المالي واللوجستي، فإن عفويتهم لم تكن كافية ليضعوا الاستراتيجية المطلوبة، والتكتيكات المرحلية، كما أنهم، وفي خضم لا مركزيتهم، استطاعوا الاستفادة من العمل المسلح والعسكري لتحقيق هدف سياسي كان مجمعًا عليه وهو إسقاط النظام، لكنهم أضاعوه أو تجاوزوه إلى «أهداف سلطوية ذاتية، حولتهم من متمردين إلى فصائل» منذ منتصف عام ٢٠١٣، ووضعتهم على الطريق الذي تنبأ به أبرز منظري حرب العصابات والمتمردين، “ماو تسي تونج”، بقوله: «بدون أهداف سياسية سيفشل عمل العصابات، أو ما لم تتوافق أهدافها مع طموحات الشعب».

إلى السلطة

«السلطة المطلقة مفسدة مطلقة»

(جورج أورويل، رواية 1984)

بينما كان آخر بضع مئات من مقاتلي المعارضة يدافعون عن آخر ما تبقى من أحياء حلب المحاصرة؛ وصلت الأنباء إلى الشاب “عمير أبو المصعب”، والمجموعة القليلة المشكلة معه من أقل من عشرة شباب ثقات كأقرباء وأصدقاء، والتي تقوم بضربات عسكرية مركزّة وسريعة ثم تنسحب؛ وصلت بأن فصيلي “نور الدين زنكي” و”كتائب أبو عمارة” سيطرت على مستودعات “تجمع فاستقم كما أمرت”، أحد أكبر فصائل مدينة حلب، مما أدى لتفكك الفصيل، وانهيار الثقة الاجتماعية بالمعارضة، والثقة بين الفصائل بعضهم البعض، وصولًا إلى سقوط مدينة حلب بعد هذه الحادثة بأقل من شهر.

قبل هذه الحادثة بقليل، وقع نزاع طويل بين فصيلي “فيلق الرحمن” و”جيش الإسلام” في الغوطة الشرقية المحاصرة كذلك، راح ضحيته مئات الشباب من مقاتلي المعارضة، وسقطت قطاعات مهمة ومؤثرة شمال شرقي الجيب المحاصر.

ليست هذه المتتالية من النزاع الداخلي والفشل مرتبطة بالدفاع وحسب، ففي حالة حصار حلب، لم يستطع مقاتلو المعارضة المهاجمون من الخارج، ضمن غرفة عمليات “جيش الفتح”، أن ينهوا حصار المدينة لعدم رغبتهم ورفضهم التنسيق مع “غرفة عمليات فتح حلب” من داخلها، كما فشل كل من هجومي المعارضة في دمشق وحماة نهاية مارس /آذار المنصرم، بسبب دخول “فيلق الرحمن” العملية وحده، وسط أنباء عن رفضه مشاركة “جيش الإسلام”، الذي تأخر قليلًا في عرض المساندة، أو رفض “هيئة تحرير الشام” مشاركة “أحرار الشام” على جبهاتها في معركة حلب، وتشرذم الجبهتين الأخريين بسبب غياب التنسيق.

في الوقت الذي كان يفكر به الشاب “عمير” بعقلية “عسكرية” لتحقيق مكاسب سياسية على مستوى الثورة، كان قادة الفصائل يفكرون بعقلية “فصائلية” لتحقيق مكاسب سلطوية ذاتية على مستوى الفصيل، في أوضح تجل على التحول من العسكرية إلى الفصائلية كأداة، والسياسية إلى السلطوية كغاية، تحول أصبح به كل فصيل بحد ذاته مشروعًا لنفسه، بامتدادات اجتماعية وسياسية ليكن له “أمير” أو “قائد”، وبامتداد ديني ليكن له من يسمى “شرعي”، وبراية وثقل جغرافي وبشري، ثم ينظر للفصائل الأخرى، ضمنًا أو علانية، كمشاريع مضادة، لا يمكنه التعايش معها بشكل أبدي، بعد أن كان التفكير بمصطلحات عسكرية تعتمد على تحقيق المصالح وتجنب الخسائر، ضمن الأهداف السياسية الأكبر.

هذا التحول من “التمرد” إلى “الفصائلية” يسير نحو الانحدار، بحسب ما تظهر الأحداث والوقائع الراهنة في الثورة السورية، وبحسب ما يؤكد الباحث جونز أثناء دراسته للتمردات؛ فبجانب العوامل الموضوعية المتمثلة بدخول القوة القتالية، والتي ترفع نسبة انتصار الحكومات على المتمردين بشكل كبير، يؤكد على أن المظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتي كانت جميعها متوفرة في الحالة السورية، ليست كافية وحدها، مشددًا على أهمية القائد الكاريزمي، أو «وكيل التغيير» كما أسماه تشي جيفارا، الذي يخلق الخطاب ويستطيع الحشد والتنظيم.

في سوريا، تدخلت القوات الخاصة الإيرانية وحزب الله اللبناني منتصف عام ٢٠١٣ بشكل واضح، ثم الطيران والاستخبارات الروسية، في الربع الأخير من عام ٢٠١٥، مما قلب الموازين لصالح النظام، وأنقذته من السقوط خلال مرتين متتاليتين، لكن الضربة الموضوعية الأكبر، لآثارها الذاتية، كانت دخول «تنظيم الدولة الإسلامية» كفاعل رئيسي منتصف عام ٢٠١٣، وسيطرته على مناطق واسعة شرق “دير الزور”، ضربة كانت آثارها الارتدادية الداخلية توازي أو تكاد تأثيرها الخارجي الفعلي، إذ كانت أيديولوجيتها الحادة محل اختبار لمدى تماسك الخطابات والأيديولوجيات المضادة، والتي كانت قريبة منها وتنازعها على “الجمهور والفضاء الجهادييين” إن جاز التعبير، والتي فشل كثير من ممثليها في هذا الاختبار، رغم أنها جرتهم إلى ما يسميه الباحث أحمد أبازيد بـ «هيمنة الخطاب الأقصى»، التي دفعت «الإسلاميين» تحديدًا إلى مساحة من التبريرات الدائمة، خشية على تماسكهم الداخلي ومحيطهم الخارجي، في حرب أفكار يبدو أنهم فشلوا بها.

لوبيات الثورة

كان من المربك لكل من تابع الثورة ما فعله النظام من إخفاء قسري واعتقالات وقتل متعمد وكثيف للناشطين السلميين، ثم الإفراج عن أكثر من ٦٠ معتقلًا من سجن صيدنايا، اعتقلهم النظام بأوقات سابقة بتهم متعددة منها “التطرف”، بينما قاتل أبرزهم في العراق. في ذلك الوقت؛ كان يبدو وكأن النظام يقتل نفسه بيديه ويسمح لمساحات العنف المسلح بالاتساع في مواجهته، لكنه اليوم يبدو كأنه كان يعرف جيدًا ما الذي يفعله.

عندما اندلعت الثورة، كان المجال العام مجالًا بكرًا للفاعلين الجدد من الشباب والمجتمعات المحلية الثائرة، لكنه وفي الوقت نفسه كان أيضًا مجالًا خصبًا لمشاريع ناجزة قديمة، وجدت به شبكات نفوذها ومساحة للتوسع أو إعادة الإحياء، ودخلت في الثورة لخطابها الخاص، لا لأجل خطاب الثورة نفسه، الساعي لإسقاط النظام، وتأجيل المشاريع الأخرى إلى ما بعده، ممتلكة أدوات وأشخاص وشبكات قوة، جعلتها أشبه بـ “شبكات ضغط” أو “لوبيات” مكنتها من التوسع والانتشار بسرعة، وكان لها حاجة من قبل الفاعلين الجدد، ويمكن اختصارها بأسماء محدودة فقط

أولى هذه الأسماء هو “لوبي صيدنايا”، والمتمثل بالسلفية المحلية، العلمية أو الجهادية، والتي اعتقل معظم قياداتها في سجن صيدنايا، سواء لأفكار “السلفية الجهادية” أو لمشاركتهم للقتال في العراق، وقد حملوا قسمًا كبيرًا من خلافاتهم إلى الخارج بعد أن جربوها وطبقوها في الداخل، وأبرز ممثلي هذا اللوبي اليوم “حركة أحرار الشام الإسلامية”، و”جيش الإسلام”.

أما لوبي “الإخوان المسلمون”، والذين تم إقصائهم من المجال العام تمامًا بعد أحداث الثمانينات، واستمروا في العمل السياسي في الخارج كممثلين للإسلام الحركي، لكن دون أن يحضروا مجتمعيًا أو كخطاب بعد الثورة، وإنما عبر وكلاء أو كتائب مدعومة بشكل غير علني، أبرزها “فيلق الشام”.

ثم يأتي “لوبي العراق”، والذي دخل ببنية وهيكلية شبه جاهزة، وبأفكار متماسكة، واستطاع استغلال المساحات الجغرافية والطاقات البشرية، مستخدمًا التكتيكات القتالية الفعالة، كالهجمات الانتحارية والعبوات الناسفة والسيارات المفخخة، والخطاب الأيديولوجي العنيف الذي لبى الحاجة الروحية والإنسانية، ووازى العنف المضاد للنظام، قبل أن ينقسم على نفسه إلى «تنظيم الدولة الإسلامية»، الذي استطاع التوسع وملء الفراغ الفكري والعسكري والسياسي بهيكلة وأفكار صلبة وحادة، و “جبهة النصرة” وتحولاتها، ثم انشقاقها عن مشروع القاعدة، وتحولها تدريجيا إلى مشروع أكثر استدخالًا في المجتمع هو “جبهة فتح الشام”، ثم أكثر دخولًا في الفصائل، وأكثر ذاتية وحدة هو: “هيئة تحرير الشام”.

باعتماد هذه “اللوبيات” على الثقل الرمزي، والمضمون الأيديولوجي الكثيف، والبنية الهيكلية، والشبكات اللوجستية والبشرية، والخبرات العسكرية؛ استطاعت أن تملأ الفراغ الثوري العفوي الذي لم يجد أحدًا يملأه، وسحبت بدورها فصائل الجيش الحر التي كانت تعاني من ضعف هيكلي، وقلة خبرة عسكرية، ومشاكل شخصية شبيهة بمشاكل اللوبيات الداخلية، إلى عقلية الفصائلية التي أدت إلى مزيد من التفكك، عقلية جرت حتى الجيش الحر العفوي إلى مساحة المشاريع الذاتية التي حولت الثورة إلى “حرب” وسوريا إلى مجرد “ساحة”، مستقطبة ضمن خطابين رئيسين هما “الجهادية” و “الثورة”.

كما يبدو أعلاه، لم تكن مساحات الصراع جامدة، فبعد التدخل الروسي، شهدت الثورة السورية انتقالًا حادًا ومفاجئًا باتجاه “هيمنة الخطاب الثوري”، عكس «الخطاب الأقصى»، حيث شهد الجيش الحر دفعة جديدة أعادته إلى تصدر المشهد من جديد، ودفعت أطراف المعارضة الأخرى إلى التقارب معه أو محاولة هزيمته، كأكبر فصائلها.

ملوك الطوائف

لا يبتعد الحال كثيرًا اليوم عما كان عليه في الأندلس، عندما سقطت “ممالك الطوائف” واحدة تلو الأخرى على مرأى من بعضها البعض، دون أن يتغير حال أو يتبدل مقال.

فبعد سقوط حلب، نتيجة عقلية “ملوك الطوائف” نفسها، لا تبدو الثورة السورية اليوم بأحسن أحوالها، ولا تبدو قادرة على التعافي من داء “الفصائلية”، فهي اليوم تشهد تراجع مساحاتها الجغرافية ومعاقلها العسكرية وحواضنها الاجتماعية، وتبدو عاجزة عن كسر هذه المعادلات الصلبة، في ظل ارتباط فاعليها بالخارج، أو عدم قدرتهم على التحرك في الداخل، رغم ما تملكه من طاقات بشرية ومادية وعسكرية كبيرة، تحتاج تنظيمًا وتفعيلًا لها، وبشكل ملح.

وبهذه العقلية، وبوجود “الفصائلية”، سيبقى الحال على الأغلب على ما هو عليه، وستكون النتائج كما حدث في حلب وحماة ودمشق، في ظل إمكانية تكراره في إدلب أيضًا، ما لم تعمل المعارضة على إعادة الاستراتيجية المتجددة دومًا: “العسكرية لأهداف سياسية”، ضمن مظلات وغرف عمليات مشتركة، ولتعمل في الوقت نفسه على التحرر من المشاريع والتجارب الممتدة من الأندلس إلى الصومال مرورًا ببغداد وكابول، تجارب لا تبشر كما يعلم الجميع بالكثير.

ميدان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى