صفحات العالم

الثورة السورية وعهر المجتمع الدولي


أنس محمود الشيخ مظهر

التطورات الأخيرة التي شهدتها الثورة السورية ومواقف الأطراف الدولية منها تشير، وبشكل واضح، إلى نفاق ما يسمى بالمجتمع الدولي وضعف مواقفه, فبمجرد أن استطاع الجيش الحر توسيع عملياته داخل العاصمة دمشق وضرب المؤسسات الأمنية للنظام هناك حتى تداعت هذه الدول إلى مجلس الأمن لعقد اجتماع لمناقشة الملف السوري، مع أن السيناريو كان معروفا سلفا وهو استخدام روسيا والصين لحق الفيتو في أي مشروع قرار يدعو لتشديد الخناق على نظام بشار الأسد.

وعلى الرغم من أن أميركا والدول الغربية الأخرى أعلنت استياءها من تكرار المواقف الروسية والصينية هذه فإن حقيقة الأمر تشير إلى أن أميركا بدت وكأنها تستغل “الفيتوات” الروسية للظهور بمظهر المؤيد لثورة الشعب السوري من جهة، ومن جهة أخرى لطبخ قدر الثورة السورية على نار هادئة حسب هوى المطبخ الأميركي.

هناك أطراف عديدة تؤثر في مسار الثورة السورية، وكل طرف منها يمتلك أجندات تختلف عن أجندات الطرف الآخر، ويسعى لتحقيقها حسب رؤيته بعيداً عن مصالح الشعب السوري نفسه والدماء التي تسفك يوميا في سورية من قبل النظام.

فهناك الموقف الأميركي والغربي ومن ورائهما الموقف الإسرائيلي، وكذلك يتوازى مع هذه المواقف الموقف التركي المطابق عموما مع الموقف الأميركي لكن بأجندات تختلف في المحصلة عن الأجندات الأميركية والغربية, أما الطرف الآخر فهو إيران وروسيا اللتان لديهما مواقف معارضة لزوال حكم بشار الأسد، ولكنهما تنطلقان من مصالح مختلفة للإبقاء على نظامه.

أما الموقف العربي المتمثل ببعض دول الخليج والعراق فمواقفها يمكن تشبيهها بدور الكومبارس الذي يظهر في مشاهد معينة لكي تجري أحداث الفيلم بشكل سلس دون أن يكون له تأثير في مجريات الأحداث فيها سواء كانت المواقف المؤيدة للثورة السورية أو المعارضة لها.

ويمكن أن نلخص المواقف الدولية هذه بالنقاط التالية:

– الموقف الأميركي: من أهم المواقف في المعادلة السورية، فجهل الإدارة الأميركية بالوضع السوري داخليا، وعدم امتلاكها الصورة الحقيقية للمجتمع السوري وتوجهاته السياسية لأن سورية كانت دولة مغلقة إلى حد ما على المخابرات الأميركية، وأيضا انعدام وجود حراك سياسي حقيقي في المجتمع السياسي السوري في عهد حزب البعث لذلك بقي الداخل السوري مبهما لديها، كلها أسباب للتحفظات الأميركية, وما زاد في تردد أميركا وتحفظاتها التقارير التي تشير إلى وجود إسلاميين متشددين في الثورة.

– تركيا: تعتبر من أكثر الدول التي تفهم الوضع الداخلي السوري على حقيقته لاعتبارات جيوسياسية عديدة، وبذلك استطاعت أن تمسك بخيوط اللعبة السياسية والعسكرية في المعارضة السورية بشكل جيد، وهو الطرف الوحيد الذي لا يزعجها تسلم الإسلاميين (فيما يسمى الإسلام المعتدل المتمثل بالإخوان) الحكم في سورية لأنها تعرف المزاج العام في الشارع السوري الذي لا يتقبل الإسلام السياسي المتطرف، والمتمثل ببعض الجماعات المتشددة، ولهذا السبب ليس لديها الهاجس الذي لدى الغرب من هذه النقطة، وما يهم تركيا هو أن تكون الحدود السورية التركية آمنة وأن تكون مصالحها الاقتصادية والتجارية مضمونة في سورية ما بعد الأسد ناهيك عن النقطة الأهم في الأجندات التركية وهي الموضوع الكردي في سورية.

– إيران: إن علاقاتها الوثيقة مع نظام بشار الأسد تتعدى المصالح السياسية المشتركة إلى التطابق في الرؤى والمواقف، ومشاركة في التوجهات منذ عقود, وهي بزوال نظام بشار الأسد ستفقد موطئ قدم مهم جدا في المنطقة سيؤثر في تواصلها مع حزب الله في لبنان، مما سيؤثر بالتالي في قوة هذا الحزب أيضا، وهكذا فإن خسارة إيران هي خسارة مزدوجة لن يعوضها بروز العراق كحليف بديل لها عن سورية, وقد وصلت لقناعة بأن أيام نظام بشار الأسد باتت معدودة في الحكم، وهي تدرس الآن الوضع السوري بعد نجاح الثورة.

– الموقف الروسي والصيني: على الرغم من أنهما تبدوان حاسمتين في رفضهما لأي قرار دولي ضد نظام بشار الأسد فإنهما لن تذهبا أبعد في هذا المجال، ولا أتصور أنهما سوف تستمران في مقاومة المشاريع التي تستهدف رحيل بشار الأسد، وبالقطع لن يكون لهما أي تأثير في الوضع السوري بعد زوال نظام بشار.

– المواقف العربية: هي مواقف لا يمكن دراستها لأنها مواقف لا تأثير لها, ورسميا هي مواقف لا تخرج عن الإجماع الدولي المتمثل بالموقف الأميركي والأوروبي… ينفذون ما يطلب منهم من قبل هذه الدول العظمى.

هذا فيما يتعلق بالدول العربية المساندة للثورة السورية أما الدول أو الجماعات العربية المضادة لها والمؤيدة لنظام الأسد فمواقفها أيضا متأثرة بالموقف الإيراني، ولذلك لا يعول كثيرا على دور هذه الدول العربية من المعسكرين, أما شعبياً فهي مواقف عاطفية تنطلق من شعور الشعوب العربية بمظلومية الشعب السوري وتعاطفهم معه كشعب عربي مسلم، ولكنه لا يخرج أيضا عن أنه موقف للتمني لا أكثر.

* كردستان العراق – دهوك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى