صفحات العالم

الحل السوري ليس سياسيا ولا عسكريا بل مقاومة شعبية حرّة!

مطاع صفدي

متى سوف يُسمح لثورة سورية أن تحقق الضربة القاضية بإسقاط القلعة الأسدية جملةً وتفصيلاً. هذا تساؤل تردده ألسنة كثيرة وإن لم تجد عليه جواباً شافياً، لكنه تساؤل يوحي بأن الثورة كأنها لا تملك حتى اليوم قرارها أو أنها لا تتوفر على الإمكانية القادرة والإستطاعة المادية المطلوبة. فهل يجوز لنا القول أحياناً أن الثورة قد تصير معاقة عن تنفيذ أهدافها، وذلك لأسباب كثيرة معظمها متغلغل في بنية الثورة نفسها، منذ نشأتها الأولى. فتلك البداية العفوية قد وفرت انفجاراً للانتفاضة فاجأت العقل الاستراتيجي العربي وليس العربي وحده لكن هذه العفوية سرعان ما انهالت عليها الأيدي الكثيرة للإمساك بلجامها.

كثيرة هي المنظمات والفئات والأفراد الذين حاولوا أن يختطفوا شعارات أو مظاهر أو أفعالاً من هذه الثورة مدّعين ملكيتها تحت شتى التسميات والتسويغات، لكن الانتفاضة تابعت عفويتها وقفزت فوق الأيدي المشبوهة التي حاولت اختطافها، صارت كالفرس الحرون المانعة لأي فارس مزور أو صاف أن يمتطي ظهرها رغماً عن إرادتها.

قد توصف هذه الحقبة الأولية بالمرحلة الرومانسية إلى حد ما، إذ اعتقد الشباب أنهم سائرون في الطريق المختصر نحو الهدف الكبير، من دون الانتباه إلى العقبات الكأداء التي تنتظرهم.

تميزت هذه الحقبة بجو السلميات سواء بإعلان الأهداف أو بالتحركات الشارعية المباشرة، أو بالتصريحات اليومية الملتهبة، غير أن الحراك السلمي قوبل من السلطات بالعقوبات القصوى، ليس أقلها تصويب الرصاص إلى صدور الفتية مصحوباً بالاعتقالات العشوائية لمن لا يُعدّ ولا يُحصى من رجال الأحياء والقرى ومن ثم وصولاً إلى العائلات وإلى النساء وحتى العجائز.

كان النظام يعتقد أن اللجوء دفعة واحدة إلى مختلف وسائل القمع، هو الكفيل وحده بتراجع المد الثوري الذي كان يتضاعف جماهيرياً بين يوم وآخر، وخاصة في تلك الأرياف المحيطة بالمدن الكبرى حيثما تتراكم النتائج المدمرة لأفاعيل السلطة وتدابيرها المضادة لأبسط وسائل العيش الكريم، بل مجرد العيش الطبيعي للآلاف المؤلفة من سكان الضواحي الذين باتوا تقريباً من دون عمل، محرومين من أبسط وسائل الكرامة المتوفرة للناس العاديين في مختلف بلدان هذا العالم الظالم.

هكذا اضطرت بعض القيادات الشابة إلى الانصياع لضرورة التحول من السلمية والعفوية إلى العسكرية والتنظيم التراتبي، وبذلك تغيرت بنية الكيان الإنساني الحامل لأعباء النضال، فكان أن استقبل الشباب الأعداد المتكاثرة من رجال الجيش المنشقّين، بحيث أصبح هناك جيش آخر مقابل البنيان العسكري الرسمي للدولة. من هنا جاء القول أن الدخول المتعجل لأرتال العكسريين إلى الصفوف القيادية والقاعدية للانتفاضة قد أعطاها صياغة تنظيمية كانت مفتقرة إليها، لكن بالمقابل كان العنصر المدني هو الخاسر الأكبر عبر هذا التحول الشخصاني والمفهومي معاً لطبيعة العمل الثوري عينه، وليس لمادته الإنسانية فحسب. فالعلامة المميزة والأولى للانتفاضة، وهو كونها حراكاً شعبياً وتلقائياً، قد تراجعت مؤثراتها تدريجياً لصالح طابع الحرفية العسكرية التي أمسكت بتلابيب التجمعات الشبابية، هذه القوى وجدت نفسها تدريجياً بعيدة عن مراكز التخطيط والقرار التي تسلمها الرجال القادمون من جيش الدولة. ما يعني أن الحراك الأول الذي بدأه شباب وفتيان بصورة فورية وحماسية قد انتقل إلى صيغة انتفاضة شعبية، وهذه تطورت بدورها إلى جيش شبه نظامي مقاتل؛ ما جعل الساحة السورية أشبه بساحة حرب حقيقية بين جيشين، لكل منهما نقاط قوته وضعفه، فالحرب ليست هي الثورة، وإن كان يمكن لهما أن يتكاملا أحياناً، لكن تظل هناك جملة من الفوارق بينهما لن تستمر لصالح الثورة حتى وقت طويل.

عندما تعسكرت بنية الانتفاضة، شعر المدنيون أنهم أصبحوا مهمشين عملياً، فقد استطاعت الانتفاضة المحافظة على إيقاعها الثوري المتقدم لأشهر عديدة حتى غطى نشاطها ساحات منسعة باستمرار من حولها بشرياً وجغرافياً، في وقت واحد. لكن تصاعد العنف الوحشي من قبل أجهزة النظام غذى شعوراً بالحاجة الماسة إلى عوامل الدعم المختلفة آتية من أي مصدر كان.

هنا تعاظم التدخل الإقليمي والدولي، وانطلقت التصريحات الرسمية من أعلى المراكز العالمية مصحوبة بشتى مظاهر التحركات الدبلوماسية المدعية لأشكال التعبئة ضد النظام الحاكم في دمشق، مما أشاع نوعاً من ثقة بنهايته القريبة. إذ بدا أن العالم كله، وليست أمريكا أو سواها من دول أوربا وحدها هي التي سوف تتدخل بالقوى الضاربة الفاصلة، لقد سيطرت موجة تفاؤل وحماس عامي ونخبوي في آن واحد تبشر الرأي العام المحلي والدولي بأن أيام الاستبداد باتت معدودة حقاً، كما راحت ألسنة قياداتٍ وحكّامٍ تتبارى في نشر معانيها ودلالاتها. كان ذلك أشبه بسيناريو دعاوى موضوع ومنظم بدقة كبيرة، لكنه مجرد سيناريو يحارب بالكلمات والإنذارات، مبشراً بالسقوط المحتوم. هذا الجو، وإن نسيناه اليوم، أوقع الانتفاضة أسيرة سهلة للتيارات الخارجية التي تظاهرت جميعها بالعزم الأكيد على الاطاحة بالديكتاتورية المتوحشة، كان ذلك أشبه بهمروجة دولية وإقليمية صاخبة، لكنها أضرت كثيراً بصورة الواقع الفعلي لأوضاع الصراع، وحقائق القوى الضاربة في كل من المعسكرين للانتفاضة وللنظام معاً.

لقد مضى العام الأول من هذا الحراك الملتبس من دون نتائج حاسمة، ما عدا أن جولات كثيرة لمجاميع شبابية راحت تضرب في جهات متعددة من جغرافية، سورية يمكن اعتبارها شبه انتصارات معنوية أكثر منها واقعية ثابتة، لكنها مع ذلك أرست بدايات لثورة أكثر منها لحرب طاحنة بين جيشين، بمعنى أن (الجيش الحر) أصبح مرشحاً فعلياً لأن يكون جيش الثورة، وليس بديلاً عنها. بل هو الأداة الضاربة في يدها.

هذا التحول كان أشبه برهان يحتاج إلى براهين كثيرة وصعبة، هي التي سوف تشكل العناوين الصارخة لمجمل الالتباسات الراهنة المحيطة بمسيرة الحراك وظروفه، كاشفة عن نقاط قوته، وضعفه، وربما مصيره الأخير.

فأن يتفق أصدقاء الثورة وأعداؤها حول ضرورة العودة إلى الحل السياسي، ذلك كان بمثابة الحكم على قصة النضال العسكري بعدم الجدوى ومحاولة التبرؤ منه بأساليب غير صادقة مع طروحاتها، كما لم تكن صادقة عندما دعت إلي التمسك به وتحويل العمل الاحتجاجي إلى ما يشبه حروباً صغيرة متنقلة من مكان إلى آخر.

فلقد بينت تجارب هذه الأشهر الدامية، أن النظام له أصدقاء حقيقيون، دعموه بكل ما لديهم من وسائل القوة والتسليح والتمويل. في حين أن الذين ادعوا صداقة الثورة من هذا المجتمع الدولي المشبوه، كانوا أقرب إلى موقف إدارة الحل وتأجيله بشتى أساليب الخداع الدبلوماسي والدعاوي.

ها هم هؤلاء الأصدقاء باتوا، بكل بساطة، يرتدون إلى الموقف الروسي والصيني والإيراني، باحثين لأنفسهم عن ثمة أدوار هامشية لم تعد أفعالها تنطلي على أحد.

قلنا منذ البداية أن الانتفاضة هي ثورة شعبية سلمية، وأن التورط في الحل العسكري ـ إذا كان لا بد منه ـ فليبقى، في حدود الأداة الثانية بيد الثورة، لا أن تصبح هي أداة له.

في الوقت الذي فرض النظام حرباً شاملة بكل معنى الكلمة، ومازال يتابع هذه الحرب وهو يتشدق بالحلول السياسية، كأنه يريد من الثورة وحدها أخيراً أن تتخلى حتى عن الحدود الدنيا من وسائل دفاعها عن ذاتها، لكن لم يتبق أمام الرجال الأشداء والأبرياء من شباب هذه الثورة سوى التمسك بتقاليد ‘المقاومة الشعبية المنظمة’، هذه الصيغة التي أثبت تاريخ التحرر الوطني لمعظم شعوب أفريقيا وآسيا أنها هي السبيل الوحيد لطرد الاحتلالات الأجنبية، والنظام الأسدي كان ولا يزال يمثل بكل معنى الكلمة سطوة احتلال أجنبي بشكل معادٍ وقامع لمعظم شعبه، فليس الخيار أمام الثورة متأرجحاً بين ما يسمّى بالحل السياسي أو الحل العسكري، بل هو الطريق إلى ابتكار صيغة المقاومة الشعبية التي تجمع بين الأسلوبين معاً: المدني والكفاح المسلح، شرط أن يكون هذا العامل الثاني تحت سطوة الأول ورعايته وتنظيمه. وأول شرط لنجوع المقاومة الشعبية، هو اعتمادها الكلي على قواها الذاتية. فلا بد من تجاوز وسائل التوسل لهذا الحليف، أو ذاك من كل هؤلاء الأنواع من تماثيل الخداع والمماطلة التي خبرتها الثورة وعرفت أسرار التواطؤ الخارجي عندما يتقنع بمصالح الشعوب الداخلية وهو منها براء.

فلا بد للثورة أن تُعد كل قواها مجدداً من أجل استخراج العميق والعظيم من إمكانيات كفاحها الشعبي، تلك التي لم تُجرّب حتى الآن إلا القليل منها، لكن هذا القليل فعل الشيء العظيم، فقد حرر ثلاثة أرباع الأرض السورية الطاهرة، لم يتبق سوى هذا الجو الذي تعيث فيه فساداً طائرات المحتل الأسدي، لكن الموعد مع نهاية هذا الشر المحض لن يطول انتظاره ما أن تستوعب الثورة حقيقة المقاومة الشعبية التي تنتظرها جماهير سورية لكي تصنع مستقبلها بيدها كما كانت تصنعه بدمها ولحمها طيلة هذا الزمن البائس والمجيد معاً..

‘ مفكر عربي مقيم في باريس

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى