ابرهيم الزيديصفحات الناس

الرقة تحت الفصل السابع من أحكام الشريعة/ إبرهيم الزيدي

 

 

سابقاً كانت الحقائق تحتاج إلى بعض الماكياج، تتجمّل لتصير مقبولة. آنذاك كان العقل السوري يعيش مغامرته النقدية على استحياء، ولم تكن الرقة أكثر من ومضة يقين مضمخة بالنسيان، ولم ينتبه إلى شحوبها أحد، فنامت على سرير الفرات تجترّ أحلامها بالريّ الذي لم تنل منه سوى 20 في المئة من أراضيها الممتدة على مساحة 19616 كلم! استقر في مركز المحافظة 475 ألف نسمة، و500 ألف نسمة توزعوا في ريفها، غادر مركز المدينة بعد العام 2011 ما يقارب 250 ألف نسمة من سكانها، بحثاً عن وطن يتسع لأحزانهم، ونزح إليها ما يفوقهم عدداً من محافظتي حلب ودير الزور، بعدما تقطعت بهم السبل، وبقيت تنتظر خلف جدار النسيان، ولا أحد يعرف بالضبط ماذا تنتظر، أو ماذا ينتظرها. استغرق الطريق إليها 27 حاجزاً، وما يقارب 8 ساعات.

قبل أن أغادر البولمان نصحني الرجل الذي شاركني المقعد، بأن لا أترك عينيّ معلقتين على الجدران، فتذكرت مقولة قرأتها ذات يوم، مفادها أن أل باتشينو لم يكن يمثل دور الأعمى أثناء رقصة التانغو، كل ما في الأمر أنه نسي عينيه. فتلمست عيني وأنا أغادرها في اليوم التالي.

انطلق بنا البولمان في الساعة العاشرة صباحا، بعد ساعة ونصف ساعة من التأخير، لأسباب تتعلق باستكمال عدد الركاب، بعدما تقلص عدد الراغبين في السفر إلى الرقة ومنها، نتيجة الشروط التي فرضها “داعش” على المسافرين. توقف بنا البولمان عند حاجز “الشيخ هلال ” بعد مدينة السلمية بما يقارب 40 كلم، وهو الاستراحة الأخيرة التي تتوقف فيها البولمانات المغادِرة إلى الرقة، والأولى للبولمانات القادمة منها. في هذه الاستراحة يحضّر الركاب المسافرون إلى الرقة أنفسهم للدخول إلى “ولاية الرقة”، حيث ترتدي النساء اللباس الشرعي، وتتنقب، ويدخن الرجال ما في وسعهم من السجائر، قبل أن تصبح السيجارة أحد أحلامهم. فالتدخين ممنوع في الولاية، وكذلك النرجيلة، والمشاريب الروحية، إضافة إلى الممنوع من اللباس النسوي، “السفور”، والألبسة النسائية بأشكالها كافة، ما عدا الشرعي و”النقاب”. الجينز الضيق لدى الشباب، يندرج هو الآخر في إطار الممنوعات، وبعض قصّات الشعر أيضاً. تشمل هذه التحضيرات القادمين من محافظة الرقة أيضاً، حيث تخلع النسوة غير المحجبات حجابهن، الذي لبسنه عنوة، ويبادر الرجال إلى التدخين تعويضاً عن انقطاعهم عنه. ما عدا ذلك تبدو الحياة غير العادية، عاديّة. يستيقظ الناس من أحلامهم كل صباح، يغادرون بيوتهم إلى المقابر، أو يبقون تحت الأنقاض، ريثما تجد جثثهم من ينتشلها. ثمة من يلتحق بعمله، بين غارتين، فالموت يخرج من حيّز الاستثناء، ويحتفظ لزياراته بصفة المباغتة، إلى درجة أن سيرته، تصبح هي السيرة الوحيدة الملازمة لأحاديث الناس في ما بينهم. تتضخم حين يغيب، فيصبح أسطورة. وحين يباغتهم بحضوره، يعود إلى حجمه الطبيعي، ويخلع عباءته الميثولوجية، يلتقي بمن يشاء من دون موعد مسبق، ويغادر كأنه لن يعود مرة ثانية. أما واجب العزاء فقد أسقط الناس من حسابهم تلك الأبهة السابقة، التي كانت دليلاً على مكانة العائلة، حيث الموائد العامرة، والقهوة المرة تُدار على المعزين، وصينية السجائر التي تضم جميع أنواع السجائر، يضاف إلى ذلك الكثير من التفاصيل، وطريقة استقبال الوفود التي تمثل العائلات أو العشائر. فالرقة بعد الساعة التاسعة مساء، تعيش حظر تجوال طوعياً، وبعد الساعة 12 ليلا تغط في ظلام دامس. فالمدينة مرّت بمراحل من معايشة النور والظلام ليلا، الأولى كانت مرحلة المولدات الصغيرة، التي انتشرت إلى درجة عطلت حاسة السمع عند الناس، فقد أصبح لدى كل محل تجاري محرك، ولدى غالبية البيوت أيضاً. نتيجة غلاء المحروقات، وانقطاع التيار الكهربائي بشكل شبه دائم، ظهر ما يسمى “اللدّات”، وهي أشرطة تحمل نقاطاً مضيئة متلاصقة، تعمل على البطارية. ثم جاءت مرحلة المولدات الكهربائية الضخمة، توزع على المشتركين الكهرباء بحسب احتياجهم، واحتياج الناس يقاس بالأمبير، الاشتراك الأقل 2 أمبير، وسعر الأمبير بدأ بـ 400 ليرة ثم خفض إلى 330. تتوقف كل وسائل الكهرباء بعد الساعة 12 ليلا.

تخففتُ من كل ما يدل على أنني صحافي. لا كاميرا ، ولا أوراق، ولا قلم يزيّن أحد جيوبي، بل ولا بدلة رسمية أو بدلة سبور تدل على انتمائي إلى المدنية. تأبطتُ عباءة، ولففت رأسي بعمامة دكناء، ويممت شطر انكسارات الحب الأول، برفقة الخوف، بحثاً عن أولئك الذين تبعثروا في نفسي، ولم تغادر أحلامهم وسائد نومي، ومضيت كما كان مقدراً لي أن أفعل. في “استراحة الشيخ هلال”، حين رأيت القادمين من الرقة يتخففون من التزاماتهم الدينية الشكلية، بفرح اللحظة الأولى لخروج السجناء من المعتقلات، أحسستُ بنسبة الأدرينالين ترتفع في دمي، وحين غادرنا الاستراحة، وأخبرنا مساعد السائق بأن الاتصالات ستنقطع بعد قليل، استعرضتُ كل الأرقام التي تحملها ذاكرة موبايلي، إلا أنني لم أتصل بأحد. تعبتُ كثيراً من التحضير لتلك الرحلة، ولا أريد أن أفسدها بخوف الذين يحبونني. قبيل مدينة الطبقة بعشرة كيلومترات تقريباً، استوقفنا الحاجز الأول لحكّام “ولاية الرقة”. كان حاجزاً كبيراً، بقواطع، وسواتر ترابية، واسمنتية، يحميه أكثر من بيك آب يحمل رشاش دوشكا، وعناصر مسلحة على الحاجز، الذي يبدو كأنه مختص بمعاينة البطاقات الشخصية والهويات، دون الأمتعة. انقبضت نفسي، وأحسست بوجيب قلبي يتصاعد، إلا أنني تماسكت، وأغمضت عينيَّ مدعيّا النوم، لأستيقظ على لكزة من العنصر الذي صعد إلى البولمان، ففتحتهما، وأخرجت له بطاقتي الشخصية. نظر إليها بعجالة، وردّها إليَّ. هم يهتمون بالشباب، الذين في سن الخدمة العسكرية. لم يطل بنا المقام حتى غادرنا ذلك الحاجز، لنتوقف مرة أخرى عند ما يسمى مفرق مدينة الطبقة، حيث الحاجز الأهم والأكبر، الذي يضم الكثير من العناصر، وقد قام هذا الحاجز بمطالعة بطاقاتنا الشخصية، وأخرج جميع الأمتعة، وفتشها بدقة، بما في ذلك حقائب النساء التي يحملنها بأيديهن. ثم انطلقنا في اتجاه الرقة، وانطلق الخوف في نفسي، كثور انفلت من عقاله، وصار يجوب أوردتي الدموية، فاستيقظت لاستقباله خلية خلية. كلّني كنت خائفاً، بعدما خانتني كل الطرق التي اعتمدتها لتهدئة روعي. غادرنا الحاجز بعد نحو ساعة، لنتوقف في تمام الساعة الخامسة خوفاً أمام آخر حاجز لعناصر “الدولة الإسلامية”، في مدخل مدينة الرقة، في منطقة تسمى القرية، والقرية هذه كانت اسماً لمطعم جميل، في مدخل المدينة، يمتد على مساحة كبيرة من الضفة اليسرى لنهر الفرات. الاختلاف الوحيد بين هذا الحاجز وغيره، أن سواتره متحركة.

ها هي الرقة على مرمى النظر. شعرتُ حين غادر البولمان هذا الحاجز، كأنني مشجب غادرته الثياب المعلقة عليه، فقد سقط من حسابي كل شيء، ولم يبق سوى انتظاري لنتائج اختبارات الخوف الذي تملكني. وصلنا إلى كاراج البولمان الذي يشرف عليه جهاز الحسبة، الذي يُعنى بمراقبة الناس والأسواق، وهو يماثل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الموجودة في المملكة العربية السعودية، ولديه سياراته الخاصة ذات اللون الفضي، ومكتوب عليها “الحسبة” بخط كبير. في شقه الثاني كتيبة الخنساء، التي تقوم بمهام مكتب الحسبة حيال النساء، وهذه ليست الهيئة الوحيدة المعلنة، فثمة جهاز آخر يحمل اسم الشرطة الإسلامية، وهو معنيّ بالمشكلات التي تحدث بين الناس، إضافة إلى المداهمات والاعتقالات، ولديه سياراته الخاصة أيضاً، وثمة شرطة للمرور، يحمل عناصرها اسم شرطة المرور الإسلامية، يرتدون لباساً يشبه اللباس الباكستاني، فضي اللون، إضافة إلى الشرطة العسكرية الإسلامية، وهي جهاز معني بعناصر تنظيم “داعش”، ومراقبتهم، ورصد تحركاتهم. أما المكاتب فهي: المكتب الدعوي، يرتبط به المكتب الإعلامي، ولديه ثلاث نقاط في المدينة، تبث أفلاماً وتسجيلات صوتية توثق انتصارات “داعش” في سوريا والعراق، وتوزع منشورات وأقراصاً مدمجة. المكتب مسؤول عن اللوحات الطرقية، التي تحمل أفكار التنظيم بصيغة إعلانية، ولديه سيارات خاصة، تجوب المدينة، توزع المنشورات، وتبث الأغاني الحماسية. مكتب التربية والتعليم الذي أغلق المدارس إلى أن يتم وضع مناهج جديدة، وقد أعلن افتتاح كلية للطب البشري، وفق الشروط الآتية: مدة الدراسة لا تتجاوز 3 سنوات، تشمل الجانبين العملي والنظري، وعلى ست مراحل، ألا يقل عمر المتقدم عن 18 عاما، وألا يزيد على 30، أن يكون حاصلاً على شهادة الثانوية العامة، الفرع العلمي، بمعدل 80 في المئة فأكثر. تقدم الطلبات إلى ديوان الصحة. أخذت طريقي إلى بيت صديق لي هناك، كنت قد تواصلت معه من طريق الـ”فايسبوك”. فانتشار الأنترنت الفضائي، منح سكان الرقة القدرة على التواصل مع غيرهم، ويستعمل بطريقة الاشتراك، وكل مشترك يحصل على رقم حساب خاص به، ويقوم بتعبئة حسابه بحسب رغبته، بما يعادل 250 ليرة لكل 100 ميغا بايت. ويمكّنه هذا الإشتراك من استخدام الأنترنت.

كان عناصر “داعش” منتشرين بشكل واضح وكثيف بين الناس، وينقسمون قسمين: المهاجرون وهم الغرباء “الأجانب والعرب”، والأنصار وهم العناصر السوريون في التنظيم. لاحظت أن الغلبة كانت للمهاجرين، وكانوا من كل الجنسيات: من الخليج العربي، وخصوصاً من المملكة العربية السعودية، ومن المغرب العربي، تونس والجزائر والمغرب وليبيا، وثمة زنوج، وأجانب من جنسيات مختلفة، بعضهم من أوروبا وبعضهم من روسيا، وشيشان وأوزبك ومن قازاقستان. اللافت وجودهم الاجتماعي في شوارع المدينة، إذ يتجولون بشكل طبيعي، والبعض برفقة عائلاتهم، وأطفالهم، يؤمون المحال التجارية، والمطاعم، وغالبية الزوجات المرافقات لهم يحملن سلاحهن بشكل واضح، ويلاحظ الكثير من السيارات التي تحمل أرقاماً عراقية، وكأن ثمة انفتاحاً تجاريا بين “ولاية الرقة” والعراق، أو بين القسم السوري والقسم العراقي من أقسام “الدولة الإسلامية في الشام والعراق”. استوقفت سيارة أجرة، فتحدث إليّ السائق ونحن في طريقنا إلى بيت صديقي، عن عقوبة جديدة استحدثها “داعش”، هي عقوبة الإبعاد، وتعني نفي المبعد عن أرض الولاية، وعن رمي أحد الأشخاص من فوق بناء الصوامع، كعقوبة تطبق على المثليين جنسياً، وطُبِّقت هذه العقوبة للمرة الثانية في الرقة. في بيت صديقي كنت جائعاً إلى أمرين، الراحة والطعام، والأخبار. فصرنا نتحدث ونحن نتناول الطعام، فأخبرني أنهم أغلقوا الطريق المؤدي إلى البوابة الحدودية بين تل أبيض وتركيا، ويتكهن الناس بأنه أغلق من أجل ترتيبات مبادلة الطيار الأردني قبل أن يتم إعدامه، أو بسبب الانشقاقات العديدة التي تعرض لها “داعش” في الأيام الأخيرة، إذ أن كل من ينشق، يهرب إلى تركيا من طريق بوابة تل أبيض الحدودية (105 كيلومتر شمال شرق الرقة)، وغالبية الإنشقاقات يقال إنها من المهاجرين “الأجانب”. خرجنا مساء لنجوب المدينة، بعدما اتفقت مع صاحبي أن ينكر معرفته بي، إذا وقعتُ في مشكلة. مررنا من أمام سفارة ولاية حلب، ومركز شؤون ولاية دير الزور، ومكتب شؤون ولاية حمص أيضا، وكانت الملاحظة البادية كثرة عناصر “داعش” في المطاعم، بما يتجاوز حاجة المدينة، وما ألفه الناس من أطعمة، وكأن تلك المطاعم وجدت لتلبية رغبات المهاجرين منهم على وجه الخصوص. يلاحظ أيضاً انتشار جميع أنواع السيارات بما فيها تلك السيارات التي لم تكن مدينة الرقة تحلم بأن تطأ أرضها، كتلك التي مقودها على اليمين، وغيرها مما لا أعرفه من أنواع السيارات، وعلمت أن نسبة لا بأس بها منهم قد تزوجوا من بنات الرقة، وسمعت حكايات كثيرة عن زيجات تمت، وبعضها قام على النصب والاحتيال، حيث حصل الأهل على المهر والذهب، وفروا بابنتهم قبل أن يتم الزواج، وقد رأيت أن هيئة الخدمات الإسلامية رقّمت جميع المحلات التجارية، وحين استفسرت عن ذلك، علمت أن كل محل تجاري أيّاً كان، أصبح تابعا لهذه الهيئة، التي تقوم بجباية 3000 ليرة شهرياً، لقاء رسوم الماء والكهرباء والنظافة. كان التعايش بينهم وبين الناس غير مكتمل، على رغم هذا الاحتكاك، فالعلاقة بينهم وبين الناس مبنية على الشك والريبة والخوف والمصلحة، كلها مجتمعة. الأسوأ في العلاقة مع الناس هم أبناء الرقة الذين التحقوا بـ”داعش”، غالبيتهم من أبناء الريف، ولهذا أسبابه المعروفة. وقد خشيتُ أن يتعرف أحدهم عليَّ، فطلبتُ من صاحبي أن نعود إلى البيت. أمضيتُ تلك الليلة برفقة بعض الأصدقاء الذين حضروا للسلام عليَّ، وقد أخبروني أنه حين أسقطت طائرة الطيار الأردني قد قيل إن البعض رأى مظلتين انطلقتا من الطائرة، فأخذتني الشكوك إلى وجود شخص آخر لم يطالب به أحد. في السهرة قال لي أحد الأصدقاء مازحاً، إنني أعرف متى أجيء إلى الرقة، فأجبته: إنني نباتي، ولا يهمني من أين تؤكل الكتف، فضحكنا. بين الاصدقاء الذين جاؤوا للسلام أ. م. الذي كان بين نارين، حيث أن أحد أخوته يخدم في جيش النظام، وآخر التحق بـ”داعش. قلت له عليك أن تجيد صناعة فرحك، فكلنا في الهوا… سوا. قال: أعطني فرحاً من سراب، ولن أسألك عن مدة صلاحيته. لكم آلمني جوابه. غادرنا الأصحاب بعدما شربنا الشاي، وقد أيقنت أن لا أحد يعرف يقينا أن مأساتنا هي ما مات في نفوسنا، فالكل يتحدث عن الخسارات المادية أو المعلومة. في الصباح المبكر ودّعت مضيفي وغادرت إلى كاراج البولمان، لأجد أمامي الكثير من الشباب الذين منعهم “داعش” من المغادرة. المنع يشمل الشباب الذكور من مواليد 1990 إلى العام 2000، أما الإناث فكلهن قد منعن من المغادرة، إلا في الحالات المرضية القاهرة، وعلى المريضة أن تحصل على ترخيص سفر من أمير المشفى الوطني، وقد صدر قرار في الفترة الأخيرة يسمح للمرأة التي عمرها فوق الخمسين بأن تتجول في أراضي “الدولة الإسلامية”، من دون أن يرافقها محرم. في كاراج البولمان كان التدقيق الأشد على دفاتر خدمة العلم للشباب، وكل من يجدون لديه دفتراً يمزقونه. بعد مماطلات كثيرة تحرك البولمان.

بعد مدينة الطبقة بقليل، حيث آبار النفط، رأيت الكثير من الصهاريج لنقل النفط متوقفة على جانب الطريق في صف طويل. تنقل النفط غير المكرر، ولا أحد يعرف إلى أين. بين آخر حاجز لـ”داعش” وأول حاجز للنظام، استوقفت البولمان مجموعة من الشباب الجامعيين ترافقهم امرأة، وقد كان هؤلاء الشباب من طلبة الجامعة الذين منعهم “داعش” من الخروج، فاضطروا إلى قطع تلك المسافة الطويلة، ليلتحقوا بجامعاتهم، غالبيتهم من طلاب كليتي الطب والهندسة في الجامعات السورية. سألت أحدهم عن مستقبله في دراسة الهندسة، فقال: دراسة الهندسة تمنحني فرصة لهندسة شقائنا. كانت روح النكتة المريرة قد تحولت سمة من سمات السوريين. في سهرة سابقة على سفري إلى الرقة، كان برفقتنا عازف عود، وصرنا نغني أغنية صباح فخري “البلبل ناغى غصن الفل”، كل منّا يغني مقطعاً منها، وكان بيننا شاب حمصي، حين جاء دوره في الغناء قال: كنّا ستة على النبعة… أجا الصاروخ صرنا ثلاثة. يحدث أحياناً أن يبكي فيك كل شيء إلا عيونك!

النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى