صفحات المستقبل

“السبـّيحة” vs “الشبيحة”


جورجيا كسّاب

كثيرة هي المشاهد التي تجعل من كل متابع للثورة السورية، يزداد قناعة بأن هذا الشعب “المحب للحياة” لا يمكن ان توقفه آلة القتل، مهما فتكت، فلكل يوم قتلاه. وفي كل يوم تحركات سلمية فيها فرح وسلمية ينادون بها وينشغلون بتطبيقها. ففي مقابل “الشبيحة” الذين يقتلون الناس وقف شبان مدينة حماه في واحدة من تحركاتهم ينادون بالحرية في أحد المسابح.

مما لا شك فيه، أن حمص هي الأكثر تميّزاً بين المحافظات السورية في السخرية من آلة القتل. فأهل حمص يعرفون كيف يُموّهون عن أنفسهم حتى في عزّ القمع والقتل من خلال مجموعة كبيرة الاشغال الشعبية التي وسمت حمص بمدينة الثورة والفرح، إلا أن المفارقة هذه المرّة أتت من مكان آخر. من مدينة حماه التي تعرضت إلى هجوم منظم من قبل الجيش والأمن السوريين، بعد أن كانت ساحة العاصي شاهدة على نصف مليون متظاهر، يملأون دنيا الشام ويشغلون ناسها.

في حماه، تظاهرة ليست ككل التظاهرات. مقابل آلة عسكرية تُنكّل بالمدنيين العُزّل، يردّ الشبان عليها في المسبح. معادلة قد تكون في ظاهرها تحمل شيئاً من الفكاهة. إلا أنها وبلا أدنى شك، تعبر عن مدى عشق السوريين للحياة، فهم يردون على الحديد والنار، ببرودة الواثق، بأن فجر الحرية سيسطع، عاجلاً أم آجلاً.

مُصطلح الشبيحة الذي دخل إلى أذهان الناس، أصبح يقابله اليوم مصطلح آخر: السبيحة. شتان بين هذا وذاك، فالأوّل ليس فيه سوى مجموعة من الأحقاد الدفينة، أُناس سلخت عنها صفة الإنسانية، لتتحول إلى مجموعات غرائزية لا تقيم وزناً لأي شيء. فقط هناك القائد الخالد، الوحيد المُبجّل. بعده “الطوفان”، لا يهمّ.

أما الثاني (السبّيحة)، هو روح طفولية، تختصر براءة شعب كان إلى الأمس، رهينة الحزب الواحد. شعب خرج من زجاجة “البعث”، ليشرب نخب الحرية. يتذّوق منها ما حُرم منه على مدى عقود، يرتشفها كطفل يأخذ “حليبه” الطازج للمرّة الأولى. يضحك، عيونه على الوالدة. الأم هي الحرية، هي الحياة.

يوميات تستحق أن تُجمع بكتاب، يؤرخ مرحلة تفتح أمام أبناء سوريا، أبواب الحياة. فهم، وتحديداً أهل حماه، عانوا ما عانوه. فهل من إنسان ينسى احداث العام 1982؟ هل من عقل بشري لا يذكر كيف تحوّلت مدينة بأمٍّها وأبيها، إلى كومة من عار، يترك بصمته على جبين القائد الإبن، بعد أن ورث من الأب، دموع الأمهات المسكوبة فوق ركام من بشر.

من يرى كيف يتظاهر هؤلاء داخل المسبح، مرددين عبارة: الشعب يريد إسقاط النظام. يُدرك امرين أساسيين: الأول، أنهم خرجوا من مأساتهم القديمة إلى حدٍ ما، إذ إنهم يمارسون معارضتهم بطريقة أقل ما يقال فيها أنها سلمية وأكثر، وهذا لأمر مستغرب منهم تحديداً، ليس لأنهم يهوون العنف. على الإطلاق. بل لأنهم يُدركون أنهم يواجهون من قرّر إبادتهم في يوم من الأيّام.

الأمر الثاني، أن المجموعات الإرهابية المتواجدة في حماه، غاية في الخطورة. فهي تستعمل المسابح لممارسة فعل الاعتراض، وتستخدم المياه. أداة فتاكة، تنتهك من الدولة بأجهزتها ومؤسساتها، بحزبها الحاكم، وبرأس هرمها. كلّ الانتهاكات مقبولة، ولكن أن تتحول المياه وسيلة لضرب القائد، فهذا أمر مُحرّم، غير مقبول، يستأهل جحافل الجيش أن تقف على حدود المدينة، لا بل أن تدخلها وبكل قوّتها، كأنها تدخل الجولان المحتل. من كان في المسبح لم ينسَ أن يُذكّر القائد “الماسي”، بالجولان المنسي، أو المساوم عليه. لا فرق.

وفوق هذا الكمّ من “الإجرام المائي”، يظهر على شاشات التلفزة السورية، من ينتصر للجلاد على حساب “السبّاح”. هناك من ذهب أبعد من ذلك، يقول إن العملية العسكرية في حماه أتت ثمارها، فالجيش وقوى الأمن استطاعوا أن يقضوا على العصابات المسلّحة وأن يحموا المدنيين. وفق هذه المعادلة، يستطيع أطفال حماه أن يشكروا “النظام” وقوّاته على حمايتهم. هم قاموا بفعل الشكر على طريقتهم: مظاهرات مائية تقيهم حرارة نيران الحقد، المدفوعة بأكوام من عبوات دفينة، دفنها أهل المدينة منذ عقود، واليوم، يعودون لتأبينها مرّة أولى وأخيرة.

في الفيديو الذي شغل الجميع على موقع “اليوتيوب”، أطفال تحولوا رجالاً، بغفلة من زمن. خرجوا من مدرسة الاستزلام، إلى مسبح الحياة، ومياه التحرر. هم جيل جديد يكتب لسوريا جديدة، على طريقته. والهم من كل هذا، أن هؤلاء الأطفال يرسمون البسمة فوق كل الألم. بسمة بريئة، تقلق من في القصر، وتُزعزع عرش ساكنه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى