إيلي عبدوصفحات المستقبل

السوريون إن عادوا إلى زمن الأسئلة/ إيلي عبدو

ليست المرة الأولى التي تنشأ فيها صفحة في موقع “فايسبوك” تستفتي السوريين عن أسباب ثورتهم. لكن صفحة “ليش شاركت بالثورة؟”  تكتسب هذه المرة راهنية ملّحة. فالحراك الذي بدأ قبل سنوات ثلاث، سلمياً ومدنياً، دخل في أطوار معقدة، العسكرة والتطرف، وصولاً إلى ممارسات “داعش” المقززة. الأمر الذي يُكسب السؤال حول ثبات أسباب الثورة، رغم التحولات التي مرت بها، مشروعية حادة.

طبعاً، الصفحة لم تسأل السوريين بطريقة مباشرة: هل ما زلتم مع الثورة؟ ثمة تحايل والتفاف عبر أسئلة بديلة: لماذا شاركت بالثورة؟ ما الذي دفعك للمشاركة؟ ماذا كنت تتأمل؟ لتتنوع الإجابات بين الساخرة والجدية.

 الكاتب والمعارض السوري ياسين الحاج صالح عاد بذاكرته إلى سنوات الدراسة، ليكتب أن المعلم البعثي الذي كان يتحدث بتبجيل عن حافظ الأسد حرمه من فرصة الذهاب إلى فرنسا لقضاء أسبوع هناك وأرسل تلميذاً سواه. في حين كتب الشاب الفلسطيني – السوري هاني أبو تيم: “شاركت في الثورة من البدايات، كان المؤيدون يقولون لي: هذه ليست بلدك (وانقلع على بلدك)، وكنت ابتسم لهم وأقول: اذا كنتم لا تحبون سوريا فهذه مشكلتكم. أنا معجون بتراب هذا البلد ونحن الفلسطينيون تربينا على حق ومن حقنا أن نناصر الشعب السوري، وما زلت أفتخر بالثورة بكل تعرجاتها ومنعطفاتها”. أما الشابة نسرين الزاري، فسردت تفاصيل دقيقة لتصف خيارها بالانحياز إلى الثورة: “شاركت لأني تربيت على كلمة: وطي صوتك، إذ قلتِ أي رأي يأتي رجال المخابرات ويأخذون والدكِ.. شاركت أيضاً، لأن أول قصص الرعب سمعتها في طفولتي عن النساء الحمويات اللواتي قطع جنودنا البواسل أيديهن في الثمانينات ليسرقوا ذهبهن. شاركت لأني لم أشعر مرة بالأمان بحضور رجال الشرطة والأمن سوى خارج بلدي”.

إجابات أخرى اختارت السخرية، فكتب أحدهم: “لم أشارك أنا، بل مجسمي في الدوحة”، في إشارة إلى الرواية التي سوقها أعلام النظام عن جسمات للمدن السورية في استديوهات قناة الجزيرة. مشترك آخر في الصفحة كتب: “إنها حبوب الهلوسة التي وزعتها الجزيرة”. وثالث قال: “لقد غرروا بي، بندر وعصابته”.

لقد جددت صفحة “ليش شاركت بالثورة” سؤال السوريين حول ثورتهم، النماذج أعلاه عن الاجابات ليست سوى جزء بسيط. إذ امتلأت الصفحة بالستاتوسات الذكية التي تراوحت بين السخرية والأفكار الجادة. البعض فضّل سرد ذكريات سيئة عن النظام الحاكم، وذهب آخرون نحو الشعاراتية بالحديث عن الكرامة والحرية وحقوق الانسان، فيما البعض الآخر استلهم فلاشات مضحكة من روايات النظام حول المنتفضين ضده.

وقد يبدو لافتاً لأي زائر يمر بالصفحة، إحساسه بأن الثورة اندلعت البارحة، وليس قبل سنوات ثلاث. ولا كلمة عن “داعش” أو “النصرة” وحتى عن الجيش الحر. سؤال الصفحة ينتمي إلى الزمن البريء للثورة، حين نزل الناس بلا سلاح للمطالبة بحريتهم. الاجابات كذلك تنتمي إلى ذلك الزمن وتصرّ على التمسك به رغم كل شيء. لكن ماذا لو قرر شبيحة النظام الالكترونيون الرد على هذه الصفحة بواحدة مضادة عنوانها: “لماذا لم تشارك بالثورة؟”. الأرجح أن تتحدث إجابات كثيرة تتحدث عن قطع الرؤوس و”الاستقرار” الذي سبق الأحداث الحالية، إلا أن هذه الاجابات ستنتمي بالضرورة إلى زمن البعث المعطل حيث السؤال في حد ذاته لا معنى له.

المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى