صفحات الثقافةمحمد أبي سمرا

الشباب والنساء في مهبّ الثورات العربية

محمد أبي سمرا
ماذا يعني قتل عشرات من شبان “الإيمو” في العراق، وتزويج فتاة قاصر من مغتصبها في المغرب، ومطاردة مئات من الشبان المصريين سائحة أجنبية ترتدي تنورة قصيرة في السويس، وفحص عذرية شابات الثورة المعتقلات في القاهرة، وتمرد طالبات الثانويات في اليمن، وضياع بعض طالبات السكن الجامعي في الجزائر، وعملهن بائعات هوى؟

هل جدّدت الثورات العربية المتلاحقة والمتزامنة سياقات الحوادث والظواهر السياسية والاجتماعية المتفرقة والمتباعدة، وغيّرت من دلالاتها في ما يتعلق بأحوال مجتمعات تسلطت عليها جماعاتها الحاكمة، وأغرقتها في الركود والتمزق، وسجنتها خلف جدران الكتمان والصمت؟
قد لا تكون الحوادث والظواهر المعنية جديدة وغير مسبوقة. لكن الجديد أن الثورات عرّضت المجتمعات والسلطات في بلدان الثورات وسواها من البلدان العربية، للانكشاف، وألقت الضوء على الحوادث والظواهر فيها، وجدّدت النظر اليها وغيّرت أطر تناولها وسياقاتها ودلالاتها. ذلك ان حقبة سياسية – اجتماعية مديدة تتهيأ للأفول. أما مصاعب المرحلة الانتقالية هذه، عسرها وتعثرها، وإحباطات الفئات المدنية والشبابية السبّاقة في إطلاق الحركات الاحتجاجية وتصدرها، وصعود تيارات الاسلام السياسي وجماعاته المختلفة وتصدرها المشهد العام، فهي من المسائل المرشحة للنظر والمناقشة والتبصر والتفكير راهناً، وربما على المدى الطويل. أما اولئك الذين ينظرون الى الثورات كحدث خلاصي، فجائي وناجز، ويدفعهم عدم وضوحه وترجحه وغموضه الى التشكيك في جدواه، ويأخذهم التحسر المرضي والرجعي على ما فات وانقضى، راغبين في توقيف الزمن ولجم التحولات السياسية والاجتماعية، وتفصيلها على مقاس نظرتهم الخلاصية ومواقعهم وأدوارهم، فيفوتهم أن ما حدث يستحيل الرجوع عنه، وأن رغباتهم تتماهى مع الاهتراء والاستنقاع المديدين اللذين سبقا الثورات.
¶¶¶
في مهب هذه الحقبة الوليدة ومخاضها، هل من سياقات وأطر واضحة المعالم لتناول الحوادث والظواهر الاجتماعية المتدافعة، ومقاربة دلالاتها ومقارنتها في مرايا الثورات العربية؟
على سبيل المثال والتجريب والاختبار، ننتقي هنا اخباراً ومتابعات صحافية موسعة عن بعض الحوادث وردود الفعل عليها، في مصر والمغرب والجزائر واليمن والعراق، لنقدّم عرضاً موجزاً لها، ونكتشف بعض المعاني والدلالات المشتركة بينها. في العراق اثار قتل عشرات من شبّان “الإيمو” في بغداد وبابل استنكار المنظمات المدافعة عن حقوق الانسان، على ما كتبت خلود العامري (“الحياة”، 12 آذار، 2012). “الإيمو” مصدرها كلمة “إيموشن” الانكليزية، أي العاطفة أو المشاعر الجياشة. وهي تطلَق على جماعات من الفتية والشبان والفتيات المراهقين الذين يهتمون بالملابس والعطور والاكسسوارات، ويتبادلون القبل علانية ويستمعون الى موسيقى الروك والراب، ويرتادون أماكن ومقاهي خاصة بهم، تعبيراً عن ابتعادهم من التقاليد والعادات المحافظة في مجتمعهم القاسي والعنيف في العراق، وفقاً لما كتب شاكر الانباري (“المستقبل”، 18 آذار، 2012). وكان شبان “الإيمو” قد ظهروا قبل سنتين أو ثلاث في مدينة طرابلس اللبنانية، وأثاروا لغطاً في مجتمعها المحافظ. أما ظهورهم اليوم في مدن عراقية فأدى إلى تعرّض بعضهم للقتل بأسلوب شنيع، من طريق سحق رؤوسهم بحجار كبيرة من الاسمنت. وزارة الداخلية العراقية اشارت الى مقتل 56 شاباً منهم، فيما بلغ عدد القتلى 90 في إحصاءات أخرى. حامت الشبهات حول “عصائب أهل الحق” الشيعية، الممولة من ايران، التي انشقّت عن “التيار الصدري”، وبدأت تنشط في الشارع العراقي في الشهور الاخيرة، وتتصرف كوصي على التقاليد الاجتماعية والدينية، بعدما سمح لها رئيس الوزراء نوري المالكي بإقامة استعراض علني، لإشراكها في العملية السياسية. لكن معلومات اخرى أكدت ان الاتهام يشمل ضباطاً أمنيين عراقيين يناصرون “التيار الصدري” و”عصائب أهل الحق”. لذا اصدرت وزارة الداخلية العراقية بياناً ينفي عنها الشبهات، ويحذر من “التجاوز على الحريات العامة في قمع ظاهرة الإيمو والترويج لها”. التحذير موجّه الى ناشطي حقوق الانسان والصحافيين الذين سلّطوا الضوء على الظاهرة وعلى جرائم القتل المروعة لشبانها. وأكد صحافيون تلقيهم رسائل تهديد تحذّرهم من تناول الظاهرة والجرائم.
لا يبدو أن حملة قتل شبان “الإيمو” تفاعلت على نطاق واسع ومشهود في العراق، برغم ضخامتها. فالمجتمع العراقي مرهق ومحطم، ولا يزال مسرحاً يومياً للتفجيرات والقتل العشوائي الممنهج. عدوى الثورات العربية التي اطلقت بعض التظاهرات الشبابية في مدن عراقية، سرعان ما جرى إخمادها بالقوة والحصار. هذا على خلاف المغرب الذي شهد تظاهرات واحتجاجات واسعة أدت الى تعديلات دستورية لا يستهان بها، انبثقت عنها حكومة تمثل فيها الاسلام السياسي تمثيلاً راجحاً. قوة المجتمع المدني وحراكه النشيط في المغرب ما بعد الثورات، أطلقا حملة واسعة من الاحتجاجات على حادثة انتحار فتاة قاصر (16 سنة)، بعد إجبارها على الزواج من مغتصبها، على ما تقتضي أعراف وقوانين قضائية تحمي المغتصب من العقاب في حال قبوله الزواج من المغتصَبة، في إطار ما يسمّى “ستر الفضيحة”. حملات الاعتراض والاحتجاج شملت تنظيم تظاهرات وتوقيع عرائض وتحرّك جمعيات حقوقية وحملات تضامن شعبي ووقفات امام البرلمان المغربي، وإقامة ندوات ومناقشات واسعة، لإعادة النظر في قوانين الأسرة التي تعفي المغتصب من العقاب وتمنحه حق الزواج من ضحيته.
برغم الاختلاف بين الحادثتين، العراقية والمغربية، وحجم كلٍّ منهما ووقعها وردود الفعل عليها، فإن القاسم المشترك بينهما، بروز مسألة حقوق الإنسان، وخصوصاً في الاوساط الشبابية التي يبدو ان الثورات ألقت الضوء عليها، وإن على نحو متفاوت بين العراق والمغرب.
¶¶¶
في مصر تزدحم الحوادث والظواهر المتدافعة في مجتمع الحقبة الانتقالية المضطربة وبرلمانها الانتقالي الذي هيمنت عليه قوى الاسلام السياسي “الإخواني” والسلفي، ذي الثقل الانتخابي والاجتماعي الكبير في بلاد النيل، وحيث لا تزال السلطات التنفيذية الانتقالية في يد الجيش، وهذا ما أحبط الحركة المدنية والشبابية التي أطلقت الثورة وتصدّرتها. الإسلام السلفي المصري الذي أخذت الغفوة بعض نوّابه في الجلسة الأولى لبرلمان ما بعد الثورة، يتزايد نشاطه بقوة لافتة في المجتمع الأهلي. وهو يصدّر نجوم دعاته إلى كل من تونس ولبنان، لإقامة لقاءات ومهرجانات دعوية. وجدي غنيم من أشهر هؤلاء النجوم الذين شنّوا حملة تكفير واسعة ضد المسلمين الذين شاركوا في تشييع البابا شنودة الثالث القبطي المسيحي الى مثواه الأخير. الحملة هذه تتزامن مع استمرار السلفيين في دعمهم المجلس العسكري المتهم بقضية “فحص العذرية” التي اعتمدها سياسة رادعة ومذلّة للشابات المشاركات في الثورة. القضية هذه حملت بعض الشابات الجريئات من المعتدى عليهن على مقاضاة الأجهزة الامنية والعسكرية. هيئات المجتمع المدني والجمعيات الحقوقية غير الحكومية التي ناصرت الشابات ودعمتهن، تعرضت، أخيراً، لحملة شعواء، واتهمت بأنها غير قانونية وتتلقى مساعدات من الخارج، واعتقل بعض ناشطيها الأميركيين في القاهرة، وذلك لإثارة “المشاعر الوطنية” المصرية التي تشكل مناهضة السياسات الغربية عاملاً من عواملها. وهذا ما أضعف الناشطين المدنيين في جمعيات حقوق الانسان، وأسقط في أيديهم في جبههم الحملة الاعلامية المناهضة للأجانب ولقضية “فحص العذرية”.
لكن إحدى الشابات الناشطات سجلت بالصوت والصورة ما سمّته قصيدة في عنوان “فحص عذرية”، فبثّت الشريط على موقع “يوتيوب”، مستلهمةً ما فعلته الناشطة أسماء محفوظ عشية الثورة المصرية. تقول الشابة في قصيدتها التي كتبتها بالانكليزية وترجمتها الى العربية:
“مشفتش الخوف في عنيَّ/ ففتحت رجليَّ تدوّر عليه هناك؟!
شفت إيه لما بصيت؟!/ سمعت آهات المظلومين؟
شفت جثث الشهدا؟/ شفت – بلا مؤاخذة – حد بيبصلك بعين قوية؟
حسيت بإيه لمّا تف عليك؟/ شفت إيه لما بصيت؟
شفت جنين الحرية في الشهر الثالث؟/ شفت ما شا الله باسم الله عافيته الزاي؟
خوّفك إللي شفتو؟ أنا لو كنت محلّك بخاف.
أنت مقتنع فعلاً إنك أهنتني وكسرت عيني؟!
أنت غلبان قوي/ أنا مفيش حاجة في الدنيا عيزاها غير إنك تفهم الإصرار والغضب اللي جوايا/ ومفيش مكان في الدنيا صغير تشوفو أوضح من مطرح ما كنت بتبص… هناك جو اوي… فبص براحتك… بص وخاف… خاف أوي”.
تزامن بث هذا الشريط وكلماته في صوت الشابة، مع حادثة تناقلت الخبر عنها مواقع الكترونية مصرية كثيرة، إضافة الى صحف 16 آذار 2012. حصلت الحادثة في مدينة السويس، عندما قام عشرات من الشبان بتعقب سائحة دانماركية شابة ترتدي قميصاً وتنورة قصيرة جداً، أثناء سيرها في شارع سعد زغلول. أطلق الشبان الذين عاكسوا السائحة سيلاً من التعليقات والتحرشات، فلجأت الى متجر للملابس. لكن المطاردين تزايد عددهم في الشارع، فبلغ المئات. هذا حمل صاحب المتجر على الاتصال بالشرطة، فحضرت الى المكان وحدة كبرى من عناصرها، لكنها لم تستطع إخراج السائحة من المتجر، إلا بعد إطلاقها قنابل الغاز المسيلة للدموع لتفريق الحشود التي ملأت الشارع. نقل رجال الشرطة الفتاة الى مصفحة، وهي تبكي وفي حال من الدهشة والانهيار، حتى وصولها الى الفندق الذي تنزل فيه.
هل من حاجة الى استنطاق دلالات هذه الحوادث وصدورها عن هوس تناولته كلمات قصيدة “فحص عذرية”؟ هوس محوره الأنوثة وسفور المرأة، وهتك كرامتها الشخصية لفحص عذريتها حفاظاً على شرف الأهل، إذا كانت من ديارنا وأهلنا وحرمة لنا، والتهامها اذا كانت غريبة وأجنبية. الهوس هذا، أليس هو نفسه محور التدين السلفي والإخواني؟ لكن الجديد أن الحوادث الناجمة عن هذا الهوس، صارت اليوم مداراً للمناقشة العلنية المتنازعة بين قوى المجتمع وهيئاته، من دون أن تتمكن السيطرة المطلقة للسلطات من التلاعب بالحوادث ومواراتها خلف ستار من الخوف والتخويف.
¶¶¶
في برنامج حوار تقدمه إذاعة “بي بي سي” اللندنية، وتناولت حلقة من حلقاته مسألة تزويج الفتيات من مغتصبيهن، اتصل بالإذاعة شخص سعودي، فاعتبر أن ارتياد الفتيات المرابع الليلية هو ما يؤدي الى اغتصابهن، واقترح قفل منتديات السهر الليلي للقضاء على ظاهرة الاغتصاب. وفي تحقيق صحافي عن أحوال الطالبات الجزائريات من نزيلات المسكن الطالبي الجامعي في الجزائر العاصمة، روى التحقيق الذي كتبته فتحية زماموش (“الحياة”، 12 آذار 2012) بعضاً من حالات ضياع طالبات وفدن من الأرياف للدراسة الجامعية ونزلن في المسكن الطالبي. في الصورة المرفقة بالتحقيق ظهرت عشرات من طالبات المسكن محجبات، فيما تنقل مقتطفات من سيرة ثلاث طالبات وقائع “انحرافهن” و”اضطرارهن” أو “انزلاقهن” الى العمل بائعات هوى، نتيجة انسلاخهن عن البيئة الريفية وحضانة الأهل، وتعرضهن لظروف الحياة المدينية “القاسية”. إحداهن تقول إن الحياة في حي السكن الطالبي الجامعي تشبه الحياة “في غابة”. وهي اضطرت الى أن تعمل نادلة في مقهى للحصول على نفقات معيشتها اليومية. أما الطالبة الأخرى فروت أنها تعمل بائعة هوى في حانة ليليلة، وتتعاطى المخدرات، فيما روت طالبة ثالثة “فائقة الجمال”، أنها “تصطاد الشبان والرجال الذين يركنون سياراتهم الفارهة ليلاً قرب بيت الطالبات”.
نسجاً على منوال اعتبارات صاحب الرأي في حوادث الاغتصاب، يجب الكف عن تعليم البنات وقفل المسكن الطالبي الجامعي في الجزائر، للخلاص من ظاهرة “انحراف” الطالبات بعد عملهن في النوادي الليلية التي دعا المتصل السعودي بالـ”بي بي سي” الى قفلها أيضاً. هذا يعني أن الحجر على النساء وإخراجهن من التعليم والعمل والحياة العامة، هما اللذان يعصمان المجتمع من “آفاته” كافة، ما دام خروج المرأة من محجرها أو محرمها الأسري والعائلي هو الباعث الوحيد على “الآفات” كلها. أما في اليمن – الذي اعتاد كثيرون من الرجال السعوديين على القيام برحلات سياحية فيه، والزواج من فتيات منه صغيرات عذراوات، زواجاً “سياحياً” موقتاً، ثم يتركونهن لأهلهن ويعودون الى ديارهم – فإن طالبات المدارس الثانوية اليمنية يتابعن اليوم ما يُعرف بـ”ثورة المؤسسات الهادفة الى تغيير قيادات متهمة بالفساد”، وفقاً لتحقيق صحافي كتبه علي سالم من مدينة تعز (“الحياة” 12 آذار، 2012). الصورة المرفقة بالتحقيق تظهر جمهرة من الطالبات اليمنيات المحجبات يسرن في تظاهرة ترفع لافتات تقول إن “تعيين بلاطجة مديري مدارس من اسباب فشل التعليم” و”مدرسة أسماء قررت إسقاط المديرة”. مثل هذه “الانتفاضات الطالبية” المستمرة في اليمن ضد إدارة المؤسسات التعليمية، قد تؤدي على المدى البعيد الى خلخلة ثقافة طاعة أولي الأمر التي يعتبرها باحثون من أركان الاستبداد الاجتماعي. وهو الاستبداد إياه الذي يُرغم فتيات يمنيات على زواج شبه اغتصابي من رجال سعوديين يسوحون سياحة جنسية في اليمن.
¶¶¶
هذه الوقائع الجزئية في بلدان الثورات العربية وسواها، ليست جديدة. لكن إلقاء الضوء عليها وفتح أبواب عرضها وتقصيها ومناقشتها على نطاق واسع ومستفيض، قد يكون من نتائج الثورات ومراحلها الانتقالية الراهنة. ذلك أن المجتمعات العربية اليوم في حال من الحراك يصعب وقفه ولجمه والتكهن بمساراته في المدى القريب. أما اللافت في هذه الوقائع فهو ان مدارها يتمحور حول الحراك الشبابي والظواهر الشبابية، ومسألة حقوق النساء وأوضاعهن في المجتمعات العربية الثائرة والموقوفة في مهب الثورات.
النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى