صفحات العالم

العلاقات الروسية الإيرانية ما بعد الضربة الثلاثية… وما قبلها/ إيفا كولوريوتي

 

 

 

من المؤكد أن العلاقات الروسية الإيرانية هي علاقات مصالح لا أكثر فالدعم الذي قدمته موسكو لطهران خلال المباحثات حول البرنامج النووي لإيران كان مرتبطا بشكل أساسي بنقطتين:

الأولى: هي أن طهران إحدى أهم الدول المعادية للنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط بشكل ظاهري ولها نفوذ مهم في عدد من هذه الدول.

الثانية: هي أن رفع الحصار عن إيران يعني المزيد من العقود العسكرية مع موسكو وبالتالي تكون الإدارة الروسية قد فتحت لنفسها سوقا عسكريا مهما، فطهران من أكثر دول المنطقة رغبة بالتوسع والتعامل بالعسكرية.

ضوء أخضر

كما أن السوق الإيراني لا يختصر في الجيش الإيراني والحرس الثوري الإيراني وإنما يمتد لأذرعها الميليشياوية في كل من العراق ولبنان وسوريا واليمن، كما أن عددا من التقارير الغربية أكدت عن بدء طهران بتجنيد ميليشيات متشيعة حديثاً في القارة الإفريقية، ومن المعلوم في العرف السياسي فإن لغة المصلحة قابلة للتغير والتبدل طبقاً للموازنات الدولية والاقتصادية والمصلحية وهناك الكثير من الأمثلة على ذلك، منها العلاقة ما بين ديكتاتور المهاجرين واردوغان ما قبل الثورة السورية حيث تطورت العلاقات بين الإدارتين بشكل مذهل وسريع إلا أن مصلحة تركيا مع انطلاق الثورة السورية كانت بالاصطفاف من التكتل السني العام المعادي لنظام الأسد وبالتالي تحولت الأمور بشكل متسارع نحو العداء.

من المهم التذكير بنقطة هامة بما يخص الثورة السورية وهي أن التدخل العسكري الروسي في سوريا لم يأت بشكل أساسي بطلب أو ترجّي من قبل مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي خلال زيارته لموسكو في أيلول/سبتمبر عام 2014 وإنما أتى بضوء أخضر أمريكي وإسرائيلي، فواشنطن في ظل إدارة أوباما رأت أن سوريا مستنقع مهم جداً لاستنزاف القدرات الروسية، فيما رأت تل أبيب أن الوجود الروسي سيكون صمام أمان تمنع به أي جنون من قبل طهران أو أذرعها في سوريا، كما تحافظ تل أبيب عبر موسكو على صيغة الحكم السوري العلوي الخاضع بشكل كلي أمام قوة الذراع العسكرية الإسرائيلية الطويلة، ومن هذا المنطلق تكون صيغة الرؤية العامة لطهران وموسكو متطابقة بنقاط معينة ومتضادة في نقاط أخرى، فطهران ترى ببقاء ديكتاتور حي المهاجرين ضرورة لا يمكن التنازل عنها فيما ترى موسكو بالأسد المذلول الضعيف « قديروف « سوريا، إلا أنهما يختلفان بمسألة النفوذ النهائي في الساحة السورية فكلاهما يريد لنفسه التفرد بالمستقبل السوري.

نفق مظلم

في الأشهر الأخيرة دخلت العلاقات الروسية الإيرانية في سوريا نفقا مظلما، فالإيرانيون قللوا من دعمهم للعمليات العسكرية التي تقودها موسكو في الشرق السوري بمحيط مدينة دير الزور وحقلي الكونيك والعمر، فيما حاولت طهران عرقلة الاتفاق المسبق من بين أنقرة وموسكو فيما يخص عملية غصن الزيتون من خلال دعمها للميليشيات الكردية هناك، كما أن طهران لاتزال تبدي توجسها بشكل مباشر للإدارة الروسية من ازدياد الدور التركي في إدلب ومحيطها، كما أن النقطة الأهم والتي تراها موسكو سبباً كافياً لإعادة رسم الخريطة السوري في ظل الوجود الإيراني هي التحرش المستمر من قبل طهران بتل أبيب، فالطائرة من دون طيار الإيرانية والمحملة بالصواريخ التي انطلقت من مطار الـ «تي فور» العسكري والتي أسقطتها الدفاعات الإسرائيلية فوق هضبة الجولان شكلت إنذار يستدعي التحرك الروسي.

منعطف جديد للأحداث

شكلت الضربة الثلاثة الجراحية على البرنامج الكيميائي لديكتاتور سوريا منعطفا جديدا لمسار الأحداث في الساحة السورية، قد يراها الكثير من المراقبين بنظرة تشاؤمية على أنها لم تكن كافية ولم تغير أيا من الموازين على الأرض، وبشكل منطقي فهذه النظرة صحيحة إلا أن للضربة نقاطا معتمة يجب التوقف عندها، فالتساؤل الأهم الذي طرح من قبل المدافعين والمشبّحين لنظام الأسد وحلفه وهو أن الانتصار كان حتمياً في دوما، فلماذا اضطر الأسد لاستخدام السلاح الكيميائي الذي قد يسبب له مواجهة صفعة غربية؟

الجواب على هذا السؤال سيوضح أهمية الضربة الثلاثية، فمن المعلوم أن الأسد قد ارتكب هذه الجريمة بشكل واضح وضوح الشمس، إلا أن للجواب تفاصيل فالمروحية التي ألقت السلاح الكيميائي على مدينة دوما انطلقت من مطار ضمير العسكري المتحكم فيه من قبل قاعدة حميميم الروسية بشكل مباشر، فالعديد من التقارير المحلية والغربية أكدت أن مطار ضمير العسكري تحول منذ بداية عام 2017 لقاعدة روسية أمامية تراقب بها الوسط السوري، وبالتالي فإن الهجوم تم بضوء أخضر روسي لكن الصمت الإيراني التام ما بعد الهجوم بضع إشارة استفهام عن إمكانية أن تكون موسكو قد دبرت الهجوم لحاجة في نفس الإدارة هناك، كما ان التأكيد الغربي المستمر عن دور موسكو المباشر في الهجوم دون ذكر طهران يؤكد على إمتلاك الاستخبارات الغربية أدلة تؤكد وقوف موسكو خلفه بشكل مباشر، إلا أن التساؤل التالي هو ما الحاجة التي تريدها الإدارة الروسية من هذه الحركة.

قناة تفاوضية مع واشنطن

أشارت العديد من وسائل الإعلام الغربية عن فتح موسكو لقناة تفاوضية مع واشنطن فيما يخص حجم الضربة الثلاثية، هذه المفاوضات التي لم تخرج نتائجها للإعلام هي لب المسألة، فالقوات الضخمة التي تم ضخها لشرق المتوسط من قبل الحلف الغربي الثلاثي تؤكد أن مستوى الضربة سيكون مرتفعا، إلا أن ما جرى يؤكد مما لا شك فيه أن صفقة ما قد تمت، أكّدتها الغارات الإسرائيلية التي استهدفت الوجود الإيراني في سوريا ما بعد الضربة الثلاثية، هذه الضربات التي شملت ما لا يقل عن 25 موقعا عسكريا إيرانيا من مدينة دير الزور مروراً بمدينة حمص وشمالاً لجنوب حلب وحتى الجنوب السوري في محيط مدينة خان أرنبة، مستوى هذه الغارات الواسع يؤكد أنه من ضمن الاتفاق غير المعلن هو أن تتولى إسرائيل بشكل مباشر إضعاف النفوذ الإيراني وبتغطية من موسكو.

بقاء إيران في سوريا محسوم ومبني على الرؤية الإسرائيلية كما أن الاستتباب الروسي هناك مرتبط بشكل حتمي بالراحة الإسرائيلية، ومن المؤكد أن القرار النهائي لإدارة المحافظين الجدد في واشنطن بما يخص الاتفاق النوي مع إيران لن يكون مرضيا لطهران، بالتالي فإن ساحة التصادم قد تمتد من طهران وهمدان وحتى بيروت، مما يعني أن الاصطفاف الروسي مع طهران قد يؤدي لتأثرهم بنيران هذه المواجهة، مما سيدفع موسكو لفرض الأمر الواقع على الأسد إما ان يختزل ارتباطه بموسكو أو أن يكون من ضمن الأوراق التي ستضربها الموجة المقبلة.

محللة سياسية يونانية مختصة في شؤون الشرق الأوسط

القدس العربي

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى