صفحات مميزةغسان المفلح

الكتلة الثائرة والاشكالية الطائفية


غسان المفلح

درعا وريفها منطلق الثورة، بعضا من دمشق المدينة وكل ريفها تقريبا، ما عدا مدينة صيدنايا ذات الغالبية المسيحية، حمص وريفها ماعدا المخرم الفوقاني وبعض قرى الريف التي يغلب عليها الانتماء المسيحي لسكانها، حماة وريفها الشرقي، أدلب كلها تقريبا بمدينتها وريفها، ريف حلب الاهم وبعضا من احياءها، ماعدا مدينة عفرين وبعض أحياء حلب ذات الغالبية الكردية التي يسيطر عليها بمعرفة النظام الجناح السوري لحزب العمال الكوردستاني بزعامة عبد الله أوجلان..القامشلي وأكثرية ريفها الكردي والعربي والآشوري..الرقة كمدينة، دير الزور بريفها ومدينتها..مدن اللاذقية وجبلة وطرطوس وبانياس هذه المدن التي نكل بها بطريقة شرسة وتمت محاصرة احياءها وبيوتها وشوارعها حتى اللحظة، بينما لم يتحرك ريف الساحل أبدا..دون أن ننسى تلكلخ التي أجرم فيها النظام..ودون أن ننسى مشاركة أعداد كبيرة من الناشطين من مختلف الأديان والطوائف*.. وبحسبة بسيطة ليسمح لي بعض الناس بذلك، إن الكتلة المتحركة والثائرة إنما تعبر عن أكثرية سكانية واضحة ولا تقبل الجدل، أكثرية ثائرة، هذه الكتلة الثائرة التي لم تجد مكانا في السابق تنطلق منه سوى الجامع وفيما بعد المدارس والجامعات، واجهت هذه الكتلة الثائرة منذ البداية قمعا همجيا وشرسا وبدون أية روادع من اي نوع كان، وإلى جانب ذلك اشتغلت الماكينة الاعلامية للعصابة الحاكمة وتوابعها، في الهجوم على الثورة وعلى هذه الكتلة منطلقة من كذبتين: الأولى- أن هذه الكتلة تتحرك من أجل النيل من دور سورية المقاوم في مواجهة الامبريالية والصهيونية، وتحركت مع هذه الكتلة آلة الاعلام والتشبيح في كتلة الثامن عشر من آذار التي يتزعمها حزب الله اللبناني وذيله ميشيل عون ومخبريه كوئام وهاب وغيرهم…

الكذبة الثانية- ان هذه الثورة عبارة عن حركة سلفية اصولية إسلامية لأن تظاهراتها السلمية قد خرجت من الجوامع، مستهدفة نصف علمانية العسكر والعصابة الحاكمة، ومستهدفة التعايش الذي يحميه عسكر الفساد!!

هذه الكتلة الآن تخرج من كل الامكنة….

اليسار والثورة…

هذا التجني الذي تعرضت له الكتلة الثائرة، أراد أن يضفي على هذه الكتلة الثائرة طابعا طائفيا، باعتبار أن غالبية من خرج في التظاهرات ينحدر من الاسلام السنة في سورية. ‎” يحاول بعض هذا اليسار إعطاء انطباع أن هذه الثورة ذات بعد طائفي- فاتح جاموس أحد مؤسسي حزب العمل الشيوعي في سورية في مقابلة له على قناة الاورينت في بداية الثورة، والمفكر السوري سحبان سواح في بداية الثورة،مثالا.وتحت حجة الانتقال التدرجي والآمن للديمقراطية تمرر مقولات العداء للثورة التي تفوح منها رائحتان تزكمان الانوف الأولى ما تحمله من نفس طائفي سنأتي إليها لاحقا، والثانية نفس مصلحي مع النظام أو مع حزب الله، وهذا جعلهم يتنطحون لتأكيد ما يرمون إليه عبر مقولة انتشرت في بدايات الثورة، وهي لماذا لاتعطوا وقتا للاصلاح لهذا النظام المقاوم؟!!بينما هم يدركون أكثر من غيرهم أن هذا النظام الوراثي جعل البلد مزرعة عائلية بالقمع والفساد ونهب خيرتها وتوزيعها بشكل ولائي وهذا ما يجعل ادعاء هذا اليسار المتعلمن ادعاء ساقطا أخلاقيا وفكريا وسياسيا. هل مطلوب من سورية أن تبقى تحت حكم هذه الآلة القاتلة؟ إن التظاهرات المتواصلة منذ عشرة أشهر ضد النظام السوري والرد القمعي المتوحش والذي خلف حتى الآن أكثر من 6200 شهيد وآلاف المصابين وعشرات الوف المعتقلين، بعده كيف يمكن الحديث عن نظام مقاوم؟ يسانده حزب طائفي منذ لحظة تأسيسه وحتى اللحظة، وهل حزب الله حزبا علمانيا؟ لكون هذا اليسار يضحي بالحرية من أجل العلمانية الزائفة. إذا افترضنا جدلا أن النظام السوري انتصر مؤقتا على الثورة، ماهي المقاومة التي ستبقى؟ ويستطيع هذا اليسار الدفاع عنها؟، ومن جهة أخرى ماذا سيعني لهم إنتصار هذا الشعب العملاق؟ وما الذي سيعنيه بالضبط بالنسبة لأولئك الذي يدافع عنهم اليسار ويكافح من أجلهم؟ هل من المقبول قتل الآلاف من شعبك واعتقال عشرات الالوف وتدمير مدنا واحياء من أجل مشروع مقاومة هو أداة إيرانية في المنطقة؟ أين اليسار من كل هذا؟ وأي يسار هذا؟

إن توزيع الثروة يوضح بما لايقبل مجالا للشك ما نريد ان نبينه في هذه الاطروحة الخاصة التي نتحدث فيها عن الكتلة الثائرة، ولكن قبلها تحدثت عن هذا النوع من اليسار كي أقول أنه يسارا تخلى عن أي نزوع طبقي في قراءته للظاهرة الثورية المتحركة، وهم يدركون أيضا أن الكتلة المطيفة من الأقلية العلوية لن تتحرك، مهما كانت درجة الإفقار، ولاسباب يعرفونها جيدا، وهذا يجعل الناشطين والمثقفين المنحدرين من الطائفة العلوية في نصرتهم لثورتهم السورية كمن يقبض على جمرة ملتهبة بين انامله، وتحتاج هذه القبضة إلى وعي عميق وجوهري بالمعنى الوطني إضافة إلى تثمين راق لمقولة العدل، والتي تخلى عنها متشدقي اليسار والعلمانوية، هذا إذا لم نتحدث عن احتقار هذا النوع لمقولة الحرية والديمقراطية. لقد أسقطت الثورة زيف مقولات يسار متواطء وعلمانية تكره مجتمعها، وعاجزة عن التأثير فيه، إلا من زاوية وقوفها مع العسكر وتلميع صورتهم، والثورة أعلت من مقولة الحرية والمدنية والديمقراطية. هذا اليسار الذي لم يكن يأتي على ذكر الاشكالية الطائفية ودور السلطة في تلغيم المجتع السوري فيها. لهذا هم تعاملوا مع الثورة والكتلة الثائرة بأنهم سنة، وسنة سلفيون يخرجون من الجوامع!! وبعدها بدأوا التسويق لقضية العصابات المسلحة كمساعدة مجانية لنظام يحتقر طروحاتهم، ويسخر من يساريتهم وعلمانيتهم هذه. واهم ما كذب إدعاءهم في الواقع هو مشاركة مدينة سلمية ومدينة شهبا ومدينة قطنا في الثورة أي فيها كتل مسيحية واسماعيلية ودرزية، ومشاركة المكون الآشوري بقوة في الثورة، إضافة للمكون الكردي القومي ما خلا مجموعة أوجلان التركية!! شعارات وهتافات ويافطات الكتلة الثائرة حول فهم هذه الكتلة لوحدة الشعب السوري وتبنيها بالدم لهذه الوحدة على أسس المواطنة والمدنية، كل هذا جعلهم يدخلون في قوقعتهم التيمية- نسبة لتجمع تيم الماركسي- وهم يرتدون طربوش الطرابيشي، نسبة للمفكر السوري جورج طرابيشي..

الثروة وتوزيعها..

إن الغالبية من سكان سورية ينحدرون من السنة عربا وكردا، ويشكلون أكثر من 75% من السكان، الطائفة العلوية تقدر بين 12و14% والمسيحيون السوريون 9% تقريبا، لكن تبعا لبناء النظام الولائي، كانت عملية التهميش والافقار تقع على هذا الكتلة، ومن الطبيعي أيضا أن تغلب على الكتلة الثائرة أنها تنحدر من السنة في سورية، فهل مطلوب منهم أن يغيروا دينهم ويصبحوا شيعة أو دروزمثلا، وفيما بعد يثوروا على هذا التهميش والتفقير؟

جميعنا يعرف أن توزيع الثروة في سورية كان يتم عن طريق مسرب أساسي أثناء حكم الأسد الأب، وهو مسرب قطاع الدولة والجيش والمخابرات، ثم بدأ ينتقل تدريجيا إلى القطاع الخاص مضافا بالاحتياز بقوة السلطة اللاقانونية- دور آل مخلوف وآل شاليش وآل الأسد أمثلة فقاعة لحجم ثرواتهم في العقد الأخير- حيث تحولوا هؤلاء أيضا إلى أكبر رب عمل في القطاع الخاص، لكن قبل ذلك عندما كانت السلطة تعتمد على دور قيادة قطاع الدولة هذا اعتمدت على توظيف البعثيين في مرافق الدولة المدنية كدائرة ولائية للنظام واسعة الطيف، ثم تصغر الدائرة ويضيق الاختيار الوطني فيها لتقتصر على أيناء شعبنا من الطائفة العلوية أقصد في الجيش والمخابرات، هذه الدائرة الولائية الامنية العسكرية ووفقا لطبيعة النظام وطريقة انبناءه وآلية تفكير الديكتاتور، جعلته لا يثق إلا بطائفته أو الطائفة التي انحدر منها لأنه في النهاية لاتهمه سوى سلطته المطلقة، وهذا ترافق مع إطلاق يد الفساد لهؤلاء الجند، فتحول كل ضابط إلى اقطاعي، وكل لواء أو كتيبة أو فرقة عسكرية إلى مزرعة، وبذلك تحول الجيش إلى مزارع بقيادات تنتمي غالبيتها الكاسحة لنفس المنبت الطائفي. وتابع في هذا الموضوع أنه قام بحملات تطويع وتشجيع مستمر بالنسبة للافراد وصف الضباط من الطائفة ذاتها، وهذا ما لم يكن مسمحوحا به لمكونات أخرى. وبذلك يمكننا القول أن الفقر لم يعد فقرا مطلقا ومعمما، بل نسبيا مقارنة بنفس الشريحة من المكونات الأخرى. وتراكم هذا الوضع عبر السنين مع الفساد والنهب من قبل الدائرة الولائية الأولى- جيش ومخابرات- والثانية- قطاع دولة مدني- كان من الطبيعي أن يدفع الثمن الكتلة الاكبر من المجتمع، لأنه من يلاحظ تطور هذا الوضع في سورية عبر أربعة عقود، يجد أنه تمدد لاحقا حتى لوظائف الدولة المدنية، وحمص عينة على ذلك فقد اصبح أكثرية موظفي مؤسسات الدولة في حمص هم من أبناء الطائفة العلوية القادمين من الريف الشرقي لحمص، رغم أنهم يشكلون أقلية ضئيلة من سكان محافظة حمص.

هم موظفون فقراء هذا صحيح، ولكن الكتلة الأكبر لاتستطيع نيل حتى هذه الوظيفة، ومثال مدينة حمص فاقعا على هذا الصعيد..من هنا يمكننا القول أن توزيع الثروة في سورية انبنى على أساس الدوائر الولائية التي تحدثنا عنها…لهذا كان الطبيعي أيضا أن تكون الكتلة الثائرة بغالبيتها من المكون السني..

ومع ذلك المراقب العادي وجد أن هذه الكتلة الثائرة لم تتخلى عن برنامجها في حرية سورية وأن سورية شعبها واحد وحريتها واحدة لكل شعبها، حتى الجيش السوري الحر في بياناته وخطاباته في تشكيلاته التحتية يتبنى خطابا مدنيا واضحا ونحو دولة مدنية وحرية وتداول سلطة..أما اسماء الكتائب المنشقة لها أسماء إسلامية فهذا أمر يمكن تناوله من زاوية أن هذه الاسماء لم يتم احياءها لأن في تاريخها من ارتكب مجزرة ضد طائفة من طوائف سورية، بل هي لتحشيد وتحشيد تبسيطي في متناول اليد، من أجل التفاف الناس حولهم…يذكر بستالين عندما استخدم القومية الروسية وهو الاممي ابن الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك هذا خيار مستعجل وغير صحي إلا انه ليس موجها طائفيا في حركة هذا الجيش..خاصة إذا علمنا جميعا ما هو دور إيران وحزب الله بمساندتهما لنظام مجرم في ردة الفعل هذه؟

نقطة اخيرة، احساس الفقير بالسلطة وأنه يمتلك سلطة على أقرانه، هو بحد ذاته كان له طابع تمييزي قهري، عندما يقارن موظف من أي مكون سوري مع أي موظف منحدر من الطائفة العلوية، ولهما نفس الوضع الطبقي، يجد أن هنالك إحساس بالسلطة لدى قرينه الطبقي تمارس عليه حالة من التمييز الاجتماعي والوظيفي جراء انتماءه فقط..ويمكن أن نعود إلى هذه النقاط في مقالات تفصيلية لاحقة…

*******

هامش

* ترتيب المحافظات حسب عدد السكان (نسبة مئوية بالنسبة لإجمالي عدد السكان في سوريا ) :

1- محافظة حلب 22،64 % خرج بعض أحياءها كالساخور وسيف الدولة وصلاح الدين، ومعظم ريفها مدن عندان والباب واعزاز وتل رفعت وعين العرب أو كوباني رغم محاولة حزب العمال الكوردستاني قمعها. ومع ذلك لعدم خروج مدينة حلب أسبابه المعروفة، والتي نكثفها بثلاث:

الأول- الدور التركي من خلال علاقته بطبقة التجار وبعض الفعاليات، الاتراك لايريدون لحلب أن تتحرك. والثاني- الفعاليات الحلبية التجارية والدينية هي معينة من قبل السلطة وعمل على هذا الموضوع منذ الثمانينيات.

الثالث- تواجد كتلة أرمنية تتبع اكثريتها لحزب الطاشناق الحليف لإيران وللنظام السوري، وكتلة مسيحية ليست قليلة، ربما نتعرض لموقف السوريين المسيحيين في مقال منفصل.

2- محافظة ريف دمشق 12،82 % خرج كل ريفها ماعدا مدينتي صيدنايا والنبك ودير عطية..

النبك منذ زمن بعيد أصبحت مركزا عسكريا ومدينتي صيدنايا ودير عطية يغلب على سكانها الاصول المسيحية. والمدن الثلاث ذات كثافة سكانية بسيطة ماعدا النبك، لأن فيها كتلة سكانية من عائلات العسكر.

3- محافظة مدينة دمشق 8،6 % احياء الميدان وركن الدين خرجت منذ بدء الثورة ولاتزال تخرج.

4- محافظة حمص 8،49 % عاصمة الثورة…

5- محافظة حماة 7،68 % حماة خرجت غالبيتها أيضا ماعدا ريفها المنحدر من الطائفة العلوية والمسيحية.

6- محافظة الحسكة 7،1 % خرجت غالبيتها بمدنها وريفها

7- محافظة إدلب 7 % خرجت كلها بمدنها وريفها.

8- محافظة دير الزور 5،64 % خرجت كلها بريفها ومدنها، ولاتزال تتعرض لشتى أنواع القمع والقتل.

9- محافظة اللاذقية 4،86 % مدينة اللاذقية شهدت أكبر تظاهرات وتعرضت أيضا لأقسى حملة قمع، ولاعتبارات أن السلطة الغاشمة تعتبرها مدينة محصنة لأنها عاصمة للأرياف التي يغلب على سكانها الانتماء للطائفة العلوية.

10- محافظة درعا 4،72 % درعا كلها..

11- محافظة الرقة 4،4 % هي المحافظة الوحيدة التي لم يخرج ريفها، ولهذا اسبابه، ومدينتها تفاعلها كان ضعيفا

ملاحظة- كتبت هذه الدراسة قبل ثلاثة أشهر من الآن لمركز دراسات- فقد خرجت الرقة كلها وقدمت الشهداء في جمعة التدخل العسكري…

12- محافظة طرطوس 3،86 % المدينة خرجت في بداية الثورة وقمعت بشدة، ودون أن ننسى بانياس أهم مدينة في هذه المحافظة وماحصل فيها.

13- محافظة السويداء 1،78 % خرجت منطقة شهبا..لأن أكثرية مشايخ عقل الطائفة الدرزية مصالحهم مع السلطة وهي من عينتهم..إضافة “لهمروجوات” طلال إرسلان ووئام وهاب مخبري النظام على الطريقة اللبنانية…

14- محافظة القنيطرة 0،41 % غالبية سكانها خرجوا في التظاهرات وهم موزعون منذ عام 1967 على احياء دمشق كالحجر الأسود والسبينة والسيدة زينب..الخ

أعتقد بحسبة بسيطة لمن يريد أن يكون موضوعيا ولو قليلا لوجدنا أن الثورة غطت أكثرية سكان سورية وطوائفها وأديانها واثنياتها.

ايلاف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى