صفحات العالم

المحنة السورية… والحسابات الدولية/ باسكال بونيفاس

ينبغي ألا يضللنا منح منظمة حظر الأسلحة الكيماوية جائزة نوبل للسلام لهذا العام ويدفعنا إلى استنتاج الفكرة الخطأ. وإذا كان لابد من أن نهنئ أنفسنا على التوصل لاتفاق يقضي بتدمير ترسانة الأسلحة الكيماوية التي يمتلكها النظام السوري، فإنه يتعين علينا ألا ننسى في غمرة التحمس حقيقة أن المشاكل التي يتخبط فيها ذلك البلد لم يحل منها شيء بعد وما زالت الأزمة في حالة من التصعيد والعنف مثيرة للقلق بكل المقاييس؛ وما زالت الحرب الأهلية تواصل حصد الأرواح ومسلسل الفظاعات متواصلاً، والمدنيون العزل يدفعون ثمن الصراع غالياً وقد وصل عدد القتلى إلى 115 ألفاً، وعدد النازحين والمهجّرين واللاجئين إلى دول الجوار بمئات الآلاف، والمحنة الإنسانية المترتبة على كل هذا تسير في حالة سقوط حر إلى الهاوية.

وحتى الآن، وصل عدد القتلى في الصراع السوري، إلى هذا الرقم المفزع (115 ألفاً)، ووصلت صنوف معاناة المدنيين السويين إلى حد لا يطاق. وأمام «مجتمع دولي» غير جدير بهذه التسمية وعاجز، فرض بشار الأسد رهان العسكرة؛ حيث تحولت الثورة التي كانت سلمية في بدايتها إلى حرب أهلية دموية لا تبقي ولا تذر. وإذا كان الجميع غير معفي من الانتقاد ويتحمل جزءاً من المسؤولية، وكانت الفظاعات وأعمال العنف قد ارتُكبت على كلا الجانبين، مثلما يشير إلى ذلك التقرير الأخير لمنظمة «هيومان رايتس ووتش»، فإن النظام السوري، الذي اختار طريق القمع والاضطهاد، هو الذي يتحمل المسؤولية الأكبر في فظاعة ووحشية هذا النزاع.

ولكن، كيف لنا أن نفسر عدم تحرك بقية العالم؟ الواقع أنه يمكن القول إن السوريين وقعوا ضحية نظامهم والتركة التاريخية، اللذين حالا دون إمكانية وضع حد للمذابح. وبالطبع، فإن السوريين -ومثلما يشير إلى ذلك تصويت مجلس العموم البريطاني الذي يعتبر أوضح مثال- هم ضحايا الأكاذيب التي تم الترويج لها من أجل تعليل حرب العراق في 2003، التي شنت استناداً إلى أدلة باطلة حول وجود أسلحة دمار شامل في العراق. وقد كانت بالفعل عملية تضليل جماعي كبرى تم القيام بها قبل شن الحرب. ولذلك، فقد أجبرت تلك الحرب، التي مثلت إخفاقاً تاماً، جزءاً كبيراً من الرأي العام الغربي، وبالتالي عدداً من المسؤولين السياسيين، على توخي قدر أكبر من الحذر والحيطة فيما يتعلق بخوض حرب جديدة من أجل القضاء على أسلحة الدمار الشامل.

ذلك أن المعلومات الخاطئة والمضللة التي جرى الترويج لها وقتئذ هي التي أدت إلى مشاعر الارتياب والتشكك السائدة اليوم، بل وسمحت أيضاً بتطور نظريات المؤامرة. وهي نظريات تستحق الانتقاد من دون شك، ولكنها تتغذى أيضاً من أكاذيب بعض الدول. ولذلك، فإن شفافية الحكومات وصدقها هما الوسيلة الأفضل لمحاربة ذلك النوع من النظريات.

ومما لاشك فيه أن حرب أفغانستان كان لها أساس قانوني، ولكنها تنضاف إلى التجربة العراقية لإبراز الصعوبة التي تجدها الجيوش الغربية، على رغم تفوقها العسكري، في التدخل على ساحة خارجية لا تمس دفاعها وترابها بشكل مباشر. ونتيجة لذلك، هناك اليوم قطاعات جديدة من الرأي العام باتت تولي الأهمية، ليس للمبادئ الكونية، وإنما للمصلحة الوطنية، وتعارض مبدأ التدخل العسكري الخارجي. وعلاوة على ذلك، فإن الولايات المتحدة تخشى من أن تعلق في مستنقع جديد، ولاسيما أنه لم يعد من الممكن الفوز في الحروب ضد حركات التمرد من قبل القوى الغربية، لأسباب عديدة.

وعلاوة على ذلك، فإن السوريين يدفعون أيضاً ثمن السابقة الليبية. فهل ينبغي التذكير هنا بأن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973 الذي امتنع الروس والصينيون عن التصويت عليه، كان ينص على تطبيق مبدأ «مسؤولية توفير الحماية»؟ وهو المبدأ نفسه الذي يشار إليه اليوم من أجل الإقناع بتقديم المساعدة للسوريين. غير أن المشكلة تكمن في أن القوى المتدخلة غيَّرت طبيعة مهمتها أثناء الطريق من توفير الحماية إلى تغيير النظام الليبي، متسببة بذلك في استياء الروس والصينيين الذي شعروا على نحو يمكن تفهمه بأنهم تعرضوا للخداع والخيانة. ونتيجة لذلك، يعمل هؤلاء اليوم على عرقلة كل إمكانية لتدخل مسلح، وهو تدخل لا يرغب فيه أوباما نفسه، على كل حال.

ولكن، هل من الممكن التوصل إلى حل سياسي؟ الواقع أن المعارضة جعلت من رحيل الأسد شرطاً مسبقاً؛ إلا أنه من الصعب تصور هذا الأخير يبعث إلى جنيف بوفد تكون مهمته تنحيته عن السلطة. ثم إن الأسد يرى أن مرور الوقت يصب في مصلحته، وأنه بصدد تحقيق النصر عسكرياً.

غير أنه في وقت يعمل فيه الحليفان الروسي والإيراني على تعزيز المعطى لصالح النظام، فإنه لا ينبغي ترك المعارضة لوحدها. ثم إن طول أمد الحرب يخدم مصلحة «الجهاديين» المتشددين من جهة، ومصلحة الأسد من جهة ثانية. ولذلك، فإنه لابد من مساعدة المعارضة المعتدلة عسكرياً، اللهم إلا إذا كان العالم يرغب في ترك مسلسل قتل السكان مستمراً وخطر مصدر مقبل للإرهاب.

وخلاصة القول إن سوريا تتعرض حالياً للتدمير، فالاقتصاد والتعليم والنظام الصحي وكل شيء توقف فيها. والحال أننا لا يمكن أن نسمح بتشكل ثقب أسود استراتيجي في هذه المنطقة. ولذلك، يجب التحرك، ليس لأسباب أخلاقية فحسب، ولكن أيضاً من أجل مصالح دولية مفهومة بما فيه الكفاية.

الاتحاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى