صفحات الناس

المرصد السوري لحقوق الإنسان: ظاهرة تستحق التشكيك

 

 

المدن – عرب وعالم

في مدونة جريدة لوموند الفرنسية، نشر المحلل والكاتب لفرييه أغناس Leverrier Ignace، الجمعة، مقالاً تحليلياً، بعنوان:”المصداقية المفقودة لرامي عبد الرحمن والمرصد السوري لحقوق الإنسان”. يتناول ليفيير قضية المرصد ومديره، والأسئلة الكثيرة المثارة حولهما. المادة المنشورة، تابعت ظروف نشأة المرصد، وتطوره، ورأي المعارضة السورية فيه، وتوجساتها منه.

يعتقد لفرييه، بأنه ومنذ انطلاق الثورة السورية، و”المرصد السوري لحقوق الإنسان” يقدّم نفسه على إنه المصدر الرئيسي للمعلومات الميدانية عن الثورة، لعدد كبير من الصحف ووسائل الإعلام الغربية. لكن فعلياً، هذه “المؤسسة” هي أبعد ما يكون من أن يكون لها اعتبار في صفوف المعارضة السورية، أكانت علمانية أم إسلامية أم ليبرالية أم اشتراكية؛ فلا موقع المرصد بلغتيه الإنكليزية والعربية، ولا صفحتاه في موقع التواصل الإجتماعي “فايسبوك” ما يلجأ إليه المعارضون، للاطلاع على انتهاكات حقوق الإنسان، التي تحدث على الأرض، والأوضاع الميدانية في سوريا. في الواقع، تُفضل المعارضة السورية، مصادر أخرى تشعر أنها، ليست مصنوعة للرأي العام الغربي، ولا “تملي” في تقاريرها نصوصاً وتفاصيل وأرقاماً مشكوكاً بصدقيتها. كما وإنها لا تُفضل الضياع في تغطية منحازة وموّجهة لأعمال الحرب، التي تربطها صلة بعيدة بأوضاع حقوق الإنسان.

نشأة المرصد

أُنشىء “المرصد السوري لحقوق الإنسان” في أيار/مايو 2006، لكنه لم يحظَ باهتمام المراقبين والمهتمين بالشؤون السورية، سوى لاحقاً. وعندما وسّع الرئيس بشار الأسد، شبكة الاتصالات والإنترنت في العام 2000، لم يفعل ذلك رغبة في إفساح المجال أمام تداول المعلومات أو انفتاح سوريا على العالم، بل تنفيذاً لرغبات قريبه رامي مخلوف، وأقرباء العائلة الحاكمة، للاستفادة من حقلٍ واسع للاستثمار. وكان حافظ الأسد، قد حرص على إبقاء سدّة الوزارات والمؤسسات المختصة بالإعلام، والاتصالات بيد أقرباء العائلة الحاكمة وشخصيات استخباراتية قريبة منه، من أجل التحكم بمصادر معلومات السوريين. إلا أن ابنه بشار الأسد، سمح بإنشاء وسائل إعلام خاصة، لكن مع “حرية واستقلالية” وهمية إلى حد كبير؛ فمواد هذه الوسائل كانت مستوحاة ومسيطر عليها من قبل المخابرات، التي كانت تعتمد على نشر أخبار متضاربة من “مصادر موثوقة” لمنع السوريين من فهم ما كان يجري حقاً على أرضهم.

الأسد الابن اختار الاستراتيجية نفسها في مجال حقوق الإنسان، فشجع على نشر وتداول معلومات متنوعة ومتضاربة، يستحيل التأكد من صحتها. وفي هذا السياق، لم يعر الأسد أهمية كبرى لنشوء المنظمات التي تُعنى بحقوق الإنسان في سوريا، وإن كانت بأغلبيتها لم تموّل بشكل مباشر منه، ولكن كثرتها وتنوعها منع أولئك الذين يقومون بعمل استقصائي مستقل فعلي، من الادعاء بأي نوع من التفرّد أو الحصرية.

إذا، وفي هذا الإطار، أُنشىء المرصد السوري في لندن من قبل مغترب سوري، باسم مستعار “رامي عبد الرحمن”، وحصل المرصد على موافقة ضمنية من النظام بتشكيل فريق من المحامين والعاملين بمجال حقوق الإنسان داخل سوريا، من دون الشك أن الأغلبية منهم كانوا صادقين في التزامهم بالدفاع عن الأسرى السياسيين ومعتقلي الرأي وعناصر ما اعتُبر “تنظيمات إسلامية”. وقد حمل في هذه النشأة منافسة مباشرة مع “اللجنة السورية للدفاع عن حقوق الإنسان”، وهي منظمة سورية موجودة منذ فترة طويلة في بريطانيا، منذ العام 1997، والتي كانت حتى وقت قريب، في حالة شبه احتكار لمجال التوثيق للظاهر من انتهاكات حقوق الإنسان، الذي قادها الأسد الأب والأبن في سوريا.

النظام السوري لم يرد فضح فساده أمام أعين وأذان الرأي العام الغربي، فعمل على إنهاء هذا الاحتكار الذي مثلته اللجنة السورية لحقوق الإنسان، تماماً مثلما فعل مع موقع أخبار الشام الذي تأسس في العام 2001، وذلك بسماحه إنشاء موقع كلنا سوريون All4Syria ، عام 2003. فقد أراد قبل كل شيء، إزالة حصرية جماعة الإخوان المسلمين، التي كان لها أثر في موقع أخبار الشام واللجنة السورية لحقوق الإنسان، من أي شيء له علاقة بحقوق الإنسان أو وسائل الإعلام.

مع شجبه للقمع والوحشية التي عوملت بها التظاهرات السلمية في سوريا، ابتداء من آذار/مارس 2011، أصبح المرصد فجأة مصدر إزعاج وإحراج للنظام، ولم يتأخر عبد الرحمن، في أن يصبح هدفاً لانتقادات قاسية من مناصري النظام، الذين ولتشويه سمعة المرصد وتقاريره، اتهموا مديره بانتمائه إلى جماعة الإخوان، وتمويله من قبل الاستخبارات البريطانية. لكن، لو تحققوا قليلاً من خلفية عبد الرحمن، لكانوا علموا إن اسمه الحقيقي هو أسامة سليمان، وهو من مدينة بانياس وينتمي للطائفة العلوية، وبذلك يكون من المستحيل انتماؤه إلى الإخوان.

بما أن المرصد ينشر مواده باللغة الإنكليزية، أيضاً، فأغلبية وكالات الأنباء، وعلى رأسها الفرنسية، ووسائل الإعلام الغربية، اعتمدت على تقاريره، كأحد أبرز مصادر الأخبار، إن لم تكن الوحيدة، عن الأوضاع في سوريا. ولم يسألوا كيف ينظر السوريون أنفسهم إلى “مؤسسة رامي عبد الرحمن”. لو فعلوا لوجدوا أن أغلبية أصدقاء المرصد هم أعضاء في “لجنة التنسيق الوطنية”، التي تتبنى شعار “معارضة التدخل الأجنبي في سوريا”، ومن الجدير ذكره أن هذا الشعار استُعمل لمعارضة التدخل العربي والغربي في سوريا، إلا أن التدخل الإيراني والروسي ومشاركة حزب الله في المعارك، لم يطرح أي مشكلة لهؤلاء. في المقابل، بدأ المرصد يصبح موضوع انتقاد بين الناشطين والمعارضين السوريين الذي ظلّ يتصاعد حتى وصل إلى درجة التشكيك بمصداقية رامي عبد الرحمن.

شكوك في أسلوب عمل المرصد

أولاً، يتفاجأ المراقبون بطريقة العمل الأحادية للمرصد، فرامي عبد الرحمن هو مديره، ومدير صفحاته في “فايسبوك”، ومحرر أخباره والمتحدث باسمه، من دون أي وضوح في منهجية عمله. في حين أن هيكلية جميع التنظيمات المشابهة التي وجدت منذ أذار/مارس 2011، وخاصة مركز انتهاكات التوثيق في سوريا (VDC)، تعتمد العمل بشكل جماعي وفق أطر ومنهجية وهيكلية واضحة ومحددة بشكل يعزز مصداقيته. أما مصداقية المرصد فيُشكك فيها، حيث يقول إنه يستقي أخباره من شبكة مراسلين تضمّ 200 شخص في مختلف المدن والقرى السورية، إلا أنه يوجد العديد من المشككين بهذا الأمر، ويقولون إن عبد الرحمن يستقي “الأخبار” من صفحات على “فايسبوك” تتنوع بين صفحات قتالية وأخرى سياسية، تنقسم بين معارض وموالٍ، دون إمكانية التحقق من صحة ما تنشره. كما ويلاحظ افتقار المرصد إلى تقارير ودراسات وتوليفات، واعتماده فقط على الأخبار القصيرة، على عكس ما تقوم به تنظيمات سورية تعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان، مثل الشبكة السورية لحقوق الإنسان ومركز دمشق لدراسات لحقوق الإنسان، واللجنة السورية لحقوق الإنسان، على سبيل المثال لا الحصر.

وبالحديث عن الشبكة التي يزعم عبد الرحمن الاعتماد عليها داخل سوريا، فتطالها أيضاً الشكوك المتسائلة عن ظروف عملها. فهذه الشبكة قد أنشئت منذ 13 عاماً، أي منذ مغادرة عبد الرحمن سوريا، وتحوم حولها أيضاً الشكوك.

هذا مع العلم، أن الجميع ليس مقتنعاً بما قاله صديق سابق لعبد الرحمن، عن إن عضواً في الاستخبارات العسكرية قد جنّد عبد الرحمن لمراقبة أنشطة المعارضين في لندن، وهو استقال من مهمته بعد انتهائها، لمواصلة العيش والعمل في لندن. بل هناك تفضيل لمعرفة خلفياته قبل الثقة به وبأنشطته بشكل كامل. وهناك ميل إلى الاعتقاد بأنه، وبالرغم من نفيه، يتجاهل الهوية والانتماء السياسي لمخبريه.

ويشير المنتقدون إلى أنه وعلى خلاف المنظمات غير الحكومية الأخرى، فإن المرصد يكتفي بنشر أرقام الضحايا دون نشر أسماء وطروف مقتلها وتفاصيل عنها، وهو ما يعد من أبرز عناصر المصداقية للمنظمات الأخرى للدفاع عن حقوق الإنسان. حيث تعتبر عنصراً رئيسياً من المصداقية. كما وينددون بإصرار عبد الرحمن على تقديم تقرير مفصل عن عدد الجنود والضباط القتلى، وهم يعلمون أن النظام فقط من لديه معلومات حول هذا الأمر. ومع ذلك، فإن نشر الضحايا بصورة أرقام فقط، تعدّ نعمة للحكومة السورية، فهي تساعد على تخيل أن النظام يحارب مجرمين فقط، وهو لا يستهدف الشعب السوري.

وهناك انتقاد أخر، يتعلق باهتمام المرصد بما يفترض أن يكون هدف عمله، وهي فضح وإدانة انتهاكات حقوق الإٍنسان في سوريا، لكنه تحوّل تدريجياً إلى وظيفة وكالات الأنباء التي تغطي سير الحرب، وتغطية القتال والانفجارات والهجمات. كما أن لديه ميلاً إلى إضفاء طابع مذهبي وطائفي على الأخبار والمعلومات التي ينشرها، ويذكر في ذلك تغطيته لقضية قرية حطلة في حزيران/يونيو 2013. ويعتقد بأن ذلك، نتيجة عملية مدروسة يستخدمها عبد الرحمن بغرض ذم بعض الجماعات المسلحة والضحايا، خاصة ما يتعلق بالمبالغة برسم العديد من المسلحين كإسلاميين، بما يفيد آلة البروباغندا الأسدية.

على مدى ما يقارب أربع سنوات من الثورة السورية، كان للمعارضين والناشطين السوريين الوقت لتبديل رأيهم بالمرصد، وهم أصبحوا مقتنعين بأنه لا يستحق ثقة الغالبية العظمى من وسائل الإعلام الغربية، وأن مؤسسة رامي عبد الرحمن تعمل بوعي لصالح نظام بشار الأسد. وذلك من خلال نشر معلومات متحيزة وتجاهل الحقيقة ومنبعها، وهي بذلك أصبحت واحدة من مكونات نظام الدعاية التي وضعها الأسد لصالحه أمام الرأي العام الغربي.

المدن

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى