صفحات الرأي

المناحة العظيمة/ بدر الإبراهيم

 

 

يستعرض فاضل الربيعي الجذور التاريخية لطقوس البكاء في الجاهلية والإسلام، انطلاقاً من اعتقادٍ مفاده بأن النواح لا يعبّر عن جانب شخصي وعاطفي فقط، وإنما هو جزءٌ من “مذهب النياحة” الذي ساد في العالم الثقافي القديم، إذ كان طقساً دينياً عالمياً، لا تختصّ به منطقةٌ جغرافية بعينها، أو دينٌ محدّد، ولهذه الرواسب الثقافية القديمة أثرها في الطقوس الحالية، كما في طقوس عاشوراء عند الشيعة، أو في حزن المسيحيين على صلب المسيح. يسرد فاضل الربيعي في كتابه “المناحة العظيمة” شواهد وأمثلةً على ممارسات النواح في الجاهلية، في الجزيرة العربية وخارجها، وهو يحيل إلى تأثر هذه الطقوس وممارسيها، بفلسفةٍ ترى الإنسان ثمرةً للخطيئة، ما يوجب التكفير عنها بالبكاء العلني والجماعي، فهو السبيل الوحيد للتطهّر من الخطيئة.

قصة الخنساء من أشهر قصص النواح في الجاهلية والإسلام، ويقال إنها لم تكن تنظم سوى بيتين أو ثلاثة، فلما قُتِل أخواها، معاوية وصخر، أكثرت من الشعر. ظلت الخنساء ترثي أخويها، وتنوح عليهما بعد إسلامها، وقد جاء بها بنو عمها إلى الخليفة عمر بن الخطاب، ورجوه أن ينهاها عن البكاء، لأن عيونها تضرّرت، وهي عجوز، لكن عمر رقَّ لحالها، بعد محاولته ثنيها عن البكاء، وقال: “خلوا عجوزكم، لا أبا لكم، فكل امرئٍ يبكي شجوه”.

لم تكن الخنساء النموذج الوحيد لطقوس البكاء في الجاهلية، إذ كان البكاء على الأطلال، مثلاً، سمةً أساسية في الشعر الجاهلي، وفي أهم القصائد التي بقيت في الذاكرة الثقافية العربية. كذلك، كانت النساء في الجاهلية يمارسن النواح على أزواجهن، ضمن طقوسٍ معينة، فتقوم المرأة بحلق رأسها، وأخذ نعلي زوجها لتعلقهما في عنقها، وتضرب بهما وجهها، كما أن الرجال كانوا ينوحون أيضاً، فمن طقوسهم في الجاهلية أنهم كانوا يتناوبون على النواح حول الميت، وهم ينشدون الأبيات الحزينة. وفي بعض مناطق اليمن، كان النواح على الميت يتواصل حتى يموت شخصٌ آخر، لتستمر المناحة من دون توقف.

ولا يمكن المرور على طقوس النواح في الجاهلية، من دون الحديث عن النائحات المستأجرات، وفي أساطير مملكة الحيرة في العراق، ما يقدّم تصوراً عن استئجار أشخاصٍ يتهيأون للموت النائحات. تروي إحدى هذه الأساطير، وهي منسوبةٌ للنعمان بن المنذر، أن رجلاً من قبيلة طيئ زار الحيرة، في يوم بؤس النعمان، فقرّر الأخير قطع عنقه، لكنه بعد أن عرفه، تذكَّرَ أن هذا

“جعلت بعض الحركات السياسية من النواح والبكائيات منطلقاً لحشد الناس حول أهدافها، وزادت وتوسعت في اختراع طقوسٍ جديدة” الطائي ساعده، حين كان تائهاً في الصحراء، وأدخله خيمته وأكرمه، فقرّر أن يعيده إلى دياره، على أن يعود إلى الحيرة في العام التالي لتنفيذ العقوبة، وقد عاد الطائي في العام التالي، بحسب الأسطورة، ومعه نائحةٌ جاءت خصيصاً لتندبه.

كان تقليد استئجار النائحات ليندبن الموتى منتشراً في الجاهلية، إلى درجة أن الرومان صاروا يتبعون هذا التقليد، على ما يقال، بعد إقامتهم الطويلة في الشرق. يستمر النواح مدة زمنية أقصر أو أطول، بحسب أهمية الميت، وقد يمتد نعي ميتٍ عاماً، وبعض من كانوا يحتضرون أوصوا بنعيهم وشق الجيب عليهم. كانت هذه الممارسات جزءاً من ثقافة تمزج بين الإصرار على البكاء واختراع طقوسٍ له، لتوضيح أهمية الفقد وعظم لوعته، والممارسة الجماعية للنواح، تعبيراً عن الرغبة في التطهر من الخطايا. إضافة إلى ذلك، حين يندب الباكي عزيزاً، فإنه ينوح على نفسه، ويتذكّر مأساته الشخصية، وأحزانه الذاتية، ويخلطها بحزنه على فقيده.

استمرار هذه الطقوس، تحت عناوين مختلفة، وفي إطار أحداثٍ من نوع آخر، كان دافعه أيضاً المزج بين التعبير الشخصي والعاطفي عن الحزن، ومحاولة التطهر بالبكاء والعويل والندب. لكن اختراع طقوس البكاء لم يسلم، ماضياً أو حاضراً، من التوجيه نحو هدف دنيوي محدّد. وفي الأغلب، يكون هذا الهدف هو الثأر من الخصوم، الممثلين بقبيلةٍ معادية مثلاً، وإعداد العدة للانتقام منهم. هكذا، يمكن فهم البعد التعبوي للطقوس البكائية، بوصفها وسيلةً لشحذ الهمم، والتحريض على الانتقام والثأر، وكلما زادت المناحة وعَظُمَت كَبُرت الرغبة في الثأر.

تعاملت السياسة الحديثة مع الطقوس البكائية، ولم تتجاهلها، وقد جعلت بعض الحركات السياسية من النواح والبكائيات منطلقاً لحشد الناس حول أهدافها، وزادت وتوسعت في اختراع طقوسٍ جديدة، لتعزيز الهوية، من جهة، وتعبئة الجمهور ضد الخصوم السياسيين وهويتهم، من جهة أخرى. اليوم، تلعب التقنية الحديثة دوراً في نقل هذه الطقوس إلى مستوى آخر، يتمثل في تكثيف الطقوس البكائية، ونشرها على أوسع نطاق، للتلاعب بعواطف الجمهور، واللعب على انفعالاته، عبر إعلاء صوت النواح، استجابةً لحالة ظلم تاريخي ليس له مثيل، وهذه الخصوصية في المظلومية، تُبنَى عليها الأحقاد، ويتم التحشيد على أساسها للانتقام والثأر.

البكاء والتعاطف الإنساني بات وسيلةً يستخدمها ندّابون ولطَّامون محترفون، ونائحون مستأجرون، لإخراج التعبير بالبكاء من سياقه الإنساني والعاطفي، غير المشوب بأغراضٍ أو أجندات، واستخدامه للتكسّب السياسي، وتضليل الجموع، وأخذهم نحو ما يزيد البكاء والمناحة، ويُعمِّق المأساة الإنسانية. يغيب الخطاب العقلاني، أو يُراد له أن يغيب، لصالح إثارة العواطف، والمتاجرة بها سياسياً، وتالياً تثبيت مشهد المناحة العظيمة.

العربي الجديد

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى