صفحات سوريةعبدالناصر العايد

النظام السوري إذ يتعلق بقشَّة/ عبد الناصر العايد

 

عرضت قناة الإخبارية السوريّة فيديو لضابط سوري يستقبل عدداً من مقاتلي النظام من حامية سجن حلب المركزي، بعد فك الحصار عنهم، وتحتفي الكاميرا بالقائد الشاب، على نحو غير مسبوق في الإعلام الرسمي السوري الذي درج على تبجيل من يسميهم جنود الأسد، أو أبطال الجيش العربي السوري بعمومية، ومن دون تخصيص، أو تحديد.

والضابط المقصود هو العقيد سهيل حسن، والذي لمع نجمه في سنوات الثورة الثلاث، وعرفت عنه وحشيته في التعامل مع سكان المناطق الثائرة، واتباع سياسة المدن المدمرة، لتحقيق إنجازات مثل فتح الطرقات إلى الشمال السوري، ومنع عزل ومحاصرة قوات النظام هناك، كما ينسب إليه تدمير مدينة أريحا وقرى في إدلب وحماة، قبل أن يقود حملة البراميل المتفجرة في حلب.

تنتمي حالة سهيل حسن إلى ظاهرة عرفتها سورية في عهد حافظ الأسد، والمتمثلة بإمساك مجموعة من الضباط العلويين، الأشد عنفاً وولاء للطائفة، بأهم المفاصل الأمنية والعسكرية في البلاد، واستخدامها بمنتهى الوحشية، لإدامة سلطة الطائفة، وإعلاء شأن رمزها المجسد بحافظ الاسد، وشكل ضباط، مثل علي دوبا ومحمد الخولي وابراهيم صافي وشفيق فياض وعلي حبيب وعدنان بدر حسن، الهيكل العظمي الصلب للنظام، وقد بدأ الأسد الأب بتجميعهم حوله، منذ أواسط الستينيات، أي منذ أن بدأ بالتخطيط للانقلاب على شركائه في اللجنة العسكرية السرية، ثم اعتمد عليهم كلياً بعيد وصوله إلى الحكم، ليشكلوا ما يشبه الأخوية الطائفية التي يعود الفضل إليها في تجاوز النظام للانتفاضة الإسلامية ( 1976- 1982)، كما كان لالتفافهم حول حافظ الأسد في أزمة الصراع مع شقيقه رفعت سنة 1984 الفضل في بقائه، بل وبوصول وريثه بشار إلى السلطة.

وقد دشن الأسد الأب، في آخر أيامه، حملة لتحجيم هذه الظاهرة، خشية أن تسلب إحدى تلك الشخصيات القوية الحكم من ولده الغر، فأفرغ الميدانين، الأمني والعسكري، من رجالات الحرس القديم، ذوي الخبرة والطموح تباعاً، ووضع علي حيدر قائد القوات الخاصة رهن الإقامة الجبرية، وأحال علي دوبا إلى التقاعد، وتحت الرقابة الصارمة، وواصل بشار هذا النهج، فأقصى من تبقوا من عتاة الأمنيين، واستبدل بعضهم بقيادات شابة، تدين له بالولاء المطلق، مثل أقربائه من آل مخلوف وبعض أصدقائه المقربين، بل عمد إلى التصفية الجسدية، حين اقتضى الأمر، كما فعل مع وزير داخليته والشخصية العلوية النافذة، غازي كنعان، لمجرد الاشتباه بتآمره عليه، وزاد اعتماده في سنوات حكمه على المؤسسات، بدل الأفراد، منعاً لبروز شخصيات جديدة، وعمد إلى فصل المؤسسة العسكرية عن الأمنية، لعجز كل منهما عن فعل شيء ضده، بمعزل عن الأخرى، وعزز حصانته الداخلية بحماية خارجية، تتمثل بحزب الله وإيران، وأقام معهما حلفاً استراتيجياً عضوياً.

” إذ تقدم قنوات إعلام النظام ذلك الضابط الذي استخدم كل أسلحة التدمير والقتل، بوحشية غير مسبوقة، في سبيل بقاء النظام، وتطوبه بطلاً، فإنها تقدم لبقية الضباط العلويين النموذج الذي ينبغي لهم اتباعه للفوز بمكان في حلقة النظام الداخلية التي يراد تشكيلها لتقاسم المناصب الأمنية والعسكرية”

فشلت الأجهزة الأمنية في قمع الاحتجاجات، وبدت مترهلة تفشى فيها الفساد خلال عقود من السلطة المطلقة، واقتصر دورها على القمع السافر، والتعذيب المفرط في المعتقلات، الأمر الذي أجج مشاعر السوريين، وفاقم ثورتهم، ما استدعى تدخل الجيش الذي لم يكن أفضل حالاً، ولم يقدم شيئاً يذكر، باستثناء مشاهد القصف والتدمير التي استفزت المجتمع الدولي، فاستدعى النظام طوقه الثالث، أي الحلفاء الخارجيين، وحضرت قوات حزب الله وميلشيات إيرانية وعراقية، للقتال إلى جانب النظام، ونجحت في تثبيته، ووقف تدهور جبهاته، ولم يكن ذلك بلا ثمن.

عمّق التدخل الخارجي عزلة نظام الأسد، ليس عن المجتمع السوري فقط، بل عن العلويين الذين صاروا أكثر تعلقاً بإيران، المنقذ الوحيد المحتمل، إلى درجة أن الدعوات أطلقت لإنشاء حزب الله السوري، ما يعني استبدال حزب البعث الذي يستمد النظام منه شرعية مزاعمه القومية والعلمانية، بحزبٍ ديني مذهبي، وهو تناقض مدمر، بدأ يتجلى بالتنازع بين النخب القائدة للنظام وتلك الملتحقة بالنفوذ الإيراني المتصاعد، وكان أبرزها تهجم بثينة شعبان على قنواتٍ إعلاميةٍ، بخست الجيش السوري حقه، وفي ذلك إشارة إلى نقل المواجهة إلى ميدان العسكريين الذين لايزالون يقاتلون، جنباً إلى جنب مع قوات حزب الله وخبراء عسكريين إيرانيين، أو إنها صدى إعلامي، لتذمر موجود أصلاً لدى العسكريين، بسبب إهمالهم وتراجع دورهم في النظام، وفي الحالتين، يبدو أن مسيرة إعادة الاعتبار للقادة العسكريين العلويين الأكثر إخلاصاً وخدمة للنظام هو الحل الوحيد الممكن، وما ظهور سهيل الحسن الإعلامي سوى الخطوة الإعلامية الأولى، لتكريسهم واستعادة دورهم.

وإذ تقدم قنوات إعلام النظام ذلك الضابط الذي استخدم كل أسلحة التدمير والقتل، بوحشية غير مسبوقة، في سبيل بقاء النظام، وتطوبه بطلاً، فإنها تقدم لبقية الضباط العلويين النموذج الذي ينبغي لهم اتباعه للفوز بمكان في حلقة النظام الداخلية التي يراد تشكيلها لتقاسم المناصب الأمنية والعسكرية، حال انتصار النظام الذي يروج على نطاق واسع أنه بات وشيكاً، ولإعادة سيناريو السبعينيات، بحيث يصبح كل واحد من هذه النخبة من أركان النظام سنوات طويلة.

ولا يخفى أن هذا الخيار ينطوي على مخاطر كبيرة، مثل إمكانية صعود أحد القادة الطموحين، في هذه الظروف المضطربة، بشكل غير مسيطر عليه، واستيلائه على الحكم، وهو أمر ليس خيالياً، كما قد يعتقد بعضهم، فقد سعى رفعت الأسد، ما إن استشعر في نفسه القوة سنة 1984 للانقلاب على شقيقه حافظ، وكانت البداية من صور له علقت على جدران حديقة الجاحظ في دمشق، كما يمكن أن يثير ذلك التنافس السلبي بين رجالات النظام، ودخول العوامل الذاتية من حسد وتباغض على الخط، وتنهار المنظومة من الداخل، وقد يثير ذلك عداء القيادات السابقة التي قد تستشعر الخطر من ظهور رجال أكثر كفاءة وقدرة، وفق مبدأ الانتخاب الطبيعي الذي تسفر عنه الحروب عادة، وربما تؤدي إلى مواجهة خاسرة مع إيران وحزب الله، بعد تغلغلهما في المجتمع العلوي وقطاعه العسكري والأمني، على خلفية تناقض المصالح، ولكن بتعبيرات ثقافية، مثل الاختلاف الفكري بين البعث القومي وخط إيران المذهبي الفاقع.

لكن، كل هذه المخاطر تفقد أهميتها، فيما لو نُظر إليها من نافذة القصر الجمهوري، حيث عائلة الأسد المهددة من كل اتجاه، ولن يضيرها، والحال هذه، أن تعود إلى أساليب وتكتيكات صعودها الأولى، في عهد الأسد الأب، على أمل أن ينتشلها بعض السفاحين الطائفيين، من دوامة الرمال المتحركة التي تبتلعها.

العربي الجديد

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى