صفحات سورية

انقلاب عسكري في سوريا/ مصطفى علوش

 

 

 

نعم لا بدّ من عنوان مثير، “انقلاب عسكري في سوريا” لجذب القارئ، وإلا فرّ نحو أقرب شاشة راقصة أو فيلم أجنبي. اسمحوا لي قبل الحديث عن الانقلاب العسكري في سوريا، بأن أحدثكم عن محاولتي لأكون محللاً استراتيجياً وسياسياً وعسكرياً للحوادث السورية التي يسميها النظام “أزمة” بينما تسميها المعارضة وثلاثة أرباع الشعب ثورة، وفي نهاية المقال أحدثكم عن الانقلاب.

قلت بداية لا بد من متابعة المحللين والمحللات المعروفات، لأرى كيف يحللون ويحرّمون، ما هي مصطلحاتهم، جملهم الخلابة، عباراتهم الأثيرة، ثقافتهم المنهمرة، حضورهم اللافت، إلى آخر صفاتهم وميزاتهم التعبوية.

ما إن فتحتُ التلفاز حتى ظهرت أمامي امرأة تشبه الرجال في العنفوان والصبر والكبرياء، تتكلم العربية المخلوطة بالروسية، اسمها “على وزن فينا وما فينا”. بدأتُ أتابع لأفهم كل ما تقوله، ولكن عبثاً كنت أصغي. فلغتها العربية المكسرة جعلتني أسمع المعارضة، “مآرضة” والنظام نيظام، والجيش الحر، الجيش الهر. هكذا شعرت أني في معمعة لغوية لا هي عربية ولا هي روسية، وفي نهاية الحلقة نصحتني زوجتي بتعلم الروسية.

في اليوم التالي شاهدتُ حلقة من الانعكاس المعاكس، وكان أحد ضيوف الحلقة اسمه الأول لا يدل على معناه، وكنيته تعني التسول، وموضوعها “جيش التعفيش الوطني وقطب المعاندة”. هنا قلت الحمد لله. هذا المحلل يعرف العربية. وما إن بدأت الحلقة حتى بدأ المحلل يتحدث العبرية بطلاقة، لكنها عبرية تشبه الروسية التي كانت تنطقها المحللة الروسية. نظفت أذني مع أن سمعي 100 في المئة، وقلت أحاول الاستماع مجدداً الى السيد، اللغة العبرية نفسها، مع أني أعرف أنه بدأ حياته بملعب تشرين الرياضي كمدلّك، والغريب أني مقصر في حقه ولم أعرف متى تعلم العبرية. ولكن للأمانة تمكنت من معرفة جزء كبير من الحوار من طريق الحركات الرياضية التي كان يقوم بها على الهواء. فكلما قال جملة “السيد الرئيس” يقف على طوله، وكلما قال أصدقاء النظام يضحك عليه المذيع.

أحد المثقفين الكبار في السنّ قال لي: لم لا تتابع تحليلات ضوء التحليلات القنديلية الكونية، فتحليلاته عابرة للقارات والحدود، ولا يمكن أن تخرج من حلقة يشارك بها إلا وتتعلم منه أصول التحليل والبناء ودلالات استقراء المستقبل من خلال الحاضر.

في اليوم نفسه، صادفتُ هذا المحلل المشعّ على إيقاع 220 فولت، على إحدى القنوات اللبنانية، وكان موضوع الحلقة “النفايات اللبنانية وعلاقتها بمستقبل المنطقة”، وبالفعل شعرتُ أنه ينطق العربية بسلاسة منقطعة النظير، ولاحظتُ أنه يعرف الكثير من أسرار النفايات والسياسة العربية، لكني لاحظتُ أمراً غريباً هو أنه لا يسمع السؤال الذي يقوله مذيع الحلقة. فمثلاً قال له المذيع: هل تعتقد أن النفايات تعكس أزمة سياسية في الحكم اللبناني عموماً؟ أما هو فجاوب أن النظام السوري لا يرمي شعبه بالبراميل، وأن الأسد يحاور شعبه يومياً، ومَن قُتل من الشعب فبسبب المندسّين والأسد حزين عليهم.

قلت: سأستمع إلى محلل كبير اسمه على وزن فارع الهبّول، فهيم، عميق، حيادي الرؤية، استراتيجي، نصحني به محلل زميل له. راقبتُ المحطات وبرامجها السياسية، وبعد العاشرة ظهر الأخ واثقاً من نفسه. وكان موضوع الحلقة “المبادرة الإيرانية الأخيرة بما يخص الأزمة السورية وعلاقتها بهزائم النظام”، وحين صار دوره بدأ بتدوير المربّعات والمستطيلات، وأهم ما قاله عن خسائر النظام العسكرية وهروب قواته إن الجيش لا ينسحب لمجرد الانسحاب إنما ينسحب لأنه قادر على الانسحاب. هنا وقفتُ أنا على طولي وصفقتُ لهذه العبقرية الكبرى في التحليل وصرختُ: خلاص. أنا بفضلك سأكون أكبر محلل في الشرق الأوسط الجديد.

وتفقدتُ جدول أسماء المحللين واحداً واحداً، وأخيراً قرأتُ اسم محلل مهم للغاية يكنّى بأبي باسم، شعره مصبوغ ويمتلك كاريزما وهدوءاً وصبراً وهو قارئ لمختلف المطبوعات السياسية بكل اللغات الرئيسية، ومتقن اللغتين السنسكريتية والإيرانية، والحمد لله شاهدته يحلل على قناة أميركية أعرف أنه يعاديها في الشكل، ويشتمها في العلن. سأستمع حتى النهاية. هو يقول إن النظام دولة، وإن الجيش العربي السوري لا يقتل أحداً من المدنيين، ويقول أيضاً إن القانون هو الذي يحكم سوريا، وإنه مع الإصلاح، بينما كان الضيف الآخر في الحلقة يعدّد له جرائم النظام الأخيرة.

بيني وبينكم، بعد متابعتي تلك لهذه الأسماء المهمة، وصلتُ إلى اقتناع بأنني بلغتُ رتبة محلل عام. ولكن بقيت تنقصني صفة “الاستراتيجي”.

هنا نصحني أحد الدهاة بتعلم الحكمة من ينابيعها، وحين طلبتُ التوضيح قال يا أخي استمع إلى خطابات بشار الأسد ومنه تتعلم كل شيء وتصير محللاً استراتيجياً. هنا طلبتُ منه تأمين حبوب قلبية تؤخذ تحت اللسان لضرورة الفهم والتحمل.

وفي يوم كهربائي طويل، استمعت إلى خطابات للأسد، ولا أعرف بعدها ما حدث معي. فقد وجدتُ نفسي في المشفى وحولي أطباء وزوجتي وأولادي يصرخون بابا بابا الحمد لله على السلامة.

ومن زوجتي بعدما صحوت من العملية عرفت أنني تعرضت لنوبة قلبية أصابتني وأنا أتابع الخطاب الأخير له بصحبة مصفقي المنظمات الشعبية.

خرجتُ من المشفى بعدما دفعتُ كل ما لديّ من رصيد، ونصحني الأطباء بنقاهة مدتها شهر كامل، وأهم شيء عدم متابعة أي برنامج سياسي أو نشرات أخبار تخص الحال السورية.

بعد أيام من النقاهة شعرتُ أني نسيت كل ما تعلمته من دروس التحليل، وهذا سبب تحسني العام ودخولي مرحلة الشفاء.

في لحظة عابرة تذكرتُ ما كتبه الشاعر علي جازو في أحد مقاطعه الشعرية: “محللون، إعلاميون، خبراء/ مشعوذون، وسطاء، أكاديميون/ مثل هذا المزيج/ لا يجلب سوى البلاهة”.

وفي الحوار العائلي قالت لي زوجتي: سأحاول تأمين عمل لك يناسب أعصابك وقلبك، ومنعتني بشدة من متابعة أي برنامج سياسي عربي.

أما عن العنوان الذي اخترته لهذ المقال، “انقلاب عسكري في سوريا”، فسوف أؤجل شرحه ومغزاه إلى انقلاب آخر ودمتم بخير.

*كاتب سوري

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى