صفحات الثقافة

بيأس شجاعٍ يعود/ فراس سليمان

 

 

 

ها بلغ الخامسة والأربعين وأضحى من المضحك أن يهجوَ العالم. أن يركّب استعارات تؤكد رعباً مراهِقاً من كونه مازال حياً وأنّ لديه ما يقوله.

بيأس شجاع يعود إلى حيث لا طفولة ولا وطن. بحذر شجاع مغمضَ العينين يتقدّم في طريق لها أن تكون مجرى خيالياً في الزمن أو ممراً سرياً معتماً في متاهة ما.

يجلس على قارعة الجغرافيا مستمتعا بقرقعة محرّكات اللغة الخربة بتكتكات الساعات الخربة داخله.

هل كان يود أن يقول: أجلس أمام المحيط مستمتعا بغروب الشمس هنا، شروقَها هناك على طرف العالم اﻵخر.

لا، فها بلغ الخامسة والأربعين وأضحى من المضحك أن يملأ المسافة بينه وبين العالم وصفاً.

لكن، لو حذف هذا الصقيع أعلاه، وقال: إني أحب أن أرى أعلام البلدان جميعاً ممزقة هل سيذهب إلى السادسة والأربعين أكثر خفة ووضوحاً؟

كان صعلوكاً خجلا يقول أشياء صغيرة كبيرة (حسبَ حجم بقع الوهم على جلدها) ويلصقها على شاشة صنعها من مزق ستائر وأغلفةِ كتب. وكان من شدّة الزمن في يديه كلّما همّ بتنظيف حياته لطّخها بالكلمات.

النثار آنذاك.. تشذير الندم هناك دليلُه.. قنديله إلى صباحات مفتوحة.. وممحوة

ويترك.. إذ يترك لكائناته/أصدقائه أن يسيلوا ويتشكلّوا على عكاكيز ظنونهم ثم ليتصلبوا بعدها ويترنحوا بالموسيقى ورذاذ غيوم بحر قريب. جميعهم حول طاولة (يمكن طويها) يخبطون عليها بأصوات مغشوشة و هو يخاتلهم بلغة لها شفرات وأجنحة

أصدقاؤه محض خرافات تحتاج إلى إعادة تأليف، أصدقاؤه أنواتُه تكدح في ممرات دور العجزة، ميتات/حيوات تحت سقف من أنابيب المصل.

/

يرى أشياء السجناء البسيطة وأدوات التعذيب وز نازين نظيفة الآن.يعرف أنه كان سجناً يضج بالدم والخوف والصرخات بصرير السلاسل و العذابات والأبواب بأجساد وسختها العتمة والسياط.. أجساد تحلم بالحياة.. أجساد تحلم بالموت، يراه مكانا مرعباً … يراه بعد أن تحوّل إلى متحف. أنه ذاكرته ومخيلته في آن.

/

بينما هو بعود ويعود ويعود حيث لا بيت ولا امرأة ليأوي إليهما

في الشوارع الخاوية الموحشة

يحاول أن يقوّم ميلانه حين يلمح لمعانَ نيونات الشارع على معدن بنادق الشرطة

الذين سيسألونه بطاقةَ الهوية. ولأنه تلميذ رعبٍ وخمر عتيد

يسألهم عن أقرب مقبرة

ثم سيفهم هؤلاء السذّج القساة (إشارته المربكة) أن ميتاً ثملاً مثله لا يهدد هذا الخراب اﻵمن.

***

الرجل قبل الأخير والذي يظن أنه قارب وتقرّب واقترب ليمسّ البطن المكورة لمركز العالم تراجع بيأس شجاع، عاد في آخر الليل في منتصف وقت لايني يزول ويتكوّن وينقّط عاراً ودماً

عاد إلى لامكانه

عاد متقدماً إلى السادسة والأربعين.. يتلو أياته الغامضة محفوظات أسراره المنمنمة حدّ الاختفاء

عاد بهلوانَ معانٍ.. هجّاءً بلا عالم.

/

لم يبق له إلا خوفه من الأشياء والآخرين ونفسه

الذاكرة فوهة رعب، المستقبل عكازة محطمة، أما “اللحظة” فعجوز بفم ضيّعت أسنانها الصناعية، فلا تستطيع مضغ الكلمات أو قذف الكلمات،

يقصد أن اللحظة لثة مدماة تشدّ على شكلها وتقول وجعاً

فلتبتسم كماشة المكان اﻵن وهي تقبض على كل هذا الاهتراء

وليقع هذا الصراخ الباهت في جُحر الكلمة الأم

يريد الفتى الهرِم أن يرسم النوافذ على الأبواب، والأبوابَ على النوافذ ليربك الداخلين والناظرين فيقفز من يخرج ويطير من يدخل، وأكثرَ… يريد أن يغيّر وظائف الأسرّة والأرائك

أن يغيّر معنى كلمة “المنفى”.

/

موجة

ثديٌ

تصريف آخر لأمومة الماء

كلمة

هواء

نحوٌ آخر لأطلال المعاني

من هو ليقول: عائلتي العناصرُ

هو فم الخوف أم علل اللغة

وله أن يهبّ مقلوباً في جوفه بازغاً بلا سبب أو غاية على شجرة الاسم

يغيّر أساليب كونِه في الكلام ليصدّق كونَه في الخالد الزائل

هو يتيم والديه

ابن جريان الوقت

متاهة لتصبح مدينة ملاه

جحيم يهز كتفه ب لا

عالم على سرير احتضاره يلوح لزائريه بيد متعبة

قصيدة لا تمتثل، تتدافع.. تصل ولا تصل مثل كاهنة في ناطحة سحاب

ماذا تستطيع أن تفعل كاهنة في ناطحة سحاب سوى أن تكسر شباكاً وتقفز طائرةً إلى معبد مهدّم.

/

ها بلغ السابعة والأربعين وبإمكانه اﻵن أن يمسح الغبار عن أثاث صمته لتظهر صرخته جرحا نصفه مفتوح ونصفه مرتق

اﻵن بإمكانه أن يفرح بالطارئ متخثراً وبالمقيم نازفاً

أن يسمّي الطريق إلى بلاده بلاداً

أن يمحو الطريق ويمشي

أن يدجّن وحش اسمه اﻵخر في بريّة بكر

اﻵن بإمكانه أن يحنّط جثمان هذا “اﻵن” ويرسله إلى متحف لن يزوره أحد.

 

* شاعر سوري مقيم في نيويورك

 

العربي الجديد

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى