صفحات الرأي

بين الإسلاميين والسلفيين وتداعيات القطيعة المفترضة

حسن شامي

بات المشهد الإسلامي في غير بلد من بلدان الربيع العربي ينضح بما يكفي من التشقق واتساع الهوة بين شرائح وفئات كانت تفترض أن الصفة الإسلامية العريضة تكفي لتوليد اللحمة المنشودة. ففي تونس كشفت المواجهات الأخيرة بين تنظيم «أنصار الشريعة» السلفي والقوى الأمنية المؤتمرة بتوجيهات سلطة يسيطر عليها حزب حركة النهضة الإسلامي، عن تبدل ملحوظ في العلاقة بين الطرفين وهي علاقة شابها الكثير من الغموض والالتباس ومحاولات الاحتواء بوسائل مختلفة، وفق ما نسب إلى تسجيلات صوتية للقاءات بين ممثلي الطرفين، وفي مقدمها لقاء حصل قبل أشهر قليلة وأثار جدلاً ولغطاً طويلين إذ جمع بين زعيم النهضة راشد الغنوشي وممثلين عن التيار السلفي. قيل آنذاك في أوساط معارضي النهضة إن الغنوشي وتياره الغالب يحملان خطاباً مزدوجاً مما يجيز الاشتباه بوجود علاقة تواطؤ أو حتى توزيع أدوار أو أيضاً مخاوف من انزلاق قواعد شعبية في النهضة نحو الخطاب السلفي.

تبادل التحديات وسقوط قتيلين وعدد من الجرحى الأسبوع الفائت، على خلفية منع السلطات عقد مؤتمر سلفي في مدينة القيروان، صحبته اتهامات حكومية للسلفيين بانتهاك القوانين والاعتداء على رجال الأمن وصولاً إلى تهمة الضلوع في الإرهاب وفق ما صرّح رئيس الحكومة النهضوي علي العريض. ويشي هذا بحصول نوع من القطيعة بين قوة إسلامية حاكمة وتيار سلفي يسعى إلى ملء الفراغ المجتمعي الذي يحسب السلفيون أنه بات ساحة متروكة لهم بالنظر إلى انهماك الحزب الإسلامي بتسيير الدولة وسط خريطة معقدة من الاصطفافات والتجاذبات المتصلة بتاريخ تونس الحديث.

يحصل في مصر شيء مختلف من دون أن يقلل من صلاحية مقارنة الحالتين. فتحرير الجنود السبعة المختطفين في سيناء على يد مجموعة جهادية جرى بأقل الخسائر الممكنة ومن دون اعتقال الخاطفين. وليس هناك أي صلة على ما يبدو بين المجموعة الخاطفة والتيار السلفي الناشط تحت راية حزب النور الذي حصد نسبة غير متوقعة إطلاقاً من المقاعد النيابية والذي يخوض منافسة مع «الإخوان المسلمين» وفق خطة أكثر تعقيداً من نظيره التونسي إذ يحاول الحزب السلفي المصري تلميع صورته في البيئات المدنية المناهضة للإخوان والمشككة في قدرتهم على قيادة الدولة. وتشمل محاولة التلميع هذه مد الجسور مع المؤسسة الدينية التقليدية ذات الثقل التاريخي والرمزي والتي يمثلها الجامع الأزهر العريق. ولا يمنع هذا من أن يكون مشروع التيار السلفي في كلا الحالتين، المصرية والتونسية، وفي حالات أخرى ربما، عبارة عن استئناف لما كانت عليه حركات الإسلام السياسي لعقود: إذا كانت سلطة الدولة لكم فالمجتمع سيكون لنا. وبيت القصيد هنا هو بالضبط مصطلح «المجتمع» الذي ملأ تدريجياً العديد من أدبياتنا المعاصرة منذ قرن تقريباً بل حتى أقل من قرن. ونرجح، كما هي الحال مع مصطلحات وكلمات أخرى مثل الثقافة والثورة والحداثة، أن تكون العلاقة بين الدال والمدلول مضطربة ولا تنتظم في مرجعية دلالية واضحة.

هذه طريقة للقول إن صورة المجتمع تبقى، في عرف الإسلاميين عموماً، مسكونة بفكرة «الجماعة» المستندة إلى وحدة المعتقد والشعيرة والسلوك. وكان عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر قد ميز بين نوعين من الاجتماع، الأول منهما يغلب اعتبارات المصالح الدنيوية خصوصاً ويقيم الاجتماع على مثال تعاقدي وعقلاني بين فئات مختلفة ومن هذا النوع الذي حملته سيرورة تاريخية مركبة من قوى وتطلعات ونوازع ومناظرات تشكلَ في كنفها رأي عام وفضاءات للتعبير والمناقشة، وهو منتشر اليوم بطريقة شبه فولكلورية ومصطنعة بعض الشيء في الجمعيات والهيئات المدنية ذات الأهداف المحددة والمنتسب إليها بطريقة حرة وتعاقدية تولدت فكرة «المجتمع» وصورته الحديثتين. النوع الثاني يقوم على الاشتراك في لحمة عامية وانفعالية تكفلها طقوس ومعتقدات منتجة للعواطف والمشاعر القوية وإن بتفاوت. يبقى أن الحدود بين النمطين ليست قاطعة على الدوام. ومن مفارقات الأمور ربما أن الإسلاميين اليوم يكتشفون، لدى قبضهم على سلطة الدولة ومن منظار احتكارها للعنف الشرعي، كم أن المجتمع مركب وتخترقه نوازع ومصالح وتصورات متباينة وأن صورته تختلف عن صورة الجماعة المتماثلة مع ذاتها والتي عرفوها بقدر ما سعوا إلى صناعتها. والحق أن بعض الفقهاء لامسوا هذه القضية في وقت مبكر وحاولوا التمييز مثلاً بين الجماعة كإطار لوحدة المؤمنين وبين الأمة ككيان سياسي وحقوقي أكثر تعقيداً وتركيباً مما يتطلب اعتماد معايير مختلفة عن معايير الجماعة وصلاحها. والحديث الشائع اليوم عن براغماتية «الإخوان» في مصر، وانتهازيتهم ووصوليتهم النفعية، وعن حساسيات ومقاربات متباينة داخل حركة النهضة في تونس، ليس سوى مؤشر على اختبارهم المستجد للعلاقة بين المجتمع والدولة. وقد لا يخلو هذا الاختبار، في المدى المنظور في الأقل، من خضات وتشققات ومواجهات تنضوي كلها تحت الصفة الإسلامية الواحدة والمشتركة.

إذا كان قطبا المشروع الإسلامي الصاعد والكاسح، أي «الإخوان» والسلفيون، قد نجحا في تثبيت الصفة الإسلامية كلازمة وجودية للهوية الثقافية المشتركة لبلدان تعرف تباينات كبيرة لجهة التنظيم الاجتماعي ومسارات التشكل التاريخي، فإن هذين القطبين مرشحان لتصدعات في داخل كل منهما قد تتخذ شكل تيارات واتجاهات تزعم امتلاك تأويل مختلف للصفة الإسلامية ومتطلباتها. سيكون ذلك مشابهاً لما عرفه التاريخ الإسلامي عندما كانت هويته راسخة وغير مهددة. ويعني هذا أننا مقبلون ليس فحسب على نزعة يصفها الحداثيون والمستقبليون بالماضوية، بل كذلك على صراع على الماضي بوصفه طريقة لامتلاك الحاضر. فالسلفية الجهادية تنشأ على أرضية السلفيات الدعوية والعامية وتكتشف من طريق التنبه إلى أن الحاضر التاريخي يحاصرها فتنبذه بعنف خلاصي وطهراني لا نتيجة له سوى العبثية والفوضى. وثمة قوى جاهزة لاستخدام هذه العبثية بهذه الطريقة أو تلك. أما الإسلام السياسي كما يمثله الإخوان وحزب النهضة فهو يعول على المثال التركي في استدرار ثقة بنجاح التجربة. ولكن يفوتهم أن الفوارق كثيرة وكبيرة وفي مقدمها وجود طبقة من «البرجوازية المؤمنة أو الورعة» في تركيا، وفق بعض الباحثين، واقتصاد إنتاجي حقيقي وسيرورة تاريخية وثقافية مركبة ومعقدة فيما تغلب الريعية في كل شيء على أحوال العالم العربي.

الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى