صفحات الرأي

تجديد النسخة الجهادية: «القاعدة» يعيد طرح نفسه بهوية جديدة/ دافيد جارتنشتاين،

 

 

 

ترجمة وتحرير فتحي التريكي

منذ أن حققت «الدولة الإسلامية» تقدمها العسكري المثير في سوريا والعراق منذ أكثر من عام بالاستيلاء على الموصل وعدة مدن مفتاحية أخرى وإعلانها إعادة تأسيس الخلافة، فإن المحللين قد وصلوا إلى شبه حالة من الإجماع أن صعود التنظيم الجديد قد دمر المنطمة الأم، تنظيم «القاعدة».

في الواقع، قوضت «الدولة الإسلامية» موقع تنظيم «القاعدة» كممثل معياري للحركة الجهادية، متجاوزة الرسائل الشعبية لتنظيم «القاعدة» عبر جهاز دعائي قوي. أقنعت «الدولة الإسلامية» عدة مجموعات كانت في السابق تدور في مدار تنظيم القاعدة، مثل أنصار بيت المقدس وبوكو حرام، أن تنفصل عنها وتعيد تقديم نفسها كمحافظات (ولايات) في دولة الخلافة.

ويعتقد العديد من المحللين أن «الدولة الإسلامية» قد أصبحت هي المنظمة الجهادية الأبرز عالميا.

وفي حين أن ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية» قد أضر بتنظيم «القاعدة» بطرق لا تعد ولا تحصى، فقد قدم لتنظيم «القاعدة» أيضا فرصة طالما طال انتظارها. على مدار سنوات، سعى تنظيم «القاعدة» لإعادة تشكيل صورته على أمل التخلص من سمعة الوحشية التي لحقته، والتي ترجع في جزء كبير منها إلى تجاوزات تنظيم «القاعدة» في العراق، وهي المجموعة التي قدمت نفسها باسم «الدولة الإسلامية» في وقت لاحق. وبفضل تطورين متوازيين، يتمثلان في ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية» وتصاعد التوترات الطائفية بين السنة والشيعة في الشرق الأوسط، تم بث الروح في حملة تنظيم «القاعدة» لإعادة طرح هويته (علامته التجارية الجديدة). وقد اتخذ تنظيم «القاعدة» لنفسه صورة أكثر عقلانية، وربما أكثر قابلية للسيطرة، كبديل عن «الدولة الإسلامية». ومع احتدام المنافسة بين إيران والدول السنية، بما في ذلك الحروب بالوكالة في سوريا واليمن، يمكن لتنظيم «القاعدة» تقديم نفسه باعتباره حصنا ضد التوسع الإيراني.

من خلال هذا السياق الحالي، والتطورات التاريخية في العقد الماضي يمكننا فهم حملة إعادة طرح الهوية الخاصة بتنظيم «القاعدة». وكذا تقييم فرصها في النجاح.

حملة القاعدة الفاشلة في العراق

ويعود إيمان تنظيم «القاعدة» بحاجته إلى إعادة بناء صورته إلى حملة التنظيم في العراق في منتصف العقد الأول من الألفية. صعد تنظيم «القاعدة» في العراق سريعا إلى واجهة الحركة الجهادية العالمية وسرعان ما احترق بسرعة كما صعد بسرعة، وحرق معه صورة التنظيم الأم كذلك. ويرجع نجاح تنظيم «القاعدة» في العراق في وقت مبكر أثناء الاحتلال الأمريكي جزئيا إلى قدرته على إشعال الفتنة الطائفية من خلال موجات من الهجمات في المناطق الشيعية. آمن تنظيم القاعدة في العراق يقينا أنه بإمكان أن يقحم نفسه في الحرب الأهلية الدائرة وقتها عبر تقديم صورته كحام للسنة. لكن في الوقت الذي كان التنظيم يعرض خلاله الحماية على السنة من العمليات الانتقامية التي كانت ترتكبها المجموعات الشيعية، فإن بطش المجموعة امتد ليشمل هؤلاء السنة ذاتهم عبر فرض أشكال غير مألوفة من القوانين الدينية بعد فرض الحكم الإرهابي على محافظة الأنبار. وفي تقرير استخباراتي صدر في أغسطس/آب من عام 2006، تم وصف تنظيم القاعدة في العراق على أنه القوة التي تمتلك الهيمنة النافذة في الأنبار.

ميل تنظيم «القاعدة» في العراق نحو ارتكاب الممارسات الوحشية وإثارة العنف العشوائي أثار مخاوف داخل قيادة التنظيم العليا، والتي خشيت أن ممارسات فرع التنظيم في العراق من شأنها أن تنفر العراقيين. أرسلت القيادة العليا في خطابين على الأقل موقعين باسم نائب أمير التنظيم «أيمن الظواهري» ومسؤول الأقاليم في التنظيم «عطية عبد الرحمن» إلى «أبو مصعب الزرقاوي» يحثون خلالها الأردني المتهور (الزرقاوي) على تعديل نهجه ليكون أكثر اعتدالا. ووبخ «الظواهري» «الزرقاوي» لبثه شريط فيديو يظهر عملية لقطع رؤوس الضحايا، محذرا إياه من الانخداع بثناء بعض الشباب المتحمس الذين وصفوه بـ«شيخ الذابحين».

كل من «الظواهري» و«عبد الرحمن» أكدا على ضرورة السعي للفوز بالتأييد الشعبي وقد وجه «عبد الرحمن» «الزرقاوي» أن يحرص على كسب تأييد العراقيين بشكل تدريجي عبر «الإشادة بالأشياء الصالحة التي يقومون بها والتغاضي عن بعض أوجه القصور في أعمالهم».

كانت الاعتراضات/ التحفظات الموجهة من «الظواهري» و«عبد الرحمن» تنبع من دوافع استراتيجية أكثر منها أخلاقية. في الواقع أشار «الظواهري» أنه بدلا من قطع رؤوس السجناء لدى التنظيم فإنه من الممكن تصفيتهم بالرصاص. ويمكن ملاحظة تقديم المخاوف الاستراتيجية على الأخلاقية أيضا في جهود إطلاق العلامة التجارية الجديدة الحالية لتنظيم «القاعدة». فبدلا من تجنب الأعمال الوحشية، يبدو التنظيم معنيا أكثر بإبقائها بعيدا عن الكاميرا والتقليل من الأصداء السلبية التي غالبا ما ترافق هذه الأعمال الوحشية.

تجاهل «الزرقاوي» توجيهات القيادة العليا لتنظيم القاعدة. وبعد فترة من القمع، ثار السكان السنة في الأنبار في الانتفاضة القبلية المعروفة باسم «الصحوات». و سرعان ما امتدت «الصحوات» إلى المحافظات الأخرى. جنبا إلى جنب مع ”الزيادة» في عدد القوات الأمريكية والتحول الأمريكي لمكافحة التمرد المرتكز على القاعدة السكانية (القبائل المحلية)، ما أسفر في النهاية عن سقوط تنظيم «القاعدة» في العراق. وبالتبعية، تنظيم «القاعدة» ذاته.

كان الضرر الذي سببه تنظيم «القاعدة» في العراق والمنظمات التي خلفته شديدا. لدرجة أنه في يناير/كانون الثاني 2011 قام «آدم غدن»، مسؤول التخطيط الإعلامي في القاعدة أمريكي المولد، بكتابة رسالة إلى «أسامة بن لادن» يوصي خلالها تنظيم «القاعدة» بقطع علاقته مع فرعه العراقي. وادعى «غدن» أنه إذا لم يقم التنظيم بقطع علاقته مع المجموعة العراقية «فسوف تتدمر سمعته أكثر وأكثر نتيجة لأفعالهم وتصريحاتهم»، «والتي يتم حسابها في النهاية على منظمتنا» وفقا لـ«غدن». وهناك ما يدل على أن اقتراح «غدن» كان يناقش على محمل الجد في ذلك الوقت.

الجهود الأولى لإعادة طرح الهوية

بعد التجربة الفاشلة لتنظيم «القاعدة» في العراق، بدأ كبار قادة التنظيم استكشاف كيفية إصلاح سمعة المجموعة، كما يتضح من الوثائق المستردة من مجمع «بن لادن» في أبوت أباد. في رسالة من مسؤول غير معروف لتنظيم «القاعدة» في شبه الجزيرة العربية موجهة إلى القيادة العليا، انتقد الخطاب مسؤول التنظيم في العراق لقتل رجال القبائل والتحريض على التمرد، وشدد على أهمية اكتساب تأييد الرأي العام، مشيرا إلى أن«دعم الشعب للمجاهدين هو بقدر الأهمية مثل الماء للسمك». تشابه البيان مع القول المأثور «لماو تسي تونغ »القائل أن «من يخوض حرب العصابات يجب أن يتحرك بين الناس كما تسبح السمكة في البحر » ليس بالتأكيد من قبيل الصدفة.

ولعل أوضح دليل على جهود تنظيم القاعدة لإعادة طرح هويته يمكن العثور عليها في خطاب أرسله «بن لادن» إلى «عطية عبد الرحمن» في مايو/أيار 2010. حيث شكا «بن لادن» الضرر الذي يلحقه نشاط الفروع بسمعة «القاعدة» مشيرا إلى أن ممارسة العنف العشوائي أدت إلى «فقدان النهج المتعاطف من المسلمين تجاه المجاهدين». واقترح «بن لادن» أن يتم تدشين مرحلة جديدة من عمليات القاعدة من شأنها «استعادة ثقة جزء كبير من أولئك الذين فقدوا ثقتهم في المجاهدين». وأكد «بن لادن» على أهمية تقليل عدد الضحايا في صفوف المسلمين، وتوجيه الفروع نحو توخي الحذر عن إلحاق أي أضرار بالمدنيين. والحث على تطبيق استراتيجية إعلامية جديدة، ودعوة نشطاء وسائل الإعلام إلى تجنب «كل ما من شأنه أن يكون له اتأثير سلبي على تقبل الأمة للمجاهدين».

بل وصل الأمر إلى اقتراح تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية تغيير اسم المنظمة. في رسالة وجدت في أبوت أباد، لاحظ مسؤول لم تذكر الرسالة اسمه أن اسم المجموعة صار مفصولا عن الإسلام، وهو ما يسمح للدول الغربية بالادعاء بأن حربهم كانت مع تنظيم القاعدة وليس المجتمع الإسلامي الأوسع. وأكد المسؤول أن القاعدة (في جزيرة العرب) صار ينظر إليها فقط كقاعدة عسكرية دون أي إشارة إلى المهمة الأعظم المتمثلة في توحيد الأمة. واقترح المسؤول عدة أسماء بديلة للتنظيم.

وواصل المسؤولون جهودهم لوضع خطة لطرح هوية جديدة للتنظيم بعد وفاة «بن لادن». في سبتمبر/ أيلول 2013، أصدر «الظواهري» وثيقة بعنوان «إرشادات عامة للجهاد»، والتي جعلت النهج العام لتنظيم «القاعدة» أكثر ارتكازا على دعم القواعد الشعبية في المقام الأول. ووجه «الظواهري» تعليماته للأفرع لتفادي الصدام مع حكومات الشرق الأوسط عندما يكون ذلك ممكنا، لأنه من المؤكد أن الصراع مع الأنظمة المحلية يستنزف جهود بناء قواعد الدعم. كما وجه «الظواهري» الأفرع إلى تقليص مستويات العنف والصراع مع الشيعة وغير المسلمين من أجل منع الانتفاضات المحلية، والامتناع عن الهجمات التي يمكن أن تؤدي إلى سقوط ضحايا من المدنيين المسلمين. هناك خطاب مسرب مزعوم يدعى أن «الظواهري» كتبه لخليفة تنظيم «الدولة الإسلامية»، «أبو بكر البغدادي»، في سبتمبر/ أيلول 2013 يحمل الإرشادات العامة للجهاد التي تم توجيهها إلى جميع أفرع القاعدة للمراجعة قبل نشرها للسماح التعليقات والاعتراضات، ويشير هذا لكون الوثيقة كانت تمثل سياسات موحدة لتنظيم «القاعدة» ككل.

إخفاقات

الجهود المبكرة لتغيير صورة تنظيم «القاعدة» أسفرت عن نتائج مختلطة. نفذت بعض أفرع القاعدة الاستراتيجية الجديدة بشكل سيء أو غير مستق. بينما تجاهل الآخرون هذا النهج المقيد بشكل كامل.

التجربة الجهادية في شمال مالي في ربيع عام 2012 توضح كيف قوض القادة المحليون العدوانيون جهود تنظيم «القاعدة» لإطلاق العلامة التجارية الجديدة. عندما قامت الجماعات الجهادية تحت قيادة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بالسيطرة على شمال مالي، فإنها قامت بتطبيق أشكال صارمة وقاسية من الشريعة (القانون الإسلامي). دخل الحكم الجهادي الصارم في خلاف مع الماليين الذين يتبنون نهجا دينيا أكثر اعتدالا.  وقام الجهاديون المسلحون بفرض قبضة محكمة وثقيلة ومارسوا الضرب والجلد والرجم بحق السكان المحليين ما أدى في النهاية إلى نزوح جماعي للمدنيين نحو موريتانيا المجاورة.

هذا النهج استوجب توبيخ من أمير القاعدة في المغرب الإسلامي «عبد الملك دروكدال»، مما يدل على التلاحم بين قيادة القاعدة في المغرب الإسلامي ونظرائها في أفغانستان وباكستان. في رسالة إلى قاعدة الجهاديين في مالي، انتقد «دروكدال» السرعة القصوى التي تم بها فرض الشريعة من قبل المسلحين موبخا إياهم إثر القيام بتدمير الأضرحة الصوفية والاعتماد بشكل مفرط على العقوبات البدنية. وأعطى «دروكدال» تعليمات إلى الجهاديين في مالي للتحالف مع جماعات مسلحة أخرى، بما في ذلك متمردي الطوارق وغيرهم من غير السلفيين، والتركيز على حشد تأييد الرأي العام. تعكس هذه التوجيهات عن كثب المبادئ التوجيهية للجهاد التي سيقوم «الظواهري» بإصدارها لاحقا بعد عام.

مثل هذا التطبيق غير المتسق صدر أيضا من قبل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب (اليمن). في ديسمبر/كانون الأول 2013، هاجم مسلحو القاعدة في جزيرة العرب مجمع وزارة الدفاع في العاصمة صنعاء. تم استهداف مستشف طبيى، العديد المسعفين العزل والمدنيين قد قتلوا إثر الهجوم. أعلن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب مسؤوليته عن العملية على الفور، ولكنه سرعان ما تراجع بعد شريط فيديو جرى بثه على التلفزيون يظهر قيام مقاتلي القاعدة في جزيرة العرب بقتل الأطباء وغيرهم من المدنيين في المستشفى. اضطر «قاسم الريمي»، قائد عسكري في تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، إلى إصدار اعتذار نادر مدعيا أن الهجوم على المستشفى كان عملا من أعمال  المسلحين المارقين الذين تحدوا أوامر القادة العسكريين. ووعد بأن القاعدة في جزيرة العرب سوف تدفع الدية للقتلى.

تشير حالة مالي إلى وجود انفصال بين القيادة العليا للتنظيم والقادة المحليين. في حين من المرجح في حالة اليمن أن تنظيم القاعدة كان يحاول إظهار صورة معتدلة بعد الفظائع التي ظهرت في شريط البث. على أية حال، في كثير من الأحيان فإن جهود إعادة طرح هوية جديدة أكثر اعتدالا للقاعدة غالبا ما كان يتم تقويضها في مراحل مبكرة.

صعود «الدولة الإسلامية» وفرصة «القاعدة»

على الرغم من أن صعود «الدولة الإسلامية» كان كارثة لتنظيم القاعدة في كثير من النواحي، فقد استفادت حملة إعادة طرح الهوية الخاصة بالتنظيم من ظهور «الدولة الإسلامية». في حين أن عثرات تنظيم القاعدة التي تزامنت مع صعود «الدولة الإسلامية» كمنافس قد لقيت تدقيقا إعلاميا كبيرا، فإن استخدام المجموعة للعنف قد تم طمسه بين ركام الفظائع التي ترتكبها «الدولة الإسلامية» دون رادع. قد سمحت عمليات قطع الرؤوس والذبح والإعدامات الجماعية لتنظيم القاعدة بتغيير صورته بطريقة لم تكن واردة في الوقت الذي اندلعت فيه موجه الربيع العربي في المنطقة في عام 2011. وقام تنظيم القاعدة بترتيب عملية إعادة صياغة لنفسه لدى جمهورين: عبر تقديم نفسه كبديل أكثر قبولا للدولة الإسلامية لدى السكان المحليين. في حين يصور نفسه على أنه شريك محتمل للحكومات الإقليمية ضد «الدولة الإسلامية».

وكانت التوترات السياسية بين السنة والشيعة أيضا نعمة لاستراتيجية القاعدة في إطلاق العلامة التجارية الجديدة. وقد وفر التنافس المكثف بين دول الخليج السنية وإيران لتنظيم القاعدة فرصة لتقديم نفسه باعتباره حصنا ضد النفوذ الإيراني في أماكن مثل سوريا واليمن.

كجزء من مبادرته إطلاق العلامة التجارية الجديدة، أطلق تنظيم القاعدة حملة إعلامية شاملة في الأشهر الأخيرة، شملت ظهور كبار المسؤولين في مقابلات مع وسائل الإعلام السائدة. هؤلاء المسؤولين حاولوا التهوين من شان الخطر الذي يمثله التنظيم على الغرب، بل إنهم في بعض الأحيان عززوا عمدا تصور وجود ضعف في تنظيم القاعدة.

أول العلامات الملموسة على هذا التوجه الإعلامي كانت في أوائل عام 2015، عندما أصدر «الظواهري» توجيها إلى «أبو محمد الجولاني» أمير «جبهة النصرة» التابعة لتنظيم «القاعدة» في سوريا نحو تحسين علاقته مع الشعب السوري والجماعات المتمردة الأخرى. وقنن مرسوم «الظواهري»، إلى حد ما، الاستراتيجية القائمة لجبهة النصرة. منذ عام 2012، كانت النصرة تتعاون مع غيرها من الجماعات المتمردة السورية، وحشدت التأييد الشعبي الكبير. ومع ذلك، ففي النصف الأخير من عام 2014، شاركت النصرة في الاقتتال ضد جماعات متمردة أخرى، وكان الهدف من منشور «الظواهري»، على ما يبدو، هو توضيح موقف «جبهة النصرة».

منذ ذلك الحين، أصبحت سوريا ساحة الاختبار الأولية لاستراتجية تنظيم القاعدة في إطلاق هويته الجديدة. في مارس/أذار 2015، بثت قناة الجزيرة مقابلة مع «أبو سليمان المهاجر»، وهو رجل الدين الاسترالي الذي أصبح واحدا من كبار المسؤولين الدينيين لجبهة النصرة. أبرز «المهاجر» التناقضات بين «جبهة النصرة» و«الدولة الإسلامية» مشيرا إلى أن الهدف الأساسي للنصرة كان الإطاحة بـ«الأسد» واستعادة حق الشعوب المسلمة في اختيار من يحكمهم بشكل مستقل. تأكيده على التمثيل الشعبي والادعاء بأن النصرة تركز على الأهداف الوطنية هي أهم البصمات المميزة للحملة الإعلامية لجبهة النصرة.

بعد مقابلة «المهاجر»، ضمنت «النصرة» مقابلة أخرى للجزيرة مع «الجولاني». في مايو/أيار 2015، جلس أمير النصرة في مقابلة امتدت لمدة 47 دقيقة ركز خلالها على إظهار التناقضات بين النصرة و«الدولة الإسلامية». أكد «الجولاني» أن هدف «جبهة النصرة» الوحيد هو إسقاط «نظام الأسد». وتحوط «الجولاني» في الجواب حول مسألة إذا ما كانت «النصرة» ترغب في إقامة دولة إسلامية بعد رحيل «الأسد» مدعيا أنه يجب التشاور مع جميع الجماعات المتمردة قبل إنشاء الدولة. أبرز «الجولاني» موقفا متسامحا نسبيا تجاه الأقليات الدينية واعدا أن «النصرة» سوف لن تستهدف الدروز ولا العلويين. (صرح الجولاني أن العلويين يجب أن يتخلوا عن عقيدتهم التي تتناقض مع الإسلام، وقام مترجم الجزيرة إلى الإنجليزية بحذف هذه الجمل التي لا تحمد عقباها).

كما شارك منظرو تنظيم «القاعدة» في جهود إطلاق العلامة التجارية الجديدة. قدم «أبو محمد المقدسي» و«أبو قتادة»، وهما من الشخصيات الدينية البارزة لتنظيم القاعدة، بإجراء مقابلة متعمقة لصحيفة الغارديان البريطانية جاءت في مقال نشر في يونيو/ حزيران عام 2015. كل من «أبو قتادة» و«المقدسي» انتقدا «الدولة الإسلامية»، في الوقت الذي زعما فيه أن ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية» تسبب في ضمور تنظيم «القاعدة». وتبدو تصريحات الرجلين مختلفة حين تؤخذ في سياق حملة طرح الهوية الجديدة للقاعدة فمحاولة رسم صورة القاعدة بوصفها منظمة منهارة يناسب استراتيجية المجموعة في تفهم قوتها من أجل تجنب لفت انتباه الجيوش الغربية وتخفيف مخاوف دول الخليج.

وقد عززت «النصرة» هذا التوجه الإعلامي من خلال اعتماد نهج أكثر تعاونا تجاه غيرها من الفصائل المتمردة السورية. في مارس/أذار 2015، قامت «النصرة» وعدة جماعات متمردة بارزة بما في ذلك مجموعة سلفية متشددة تدعى «أحرار الشام» في تأسيس تحالف جديد يسمى جيش الفتح. ومنذ ذلك الحين، حققت النصرة وحلفاؤها مكاسب كبيرة في إدلب. وصدرت «النصرة» هذا النموذج التعاوني إلى محافظات أخرى مبدية استعادا مفتوحا لتقاسم القوة مع منظمات أخرى. بعد أن أحكم جيش الفتح سيطرته على إدلب، أكد «الجولاني» أن «النصرة» لن تسعى إلى حكم المدينة أو احتكارها دون الآخرين.

وتمشيا مع الأخطاء الغير متسقة في حملة إعادة طرح الهوية الخاصة بالقاعدة، ساهمت بعض إجراءات جبهة النصرة في فصلها عن هدفها نحو عرض وجه معتدل. في يونيو/ حزيران 2015، قتل مقاتلو «النصرة» ما لا يقل عن عشرين من الدروز في بلدة في محافظة إدلب. ولكن قيادة النصرة سعت سريعا لاحتواء آثار الأضرار. بعد ثلاثة أيام من المذبحة، أصدرت «النصرة» بيان الاعتذار عن الهجوم مؤكدة أن المشاركين لم يحصلوا على موافقة قادتهم. وأكدت أنه سيتم إحالة مرتكبي الجريمة إلى محكمة شرعية.

تنفذ «القاعدة» أيضا استراتيجية الهوية الجديدة في اليمن. حيث مكن الصراع بين الحوثيين المدعومين من إيران والتحالف العسكري الذي تقوده السعودية، وكذلك ظهور «الدولة الإسلامية»، مكن تنظيم «القاعدة» من إعادة صياغة نفسه على أنه القوة التي يمكنها مواجهة كل من الحوثيين و«الدولة الإسلامية». القاعدة في جزيرة العرب تحارب الحوثيين في بعض الأحيان جنبا إلى جنب مع قوات التحالف التي تقودها السعودية وشاركت في عملية توازن دقيق حيث تشن هجمات ضد المسلحين الحوثيين في حين تنأى بنفسها عن العمليات الإرهابية ضد المدنيين الحوثيين والتي ترتكبها «الدولة ألإسلامية».

اقتات تنظيم «القاعدة» في شبه جزيرة العرب أيضا على الأوضاع الفوضوية في اليمن للاستيلاء على الأراضي لنفسه وعرض نهجه التدريجي الجديد في الحكم. في أبريل/نيسان، سيطر «القاعدة» في جزيرة العرب على مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت. امتنعت المنظمة عن رفع لافتات جهادية، وحتى إنها أصدرت بيانا تدحض فيه الشائعات أنه سيكون هناك حظر الموسيقى. أنشأت القاعدة في جزيرة العرب مظلة جامعة للحكم في المكلا تعرف باسم المجلس الأهلي الحضرمي. وهو اسم يهدف إلى التأكيد على الجذور المحلية. كما تجنبت عموما التدابير التي يمكن أن تنفر السكان المحليين. ومن المرجح أن يصدر القاعدة في جزيرة العرب هذا النموذج من الحكم إلى المحافظات الأخرى استمرارا لاستغلال حالة الفوضى القائمة في اليمن.

حصد المكاسب

جهود طرح الهوية الجديدة لاقت بالفعل بعض الصدى عند مع السكان المحليين والدول السنية، وحتى بعض المحللين الغربيين. في كل من سوريا واليمن، تحظى أفرع للقاعدة بدعم من الدول السنية أو ربما حتى قاتلوا إلى جوار بعضهم البعض. أصبح ائتلاف جيش الفتح في سوريا المتلقي المفضل للمعونة من قبل تركيا وقطر والمملكة العربية السعودية. في الوقت نفسه، فقد استفادت القاعدة في جزيرة العرب من انشغال قوات التحالف التي تقودها السعودية مع الحوثيين والتهديدات الإيرانية. يقول سكان المكلا إن القبائل التي تدير المدينة تتلقى المساعدات من السعودية وبعض هذه المساعدات من المؤكد أنه يصل إلى يد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب.

وقد امتنعت السعودية عن تنفيذ غارات جوية ضد معاقل القاعدة في جزيرة العرب وغضت الطرف عن قيام التنظيم بوضع موطئ قدم في أجزاء أخرى من جنوب اليمن. وأوضح الأمير «فيصل بن سعود بن عبد المحسن»، وهو باحث في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، أن هناك نهج متباين للسعوديين في التعامل بين القاعدة و«الدولة الإسلامية»، مؤكدا أنه «في هذه المرحلة، يجب علينا أن نفرق حقا بين التعصب والوحشية التامة».

ورفع تهديد «الدولة الإسلامية» أيضا أسهم «القاعدة» في الأردن. عندما أسرت «الدولة الإسلامية» طيار سلاح الجو الأردني في ديسمبر/ كانون الأول عام 2014، كلفت الأردن «أبو محمد المقدسي» بالتفاوض مع «الدولة الإسلامية». وفي وقت لاحق، أطلقت الأردن «المقدسي» من السجن وسمحت له أن يظهر على شاشات التلفزيون الأردني. في حين أن الأردن ليس غافلا عن «المقدسي» أو تنظيم القاعدة، إلا أنه يبدو أن المملكة الأردنية جنحت إلى أن التسامح مع المقدسي وأنصار تنظيم القاعدة أخرى على أمل أن يتمكنوا من كبح نمو «الدولة الإسلامية».

في الأشهر الأخيرة، كتب اثنان من الباحثين المحترمين مقالات بارزة يجادلون فيها عن وجود نهج جديد للقاعدة. في مارس/أذار 2015، كتب «باراك مندلسون» من كلية هافارفورد مقالا في الشؤون الخارجية بعنوان «قبول تنظيم القاعدة»، جادل خلاله بأن على الولايات المتحدة «إعادة النظر في سياستها تجاه تنظيم القاعدة، وخصوصا في استهداف الظواهري»، والذي يصب بشكل مباشر في مصلحة «الدولة الإسلامية». وفي يونيو / حزيران 2015، كتب «أحمد راشد»، مؤلف العديد من الكتب الأكثر مبيعا، مقالا على «نيويورك ريفيو أوف بوكس» تحت عنوان »لماذا نحن بحاجة إلى تنظيم القاعدة». واستشهد «راشد» بعدة عناصر أساسية حول سعي القاعدة لإعادة تقديم هوية جديدة. بما في ذلك طريقة حكم القاعدة في المكلا و مقابلة «الجولاني» مع قناة الجزيرة، كدليل على أن القاعدة قد تكون شريكا ضد «الدولة الإسلامية».

وبما أن «الدولة الإسلامية» تهيمن على عناوين الصحف والبرامج الحوارية، فإن المحللين يقللون من القدرة الاستراتيجية للقاعدة على التكيف والازدهار. تترك حملة الهوية الجديدة تنظيم القاعدة في وضع جيد لاستغلال الظروف السياسية في الشرق الأوسط لسنوات قادمة. وقد عملت الفروع التابعة لتنظيم القاعدة على استعادة صورة المجموعة ونجحت في الحصول على تأييد الرأي العام في دول مثل سوريا واليمن، بل إنها حصلت على دعم من بعض الدول السنية. ولكن تحت وميض الحملة الدعائية هناك وقائع أكثر إحباطا : لا يزال تنظيم القاعدة مجموعة خطيرة مع أهداف توسعية تلتزم استهداف الغرب وإسقاط الأنظمة في الشرق الأوسط. ما لم ينظر المحللون نظرة فاحصة على الجهود الجارية لإطلاق العلامة التجارية الجديدة لتنظيم القاعدة، فسوف نكون عرضة للانخداع بصورة تحول المجموعة.

وور أون ذا روكس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى