صفحات سوريةمحمد سيد رصاص

تفسيران عربيان للسياسة/ محمد سيد رصاص

 

 

في أثناء مؤتمر يالطا بشباط1945قام تشرشل بإخبار ستالين عن اعلان دولة الفاتيكان الحرب على ألمانية الهتلرية:رد ستالين ساخراً :”كم دبابة عند بابا الفاتيكان؟”.في عامي1980و1981كان بابا الفاتيكان،وهو يومها من أصل بولندي،قوة دافعة كبرى وراء (نقابة التضامن)في بولندا و التي ضمت ملايين من العمال والمزارعين المعارضين للحكم الشيوعي ،وقد كان التحرك البولندي انذاراً بقرب انهيار الكرملين السوفياتي بعد عشر سنوات.

لاينتقص ماحصل من بابا الفاتيكان البولوني من قوة ملاحظة ستالين، فالأفكار والجماعات والعناوين السياسية تقاس بالقوة المادية التي تقف وراءها،ومنها الأسلحة،ولكن عندما تتحول الأفكار إلى قوة سياسية في الشارع عبر الحامل الاجتماعي فإن هذا يعني توازناً جديداً للقوى تضع فيها الفكرة المعنية ذاتها في مواجهة فكرة أخرى تقاس أيضاً في مواجهة الأولى،ليس عبر (الحق)و(المنطق)، بل من خلال الأذرع المادية التي تحملها ،وكما حصل في بولندا،ثم في بلدان(حلف وارسو)ثم في موسكو،قادت قوة الشارع المضاد للسلطات الحاكمة إلى هزيمة الأخيرة المدججة بالسلاح.

لم يكن تشرشل،اليميني وزعيم حزب المحافظين البريطاني،معترضاً من الناحية الفكرية والنظرية على ملاحظة الشيوعي الماركسي ستالين،بل كان يؤمن مثله بالقوة المادية في العملية السياسية،وعملياً منذ مكيافللي ثم توماس هوبز،الذي قال بأن “الانسان ذئب” يجب أن يأتي القانون المحمي بالقوة”لكي يمنع أن يأكل الجميع الجميع”،ثم ماركس وبعده البراغماتية- فقد كان هناك في الغرب ،الأوروبي والأميركي،تلاقيات بين اليمين واليسار،بكل الاتجاهات السياسية من محافظة وليبرالية وشيوعية واشتراكية ديمقراطية،على أن السياسة تقاس بميزان القوة والحامل الاجتماعي وأن الأفكار السياسية لاتقاس بذاتها بل بحاملها الاجتماعي ومدى قوته وأيضاً تقاس بنتائجها وليس بمحتواها.

عند العرب لايوجد شيء من هذا بعد،رغم أن قيام دولة اسرائيل واغتصاب فلسطين من قبل مجموعة من المهاجرين اليهود،بمساعدة من بريطانية المستعمرة،دليل على أن الحقوق لاتساوي فلساً واحداً في العملية السياسية،ودليل على أن اللغة الوحيدة في السياسة هي لغة القوة،وعندما قام أفيغدور ليبرمان ،وهو مهاجر من مولدافيا أتى في الثمانينيات،بالقول في الكنيست للنائب العربي أحمد الطيبي،وهو من عائلة متجذرة في فلسطين لأكثر من ألف عام:”اخرج من أرضي”،لم يقم أحد ،لافي الغرب ولافي الشرق وطبعاً في المجتمع الاسرائيلي،بالقول بأن عبارة ليبرمان خروج عن(الحق).لدى العرب ورغم مرور ست وستون عاماً على اغتصاب فلسطين مازالت مسطرة (الحق والباطل)هي السائدة في العمل السياسي،رغم أن استعمال هذا”السلاح”لم ينتج شيئاً للعرب منذ عام1947عندما تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين،كماأن استعماله ،هو و”سلاح الشرعية الدولية”،لم يؤد إلى أكثر من حصيلة صفرية لماوضع هذا “السلاح”كأداة ل”فضح”انتهاكات اسرائيل لقرارت الأمم المتحدة ،وهي الدولة الوحيدة في العالم التي ولدت من رحم تلك المنظمة الدولية.

مع كل قوة ذلك المثال الفلسطيني المعاكسة ،مازال العرب إلى الآن من أكثر الأمم والدول والشعوب والأفراد تمسكاً ب(الحق)منظاراً إلى السياسة.هذا يوجد عند وزراء الخارجية العرب،وعند المندوبين للأمم المتحدة ومختلف المنظمات الدولية،وعند الكتاب السياسيين،وعند ممارسي السياسة خارج السلطة الحاكمة:عند هؤلاء جميعاً هناك نظرة للسياسة وكأنها صراع بين (الحق- الخير) وبين(الباطل- الشر)،شبيه بنظريات (الدراما)أوبالأفلام الهندية،ولايوجد مثل العرب الآن من حيث المكانة التي يحتلها أساتذة الحقوق من حيث التعليقات السياسية في وسائل الاعلام المقروءة والمرئية،فيماهم في الغرب يقتصرون على الفتاوى القانونية والدستورية التي تثيرها وتولدها العملية السياسية،وهذا كله لايصل إلى الصحف والفضائيات بل يقتصر على الغرف المغلقة في الأكاديميات والمؤسسات الرسمية.

هناك تفسير عربي آخر للسياسة،إلى جانب (التفسير الحقوقي)،هو (التفسير الثقافي):هذا التفسير يعتبر السياسة صراعاً بين أفكار ثقافية يأخذها الساسة إلى الميدان العملي الممارس.وبالتالي فالسياسة هي صراع بين مجردات وأقانيم ثقافية تنتقل من شكلها التجريدي إلى شكل برنامج سياسي وعبر الأخير إلى الممارسة عبر المقتنعين بذلك البرنامج ضد حاملي برنامج سياسي آخر.لايفسر أصحاب هذا التفسير الأحزاب والاتجاهات السياسية عبر هذا فقط،بل هم يقومون بتفسير التحولات السياسية عند الأفراد والكتل الاجتماعية من خلال تراثها الثقافي التاريخي،وخاصة الديني أوالطائفي الفئوي،وليس من خلال تفسير هذه التحولات بالتطورات الاقتصادية الاجتماعية التي تنتج تحولات فكرية- ثقافية- سياسية.وبالتالي فإن الكل هم في علبتهم المغلقة ،المعطاة تاريخياً،وإن خرج بعضهم إلى أيديولوجية حديثة تتجاوز موروثه الثقافي،فإنه سيعود لاحقاً ويرتد إلى معقله السابق أوأنه سيلون هذه الأيديولوجية الحديثة بلون موروثه الثقافي الخاص.الغريب أن الكثير من الماركسيين العرب ينظرون إلى ظاهرة(الاسلام السياسي)عبر منظار (الثقافة الاسلامية)لتفسير قوة حركية الاسلاميين في فترة1975-2013وليس من خلال التفسير الماركسي الذي ينظر إلى الطابق الفكري- الثقافي- السياسي من خلال حركية البنية الاقتصادية الاجتماعية ،وأيضاً ،من جهة ثانية تضاف للعامل السابق، ليس من التفسير الماركسي الذي يحدد العلاقة في السلب أوالايجاب مع السلطة الحاكمة بالنسبة لطبقة أوإثنية أومنطقة أوطائفة أودين من حيث أنه يمكن أن يدفعها تعامل السلطة الحاكمة سياسياً أواقتصادياً اجتماعياً في السلب أوالايجاب،في المنافع أوالمضارللمصالح،نحو العودة لموروثها الثقافي لاجتراح اتجاهها السياسي للتمسك أو للدفاع عن مصالحها الاقتصادية الاجتماعية. من دون هذا لايمكن تفسير كيف أن الحزب الشيوعي العراقي كان أقوى من حزب الدعوة في الوسط الشيعي في فترة 1959-1970ثم انقلبت الآية في أعوام1975-2003.

هذه التفسيرات العربية السائدة للسياسة لم تعد موجودة عند الأمم الأخرى،أوهي معزولة ولاقيمة لها في المجتمعات الأخرى: مادلالة هذا عربياً؟…

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى