صفحات الرأي

ثورة عالمية آخذة بالتفتح


نهاد محمود

من المصادفات المعبّرة أن تكونَ حركة “احتلّوا وول ستريت” الأميركيّة قد استوحتْ انطلاقتها من الثوراتِ العربيّة، ومما حصل ويحصل في ميدان التحرير بالقاهرة بصورة خاصة.

احتلال الساحاتِ العامّةِ، واتّخاذها مقرّاً ومنطلقاً، وتواصل المنظّمين والمؤيّدين عبر وسائلِ الانترنت الاجتماعية، وغياب القيادات الجاذبة والأهداف النهائيّة للتحرّكِ، وتبنّي ما تتوافقُ عليه الأكثريّةُ من أفكار. جميعها مظاهر تتكرّرُ الآن في نيويورك وفي سائر المدن الأميركيّةِ والعالميّةِ لتعبّرَ بعفويّةٍ شابّةٍ عن الغضبِ والاحتجاجِ على الوضعِ القائمِ.

إنها مفارقة تستدعي التأمّل، أن تكونَ ثوراتُ الشبابِ العربيِّ هي المحرّض والمثال لمن يتحركون الآن ضدّ النظامِ الماليِّ العالميّ القائم. وهو النظامُ نفسه الذي استعمرَ القارات، ومنها منطقتنا العربيّة التي قسّمها، وأعطى فلسطين للصهاينة، وشرَّد أهلها، ودعمَ ولا يزالُ السياسات الإسرائيليّة الاستيطانية، ويستولي على الثرواتِ العربيّةِ بوسائلَ وممارساتٍ جهنّميّة.

“أنقذوا البنوك… وباعونا” أحد شعارات المتظاهرين، فحركة “احتلوا وول ستريت” تعبيرٌ عن الغضبِ مما يسمّونهُ جرائم الشركات الكبرى عموماً، وما كشفته الأزمةُ الماليّةُ لعام 2008 وما بعدها. فقد صُرفتْ مئاتُ الملياراتِ من الأموالِ العامّةِ لتعويمِ المصارف التي أساءتِ التصرّف، على أملٍ أن يساعدَ ذلك في تحريكِ عجلة الإقتصاد  وإعادةِ الأمورَ إلى مجراها، فإذا بالمصارف تحتفظُ بالأموالِ، وتواصلُ مكافأة مديريها على سوءِ سلوكهم، وتنضمُّ إلى حملةِ المهاجمين للرئيسِ اوباما لثنيه عن زيادةِ الضرائبِ على الأغنياءِ. في الوقتِ الذي يرزحُ فيه “دافعو الضرائب” تحت أعباءِ الفقرِ والبطالةِ وانسداد الآفاقِ بغدٍ أفضل.

في هذا السياقِ يعتبرُ كتّابٌ مؤيدون للحركةِ، إن التفاوتَ الفاضحَ هو ميزة النظامِ الإقتصادي المرتبكِ حاليّا، والذي يهيمنُ عليه القطاعُ الماليُّ. ويزيدون بأنَّ أرباحَ الشركاتِ هي الأعلى منذُ 1950، في حينَ أنَّ مستوى أجورِ العمّالِ هي الأدنى منذُ ذلك التاريخ. “نحنُ الـ 99 في المئة” يقولون، لأنهم افتقدوا القيادة السياسيّة التي تعبّرُ عن مصالحهم وتدافع عنها. إنها حركةٌ مستقلّةٌ عن الحزبين الجمهوري والديمقراطي وتتجاوزهما لتعبّرَ عن الطبقاتِ المتوسطةِ والفقيرة، وتطالبُ بعدالةٍ اقتصاديةٍ حقيقيةٍ.

المطالب الرئيسية التي تردُ في أدبيات المؤيدين لحركةِ OWS تتعلّقُ أولاً بإنهاءِ شخصنة الشركات END CORPORATE PERSONHOOD، أيْ إنهاء العملِ باجتهادٍ أصدرته المحكمةُ العليا عام 1886 اعتبرتْ فيه الشركات أشخاصاً مدنيين. بما أتاحَ لها ضخّ الأموال في الحملات الإنتخابية دون حدود، وبالتالي السيطرة على الحياةِ السياسيةِ الأميركية دون وازع. وقد عبّرَ المرشحُ الجمهوريُّ ميت رومني عن هذا الواقع بقوله اخيراً ” الشركاتُ هي أشخاصٌ يا صديقي” CORPORATIONS ARE PEOPLE : MY FREIND.

الموضوع الثاني هو التعرّض لمصرفِ الإحتياط الفيديرالي FEDERAL RESERVE BANK الذي هو بالحقيقةِ مؤسسة خاصة، فلا هو بالفدرالي ولا هو مؤتمن على أيّ احتياط. وقد تأسّسَ بموجبِ مرسومٍ وقّعهُ الرئيسُ وودرو ولسن عام 1913 بعد أن أقرّه الكونغرس في ظروفٍ مشبوهةٍ أثناءَ إجازةِ عيدِ الميلادِ في تلك السنة. وتعبّرُ كتاباتٌ مواكبةٌ للحركةِ عن اعتقادها بأنه كان وراء كلِّ أزمةٍ ماليةٍ في أميركا منذ تأسيسه وأنه يمصُّ دماءَ الأميركيين عبر الديونِ التي يسهّلها . ويستعيدُ الكتابُ الليبراليون واليساريون سياساتِ وأقوالِ الرؤساءِ الأميركيين (خاصة جاكسون ولينكولن) الذين قاوموا BANKULA خلال القرن التاسع عشر، واعتبروا أصحابه من مبدلي الأموال MONEY CHANGERS ومن أشدِّ أعداءِ الدولةِ والمصلحة العامة.

العنوان الثالث الذي تتعرّضُ له الكتاباتُ الثوريةُ هو المغامرات العسكريةُ الأميركيةُ في العالمِ، والتي تبتلعُ الكثيرَ من الأموالِ دون رقابةٍ أو حساب. فالشبابُ لا يريدون الانتشار العسكريَّ الأميركيَّ في العالمِ أن يستمرَّ. وينادون بإنهاءِ الحروبِ العبثيّةِ في أفغانستان والعراق وغيرهما. إنهم يؤمنون بالأخوةِ العالميّةِ، وبأنَّ الإمبرياليةَ هي نظامٌ لاستغلالهم واستغلالِ سواهم من الشعوب.

بالنسبة لنا كعرب، فإنَّ هذا الخطابَ الجديدَ يعني الكثيرَ، ويعدُ بتغييرِ المشهدِ السياسيِّ العالميِّ مستقبلاً. فحين يدقّقُ هؤلاءُ الشبابِ في سياسةِ بلادهم الخارجيةِ، وفي خياراتها الاستراتيجيةِ منذ قرنٍ من الزمانِ، على الأقل، وحين يتعرّضون لعلاقةِ أميركا بمنطقتنا، فإنهم سيفتحون عيونهم وعيون مجتمعهم على الكثير من الحقائق المذهلة التي حجبتْ عن الأميركيِّ العاديِّ خدمةً للمصلحةِ الإسرائيليةِ وسياساتها العدوانيةِ، على حسابِ المصالحِ الوطنيةِ للأمةِ الأميركيةِ. وقد بدأت الأصواتُ ترتفعُ بأنَّ الولايات المتحدةِ، في الضائقةِ الإقتصاديةِ التي تعانيها، لن تستطيعَ متابعة تقديم ستة مليارات دولار سنوياً لإسرائيل، ولا يمكنها متابعة سياسةٍ تكثرُ من أعدائها في مناطق واسعةٍ من العالمِ، وبما يهدّدُ مصالحها الاستراتيجية بشكلٍ مباشر.

من هذا المنطلق، فإنَّ على الثوراتِ العربيةِ الناشئةِ أن تأخذَ في الإعتبارِ انها غدتْ جزءاً مهماً من ثورةٍ عالميةٍ آخذةٍ بالتفتّحِ، وسينتجُ عنها الكثير من التغيّرات في المشهدِ العالميِّ، بما يضيفُ إلى أهدافها المحليةِ في تحقيق العدالةِ والديموقراطيةِ أهدافاً أوسعَ للانفتاحِ على العالمِ وللتضامنِ في صنعِ مستقبلٍ إنسانيٍّ يلبّي حاجات الأكثريةِ الساحقةِ من البشريةِ في حياةٍ كريمةٍ، تعيدُ الإنسانَ من اغترابٍ فرضتهُ ايديولوجيّاتٍ متناقضةِ أثبتتْ قصورها.

المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى