صفحات الحوار

جلبير الأشقر : لا مناص من المرور عبر تجربة الإسلاميين في السلطة

 

    يتناول جلبير الأشقر الانتفاضات العربية في المقابلة التالية التي نشرتها صحيفة لوموند الفرنسية بتاريخ 23 فبراير الماضي بمناسبة صدور كتابه الجديد: الشعب يريد. بحث جذري في الانتفاضة العربية (دار الساقي، بيروت، 2013). ***

    يُعد جلبير الأشقر، الأستاذ بمعهد الدراسات الشرقية و الأفريقية بلندن، أحد أكفأ محللي العالم العربي المعاصر. ولد في العام 1951، و غادر لبنان في العام 1983. ودرّس تباعا في جامعة باريس الثامنة، ثم بمركز مارك بلوخ في برلين. لم يحل التزامه اليساري و المؤيد للفلسطينيين دون موقف نقدي صارم من الديكتاتوريات القومية العربية.

    كيف يمكن توصيف ما يجري بالعالم العربي منذ العام 2011؟

    اخترت عنوانا لكتابي كلمة ” انتفاضة” المحايدة. لكني أتحدث، بدءا من مقدمته، عن سيرورة ثورية طويلة الأمد. جلي منذ البدء أننا لم نكن سوى في بداية انفجار. الأمر الوحيد الممكن التنبؤ به هو أن السيرورة ستكون مديدة.

    قدم إيمانويل تود تفسيرا ديمغرافيا للظاهرة. فيما تميل أنت أكثر إلى تفسير ماركسي.

    إن المرحلة التي تميز العالم العربي خلالها بنمو ديمغرافي بالغ السرعة انتهت منذ زهاء عشرين سنة. لقد انطلقت من حالة الأوضاع عشية الانفجار، أي من العام 2010. يلاحظ انحباس للتنمية مغاير لما في بقية العالم، بما فيه أفريقيا جنوب الصحراء. و الأمر الأكثر إثارة في التعبير عن هذا الانحباس هو نسبة بطالة قياسية، لا سيما بين الشباب. ثم نجد في المنطقة نمطية خاصة من الرأسمالية، فكل الدول ريعية بدرجات متباينة. و تتمثل الخاصية الثانية في الطبيعة الميراثية حيث تتملك الزمرة المسيطرة جهاز الدولة لدرجة توريثه.

    نتجت عن الثورات العربية لبرلة سياسية و ليس تغيرات اجتماعية. ما السبب؟

    لم يسقط في تونس ومصر سوى رأس هرم السلطة، أي الحكام المستبدون وحاشيتهم القريبة. هذا فضلا عن أن “الدولة العميقة” في كلا البلدين، أي الإدارة و أجهزة الأمن، لم يطرأ عليها أي تغيير. لحد الآن، وحدها الثورة الليبية أفضت إلى تغيير جذري حيث لم يبق ثمة اليوم دولة و لا جيش. الانقلاب الاجتماعي كان الأكثر حدة، لأن الفضاء الخاص، الذي كان ضيقا بالأصل، كان تحت سيطرة أسرة القذافي.

    انذهل الغرب لفوز الاسلاميين بالانتخابات فيما لم يكن لهم دور في إطلاق تلك الثورات…

    كانت انتظارات الغرب، و رومانسية “الربيع” و ” الياسمين ” تلك، وكل هذا القاموس الاستشراقي، قائمة على نقص دراية بحقيقة الوضع.كان جليا أن الاصوليين سيستفيدون من الوضع لانهم فرضوا أنفسهم منذ نهاية سنوات 1970 قوةً مهيمنة في حركة الاحتجاج الشعبي. و شغلوا فراغ الساحة الناتج عن إفلاس القومية العربية. زد على ذلك أن الخوف من الاصوليين كان السبب الرئيس لمساندة الحكومات الغربية للأنظمة العربية المستبدة. لذا فالاعتقاد في أن هذا كله سيزول فجأة كان مجرد إسقاط رغبات على الواقع.

    ومع الدعم المالي الخليجي و المساندة من قناة الجزيرة، لم يكن بالوسع توقع غير فوز انتخابي للاصوليين. والمثير أن ذلك الفوز لم يكن ساحقا. ففي مصر شهدنا السرعة التي تفتت بها التصويت لصالحهم، من الانتخابات التشريعية إلى الاستفتاء الدستوري، مرورا بانتخابات الرئاسة. و في تونس حققت حركة النهضة نسبة 40% من نصف المسجلين بالقوائم الانتخابية فقط. و في ليبيا مني الإخوان المسلمون المحليون بهزيمة.

    هل يفاجئكم ما يلقاه الإسلاميون حاليا من مصاعب؟

    أولا، يجب القول إن العودة إلى الأنظمة المستبدة غير وارد. و لا مناص من من المرور عبر تجربة الإسلاميين في السلطة. فقد بنت الحركات الاصولية نفسها كقوى معارضة بشعار تبسيطي، شعار “الإسلام هو الحل”. وهو شعار أجوف كليا، لكنه كان مؤثرا في سياق من البؤس و الظلم حيث أمكن بيع هذا الوهم. الإسلاميون هم مهرّبون لأفيون الشعب. و بات الأمر متعذرا لحظة وصولهم إلى السلطة. فهم عاجزون عن حل مشاكل الناس. لقد امسكوا زمام الأمور في ظروف لا يحسدون عليها، و لا برنامج اقتصادي متميز لديهم.

    هل يمكن الثقة بهم لتنظيم انتخابات قد تسقطهم من السلطة؟

    إنها الحجة التقليدية: تجري انتخابات حرة، ولكن لمرة واحدة وأخيرة. لكنهم لم يصلوا إلى السلطة من موقع قوة. فقد تعلم الشعب أن “يريد”، و أن ينزل إلى الشارع. لم يسبق قط في تاريخ مصر أن عومل رئيس بقدر من الازدراء كالذي يناله مرسي اليوم من شعبه…

    هل يمكن نقل النموذج التركي في العالم العربي؟

    لا، فليس من يحكم تركيا من طينة حركة الإخوان المسلمين، بل انشقاقا تحديثيا متوافقا مع العلمانية . حزب العدالة و التنمية التركي هو المرادف الإسلامي للديمقراطية المسيحية الأوروبية. و حركة الإخوان المسلمين غير ذلك. إنها حركة أصولية تنادي بفرض الشريعة، و تعتبر كلمة العلمانية شتيمة. و حتى على الصعيد الاقتصادي تختلف كليا عن حزب العدالة والتنمية، فهذا الاخير يمثّل رأسمالية صناعيين صغار، فيما تشارك حركة الإخوان المسلمين في اقتصاد ريع قائم على تحقيق الربح في الأمد القصير.

    هل بوسعكم توصيف تأثير قطر على هذه الثورات؟

    هذا لغز. إذ لدى بعض القادة هواية جمع السيارات أو قطع السلاح، فيما يتسلّى أمير قطر بالسياسة الخارجية. وقد تولى رعاية جماعة الإخوان المسلمين كما يشتري آخرون فريق كرة قدم. و كان لشخص دور أساسي في هذا التحالف الجديد، الذي يعيد إلى الأذهان تحالف محمد بن عبد الوهاب مع سلالة آل سعود في القرن الثامن عشر. هذا الشخص هو الشيخ القرضاوي، الزعيم الروحي للإخوان المسلمين والمقيم بقطر منذ أمد طويل، حيث وُضعت قناة الجزيرة تحت تصرفه. و يجري هذا كله ببلد حيث لا يسمح الأمير بأي معارضة.

    ما تفسيرك لمجاملة الولايات المتحدة الأمريكية لحركة الإخوان المسلمين؟

    بدأ هذا في ظل إدارة بوش. فبنظر المحافظين الجدد، أنتج الاستبداد القومي الإرهاب، لذا وجبت إطاحة الحكام المستبدين مثل صدام حسين بقصد نشر الديمقراطية. و قد سعت كوندليزا رايس إلى العودة إلى تحالف سنوات 1950-1960 مع جماعة الإخوان المسلمين. لكن فوز حركة حماس بالانتخابات الفلسطينية أوقف العملية. وكان لإدارة أوباما، التي ورثت وضعا كارثيا في الشرق الاوسط، موقف متردد و حذر. و لما انفجرت الاوضاع، اختارت التظاهر بمسايرة الحركة. إن هاجس واشنطن في المنطقة هو الاستقرار و البترول. ويؤدي هذا الهاجس إلى البحث عن حلفاء ذوي قاعدة شعبية.

    لماذا أمكن تدخل حلف الشمال الأطلسي في ليبيا و تعذر في سوريا؟

    يوجد في سوريا خطر فوضى على الطريقة الليبية، لكن في محيط إقليمي أشد خطرا بكثير. و هناك أيضا دعم روسيا وإيران. قال حلف الشمال الأطلسي، منذ البداية، إنه لا يريد التدخل. وليس السؤال :” لماذا لا يتدخل الغرب في سوريا؟”، بل “لماذا يحول الغرب دون إرسال إمدادات السلاح إلى المتمردين؟”. إن السبب الجوهري هو الخوف من الحركة الشعبية في سوريا. و النتيجة هي تعفن الوضع. سينتهي النظام السوري الى السقوط، لكن بأي ثمن؟ كم هو مذهل قصر نظر الحكومات الغربية، إذ بحجة تفادي الأخطاء المرتكبة بالعراق، أي تفكيك جهاز الدولة البعثي، تراها تتسبب بأسوأ من ذلك. السوريون مقتنعون اليوم أن الغرب يترك بلدهم يدمّر نفسه عن قصد بهدف حماية إسرائيل.

    يعتبر اليسار المناهض للامبريالية هذه الثورات مؤامرة أمريكية.

    إن مساندة قوى امبريالية بدافع انتهازي لهذه الانتفاضات الشعبية لا تبرر دعم أنظمة ديكتاتورية. ونظرية المؤامرة الأمريكية سخيفة. يكفي النظر إلى ارتباك واشنطن. من البداهة أن تعقب الفوضى أربعين سنة من الأنظمة التوتاليتارية. وعلى غرار جون لوك، أفضل الفوضى على الاستبداد، لأن الفوضى تتيح لي الاختيار.

    قابله كريستوف اياد

    تعريب : المناضل-ة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى