صفحات الثقافة

جولات لغوية على ظهر الحرب السورية/ بتول كربجها

تكتوي لغة السوريين بنيران السياسة، ويمشون بخطين متوازيين، فإن ارتفع موج السياسة هاجت لغة ناطقيها، وإن خمد بحر السياسة كان الصمت سيد الكلام، وفي خضم الأحداث السورية تتلون اللغة والكلمات بألوان الشطرنج السوري الذي استبدل بياضه وسواده بالاخضرار والاحمرار، فكان لكل فريق لغة خاصة استمدت من لغة الآخر وأثرت عليها في الوقت عينه.

في الشارع السوري، تنبض اللغة اضطراباً، وتتماهى مع مقاصد التجارب، لتسجل في الوقت الراهن منعطفاً لغوياً محشواً بعبارات الاندساس والتشبيح والمناطقية الدالة على التوجه السياسي «فشبيحة للأبد لأجل عيونك يا أسد» قابلها في الجهة الأخرى «حرية للأبد بدنا ياها يا أسد»، إضافة إلى نحت الصفات من التنظيمات التي خلقت من رحم الأزمة كالـ«دواعشية» والأصولية والتكفيرية والأسلمية، والتوحدية والطائفية والـ«جبهة نصراوية».

ولأن اللغة إيقاع، ومن عزف على أوتارها لا يمكن أن يخونه رهانه، بات لكل فريق جمل ترن في رأس من يسمعها، «بدكن حرية؟» سؤالٌ تحول بأنغامه الحقيقية إلى إشارة مميزة تتردد على ألسنة الطرف المحابي لهذه الايديولوجيا، وبنفس القدر يرددها من يرفضها إدانةً لمعناها (ما أنتم فيه من عذاب هو بسبب مطالبتكم بالحرية)، إلا أن إيقاع كلمة «تكبير… الله أكبر» كان أشد وطأة، ويصاحبه إدانة عكسية حجته (هل تذبحون ذبيحة وتكبرون عليها؟)، كلماتٌ وجملٌ يرددها السوريون في حياتهم اليومية، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي بنوع من السخرية.

حناجرهم صاحت لغة

في البداية، وبكلمات باتت متداولة لدى السوريين، نادت المعارضة بـ«بس بدنا حرية»، وبشعارهم الأبرز «الشعب السوري ما بينذل لا بدرعا ولا بالتل»، هتافات عبرت عن مطالب من ينادي بها، فالحرية ورفض الذل والكرامة ترجمت إلى صيحات بلهجة سورية شعبية، إلا أن التمسك برئيس الدولة كان مقصد هتافات الطرف الآخر، «نحن رجالك بشار»، «منحبك»، «بالروح بالدم نفديك»، إشارة صريحة لرفض التخلي عن شخص الرئيس والتضحية في سبيل ذلك بكل ما يملكون، يكفي أن يشعروا لتصادق الهتافات على أحاسيسهم.

وتشهد شوارع سوريا على حربٍ ضروس تلاشت فيها صيغ التفاهم، فجدران مدنها دفتر ذكريات أبنائها، خطت عليها عبارات رفض وفوقها عبارات تأييد للمرفوض، ففوق عبارة «قائدنا للأبد سيدنا محمد» نسخت عبارة «الله للعبادة وبشار للقيادة»، ومقابل «حامينك» هناك من كتب «جايينك»، فوضى ايديولوجية أفرغت على جدران الوطن.

وقد تنسج بعض الكلمات من روح الأزمة وتستنشق عبق سلبياتها فيكون لها دلالات لا يفهمها سوى من عاصر الحرب وعاش تفاصيلها، «أنا إنسان ماني حيوان» أشهر ما تردد خلال 3 سنوات من الأزمة، مطالبة برد الكرامة، «خلصت» بلهجة أكيدة دلالة على قمع الفوضى التي لم «تخلص»، إضافة إلى الإشارات والعبارات والرموز التي بدأ السوريون باستخدامها، فكلمات «يا حبيب، يا غالي، ضيعة» ومقابلها «يا حاج، السلام عليكم، بلد»، لم تكن تشير لدى السوريين الى المودة بين الأطراف، بل هي رسالة سياسية طائفية واضحة تشير إلى متبعي ومؤيدي أحد الطرفين، شيفرا لا يمكن أن يفك معانيها إلا السوريون أنفسهم أو من عاصر حياتهم.

وقد أكد هذا النوع من اللغة المستحدثة جوزيف كورتس في كتابه «سيميائية اللغة»، حيث أشار إلى جميع ضوابط التواصل التي تأتي على شكل علامات أيقونية والعلامات الإشاريّة والإيمائيّة، كما أنّه لا يستثني الشعور أو الأحاسيس الإنسانية التي حتّى وإن تعذّر نقلها في كلمات فهي تبقى متعلّقة باللغة وبالوصف السيميائي.

دائرية المسار

وإذا ما انتقلنا إلى شعارات السوريين نجد أنها دائرية المسار، تعود إلى ما منها بدأ، وتتداخل مع ما بها اتصل، فمن بئر شعارات النظام «الوحدة والحرية والاشتراكية» انطلقت أولى مطالب المعارضة بالحرية، فكانت الحرب السورية، على وجه الخصوص، حرب لغة بامتياز، من شعارات السلطة الحاملة للايديولوجيا الطوباوية القوية، انطلق شعار «الشعب يريد» بنيرانية موسيقية، فقابله بنرجسية عالية شعار «الشعب يريد ترباية من جديد».

ولم تكن لغة كل طرف بمعزل عن التأثر بنفسها حسب متطلبات كل مرحلة فمن شعار «الأسد أو نحرق البلد» الذي ختم على حوائط المدن بأول مراحل الحرب؛ استنبط شعار «مع الأسد منعمر البلد» والذي ولد بعد سنتين من مرور الأزمة كإشارة للرغبة في السلام، مفردات عملت على توليد لغة مقابلة من شأنها تحدّيها والعزم على إسقاطها، وكما أن لغة النظام أسهمت في تشكيل لغة ثائرة عليها، فإن لغة المعارضة أسهمت أيضاً في تشكيل لغة نظام متأثِّرة بها، فتطايرت قدرات اللغة بحيث أصبحت الكلمة تُنتِج وتَستَهلِك.

وكانت الحرب الأخيرة التي شهدتها سوريا تربةً خصبةً للفنون الغنائية، فمن درعا انطلقت «يا حيف… متنا بإيد إخوتنا»، عنصر المفاجأة كان حاسماً باقتتال أبناء الوطن الواحد، ولأن مكانه لا يمكن أن يشغله أحد كفؤ مثله انطلقت أغنية «يا بشار… متلك مين» لتصدح في أرجاء البلاد وتدوي مع كل مسيرة، ولأن اللغة تسربت من غربال الأزمة السورية، لم تقتصر أنغامها على أغاني الأزمة ذاتها، بل تعدت إلى أغاني الحب والهيام، «رش عليي كيماوي» و«الطلقة الروسية» كلمات أزموية استمدت للغزل بالحبيب، ولهذا معنى كبير يدل على تسرب مفردات الأزمة إلى اللاوعي السوري بحيث أصبحت الكلمات التي من المفترض أن تكون مأساوية كالأسلحة الروسية والكيماوية تستخدم للحظات الفرح والتعبـير عن المشاعر.

شباك إعلامية أدبية

كما لم تترك اللغة بعيداً عن صفقات النصر والهزيمة، فمن فوق قبور السوررين عقدت «الجنيفية» بأقسامها وبات «ما يسمى» شعار الإعلام؛ فـ«ما يسمى بالمعارضة» و«ما يسمى بالحكم» صبغت لغة الإعلام، وبات لكل طرف مسميات عدة، فالمعارضة أو الثوار أو الجماعات الإرهابية المسلحة تدل على نفس الطرف حسب السياسة التحريرية، كل ذلك غزل تيهاً إعلامياً ينفذ سياسة الأطراف، وتحت سياسة إعلامه ولدت مواقف الشعب من هذا وذاك، وكان الشعب السوري خير معبر عن توجهه من هذا الإعلام، «الإعلام السوري كاذب»، «يا جزيرة يا حقيرة»، رددت في حناجر منجزي التظاهرات والمسيرات.

وكانت الأزمة السورية منهلاً لصوغ العديد من الأفكار التي جاءت شعراً ونثراً وقصةً ومسرحاً وروايةً على يد المفكرين والأدباء، ولا تقل أهمية كل كلمة سواء كانت شعراً أو نثراً أو قصة أو رواية أو مقالةً أو لقاء إعلامياً، عن بندقية وربما عن مدفع أو دبابة، والدلالة على ذلك أن الإعلاميين والمفكرين والمبدعين كانوا أهدافاً خلال هذه الحرب وقدم الكثير منهم أرواحهم ثمناً لكلمةٍ أو موقف أو مقال.

إن الحديث عن الأدب في ظل الأزمة السورية الحالية هو حديث عن العلاقة بين الأدب والسياسة عموماً، وبالتالي فإن الأدب عكس بلغته الحرب الدائرة في سوريا واستعان بلغة الشارع والسياسي والمعارض والمؤيد، فكل أديب نطق بلسان أحدهم وطوّع لغته لخدمته.

بين هذا وذاك فإن اللغة التي لم يخترق شباكها العثماني خلال أربعمئة عام، ولم يستطع كذلك نظيره الفرنسي، فإنه على ما يبدو استطاعت أن تتأثر بنفسها، وتبلور شكلاً جديداً لها بفعل أزمة عصفت بكل قطاعات البلد، ولم تكن لغة شعبها استثناء من ذلك.

(صحافية من سوريا)

السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى