صفحات العالم

حزب الله: أيّة وساطة؟

 

حـازم صـاغيـّة

حين أشار البعض، صدقاً أو كذباً، إلى دور لحزب الله في حادثة عرسال، نفى الحزب تلك الإشارة وندّد بمطلقيها. وحين اتّهمت الحكومة البلغاريّة الحزب بقتل السيّاح الإسرائيليّين في بلغاريا، أنكر الحزب وتحدّث عن ضغوط وإملاءات أميركيّة وإسرائيليّة يخضع لها البلغار. وكلّما ذكر أحد أنّ حزب الله يساهم في القتال الدائر في سوريّا، ردّ الحزب غاضباً على ما اعتبره افتراء بحتاً.

الحزب لا يفعل شيئاً إذاً. إنّه يقاوم فحسب.

لكنّ ما يفوق الخيال غرابةً أنّ هذا الحزب الذي لا يفعل شيئاً، تتحرّك الحياة السياسيّة على إيقاع وجوده وحركته. فهل هو يحرّك من دون أن يتحرّك، بحسب وصف لله سبق لأرسطو أن بيّن بطلانه، إذ كلّ من يحرّك لا بدّ أن يتحرّك.

تقول الوقائع إنّ حزب الله يفعل الكثير، وآخر ما يفعله، بحسب تحقيق نشرته “ناو”، أنّه “يحوّل لبنان مقراً لإدارة “صراعات” اليمن”. وهذا إذا عطفناه على أدوار لم تعد سرّاً تمتدّ من غزّة غرباً إلى البحرين شرقاً، فاجأنا بصورة عن لبنان بوصفه موقعاً خدميّاً وترانزيتيّاً لنوع من الأنشطة الثوريّة في الجوار. ونحن في هذه الصورة نتعرّف على الموقع التقليديّ الوسيط للبنان، إلاّ أنّ الوساطة الجديدة ليست اقتصاديّة أو ماليّة، بل أمنيّة أساساً. وفي تلك الوساطة الجديدة لا يعود الدور المركزيّ للمطار والمرفأ استيراد السلع والخدمات وتصديرها، كما تكتسب المصارف والشركات أدواراً ووظائف ليست معهودة فيها.

ثمّ إنّ الفارق الآخر بين الوساطة القديمة والوساطة الجديدة أنّ الأولى لا تعرّض البلد لاحتمالات التهلكة العسكريّة، فيما الثانية تضعه في قلب العاصفة، وفي قلب أيّة عاصفة، بعيدةً كانت أو قريبة. لكنّ ما يعنينا، هنا، هو الفرق الثالث بين نوعي الوساطة: ذاك أنّ القديمة صريحة معلنة تتمّ تحت الشمس وتُرصد بالأرقام والمعطيات.

غير أنّ الثانية سرّيّة ومبهمة يهيمن عليها التكتّم والتخفّي. وهذا ما وجد تتويجه مؤخّراً في حادثة اغتيال ليست بعيدة عن بيئة حزب الله.

فقد قُتل، قبل أيّام، على طريق “عودته” من دمشق شخص ربّما كان اسمه حسام نوربخش (أو خوش نويس)، وربّما كان اسمه حسن شاطري، وهو ربّما كان مسؤولاً عن ملفّ إعادة الإعمار في لبنان، يدرس “إعادة تعمير حلب”!، وربّما كان ضابطاً سابقاً في “الحرس الثوريّ” الإيرانيّ.

ولا شكّ أنّ حوادث كهذه تضاعف جهلنا، كمجتمع وكرأي عام، بالقضايا الكبرى التي تحيط بنا، وتحملنا على أن نردّد بامتثال وخشوع: “الله أعلم”. أليس هذا نصراً آخر يتحقّق لحزب دينيّ؟

“الجمهورية” البيروتية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى