صفحات العالم

حكومة المالكي.. “وكيل آمن” لواشنطن أم لطهران؟

 

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

أعلنت الولايات المتحدة الأميركية نيّتها بيع العراق أسلحة بقيمة مليار دولار أميركي. وتتضمّن الصفقة طائرات مقاتلة حديثة، وطائرات تجسّس من دون طيّار، وصواريخ جوّ-أرض، إضافةً إلى مئتي عربة “هامفي” مصفّحة، مزوّدة بأسلحة آلية رشاشة، ومعدّات عسكرية أخرى. وبحسب ما جاء في بيان وكالة التعاون والأمن الدفاعي، التابعة لوزارة الدفاع (البنتاغون)، فإنّ “الصفقة المقترحة ستعزّز من قدرة القوات العراقية في الاعتماد على نفسها، ضمن جهودها الرامية إلى تحقيق الاستقرار في العراق، ومنع امتداد الاضطرابات إلى الدول المجاورة”. وكان العراق وقّع، أواخر العام الماضي، عقدًا لشراء 36 طائرة أميركية مقاتلة من طراز إف-16، من المتوقّع أن يتسلّمها في خريف العام الحالي.

تدلّ الموافقة الأميركية على هذه الصفقات، من ناحية، على تقدّم أولوية محاربة “الإرهاب” على ما عداها في مقاربة إدارة أوباما المسألة العراقية، بحيث لا تتمكّن القاعدة والمنظمات المرتبطة بها، وتحديدًا تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش)، من إعادة تنظيم صفوفها، وتشكيل تهديد لمصالح أميركا الحيوية، وأمن حلفائها في المنطقة. ومن ناحيةٍ أخرى، تعبّر عن تخوّفها من انتقال الفوضى في العراق وسورية إلى الدول الأخرى المحيطة. غير أنّ للمالكي أهدافًا أخرى؛ فهو يستخدم الأسلحة الأميركية في تعزيز مواقعه على الساحة السياسية العراقية، بما يكفل بقاءَه في السلطة لولايةٍ ثالثة، مع استمرار تهميش منافسيه وخصومه السياسيين. وثمّة من يحذّر، أيضًا، من أنّ المالكي وحكومته خاضعان للنفوذ الإيراني، وعليه، فإنّ تعزيز مواقعه يعني تعزيز النفوذ الإيراني، وتقويته في نهاية المطاف. لكن، وعلى الرغم من هذه الانتقادات من الداخل الأميركي، وخارجه، تستمرّ إدارة أوباما في دعم حكومة المالكي، بل شخص المالكي نفسه؛ فعنده تلتقي المصالح الأميركية والإيرانية، كما يبدو.

” في ظلّ عدم وجود قوّة عسكرية معتبرة للولايات المتحدة في العراق اليوم، لا تستطيع إدارة أوباما أن تؤثّر كثيرًا بشأن تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، بعد صدور نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وحصل فيها ائتلاف دولة القانون، برئاسة المالكي، على أكبر عددٍ من المقاعد بين الكتل والأحزاب الفائزة”

إدارة بوش: المالكي ووهم “الوكيل الآمن”

أُقرّ الدستور العراقي في 15 أكتوبر/ تشرين الأول 2005. وبعد شهرين، جرت أوّل انتخابات برلمانية عراقية، فاز فيها “الائتلاف العراقي الموحّد”، الممثّل للأحزاب الدينية الشيعية، وعلى رأسها “المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق”، و”حزب الدعوة الإسلامية”، وتيّار رجل الدين الشيعي، مقتدى الصدر. وعلى الرغم من فوز “الائتلاف” بأغلبية المقاعد، فهو لم يحصل على الأغلبية المطلقة لتشكيل الحكومة منفردًا؛ فكان لا بدّ من الدخول في تحالفاتٍ مع القوائم الأخرى، الممثّلة للأكراد والعرب السنّة. وقد حاول رئيس الوزراء حينها، إبراهيم الجعفري، وهو زعيم “حزب الدعوة” أيضًا، تشكيل حكومة ائتلافية، غير أنّ الأحزاب الكردية والسنّية رفضت تشكيل حكومة تحت قيادته، كما تحفّظ على ذلك عددٌ من مكوّنات التحالف الشيعي نفسه. واستمرّ الخلاف بين كلّ الأطراف، إلى أن وقع الاختيار على نوري المالكي، القيادي في “حزب الدعوة”، مرشّحًا لرئاسة الوزراء خلفًا للجعفري. وهو ما أقرّه البرلمان في مايو/ أيار 2006.

في ذلك الوقت، كان العراق الواقع تحت الاحتلال الأميركي، غارقًا في حالةٍ من الفوضى؛ فمن جهةٍ، تبلورت مقاومة المحتلّ خيارًا رئيسًا لقوى عراقية رافضة الاحتلال، وكلّ ما ترتّب عليه من نتائج. ومن جهةٍ أخرى، كان الصراع الطائفي يتفاقم، وبلغ ذروته بعد تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء. لذلك، مارست سلطات الاحتلال الأميركي ضغوطًا شديدة على كلّ المكوّنات السياسية العراقية المتصارعة، للوصول إلى تسوية، تنبثق منها حكومة تتمتّع بشرعية برلمانية؛ فكان اختيار المالكي (وهو أيضًا من حزب الدعوة الذي غالبًا ما يلقب بالإخوان المسلمين الشيعة)، ليترأس هذه الحكومة. كما قامت إيران بدورٍ مهمّ في جمع كلمة الائتلاف الشيعي حول المالكي. وبعد اختياره، بدأت إدارة الرئيس جورج بوش الابن الباحثة عن حلولٍ لورطتها في العراق، تعتمد على المالكي “وكيلًا آمنًا” لنفوذها في ذلك البلد، فمنحته دعمها المباشر، كي يتمكّن من حكم العراق. لكن، بمرور الوقت، أثبت المالكي أنّه طائفي سياسي مثل حزبه، وأقرب إلى إيران منه إلى القيام بدور رئيس وزراء كلّ العراقيين.

توتّرت العلاقة بين المالكي وإدارة بوش مراتٍ عديدة، بسبب مماطلة الأوّل في الانفتاح على العرب السنّة والأكراد، وسعيه غير مرة، أواخر عام 2006 ومنتصف عام 2007، إلى عرقلة قيام القوّات الأميركية بحملات عسكرية على ميليشيا جيش المهدي، التابع للزعيم الشيعي مقتدى الصدر. كما كانت الولايات المتحدة تريد من حكومته وقف سياسة “تطهير” أجهزة الدولة من موظّفيها البعثيين السابقين من حقبة الرئيس الراحل، صدّام حسين، فضلًا عن إقرار قانون لتوزيعٍ عادل للثروة البترولية في العراق.

تفاقم التوتّر بين حكومة المالكي وإدارة بوش الباحثة عن صيغةٍ للسيطرة على فوضى العراق التي انفجرت في وجهها؛ وذلك عندما أعرب المالكي في شهر يوليو/ تموز 2007 عن امتعاضه من خطة القائد السابق للقوّات الأميركية في العراق، الجنرال ديفيد بتريوس، تسليح مقاتلين من العشائر السنّية (الصحوات)، للمشاركة في القتال ضدّ التنظيمات المرتبطة بـ “القاعدة”. هذا في وقت أرسلت فيه إدارة بوش ثلاثين ألف جندي أميركي إضافي إلى ذلك البلد. واستمرّ مسار التوتّر المتصاعد بين الطرفين، خصوصًا مع وقوع أزمة سياسية في البرلمان في أغسطس/ آب 2007، بسبب أسلوب المالكي المتفرّد في الحكم، ورفضه إدماج العرب السنّة الذين يشعرون بالتهميش في دوائر صنع القرار.

” تتقدّم أولوية محاربة “الإرهاب” على ما عداها في مقاربة إدارة أوباما المسألة العراقية، بحيث لا تتمكّن القاعدة والمنظمات المرتبطة بها، وتحديدًا (داعش)من إعادة تنظيم صفوفها، وتشكيل تهديد لمصالح أميركا الحيوية، وأمن حلفائها في المنطقة. غير أنّ للمالكي أهدافًا أخرى من صفقات الأسلحة الأميركية، فيستخدمها في تعزيز مواقعه على الساحة السياسية العراقية، بما يكفل بقاءَه في السلطة لولايةٍ ثالثة، مع استمرار تهميش منافسيه وخصومه السياسيين”

 

كانت إدارة بوش، حينها، ترى أنّ التعاون مع مقاتلي “الصحوات” حقّق نتائجَ كبيرة على الأرض في محافظة الأنبار، معقل المقاومة العراقية، وهو ما كان يتطلّب، بحسب المقاربة الأميركية، تقدّمًا في المسار السياسي، لتجفيف منابع الغضب السنّي، غير أنّ المالكي الذي كان يشعر بتحسّن وضع تحالفه الشيعي، بعد إضعاف المقاتلين السنّة عام 2007، لم يبْد مهتمًّا بموقف إدارة بوش التي بدأت تعاني ضعفًا بسبب سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي النوّاب والشيوخ، أواخر عام 2006، بفعل الاستياء الشعبي من حرب العراق، وتزامن ذلك مع بدء عوارض تدهور الاقتصاد الأميركي. استفاد المالكي من إدارة بوش، ثمّ أدار لها ظهره حين ضعفت، ولم يستغلّ ضعفها لتوحيد العراق، بل لتعزيز الطائفية السياسية التي يمثّل، ولتقوية نفوذ إيران.

الحرب على “الإرهاب” تجمع أوباما والمالكي

مثّلت الورطة الأميركية في العراق تحت قيادة الجمهوريين، إضافةً إلى ركود الاقتصاد الأميركي، الرافعة التي جاءت بباراك أوباما إلى سدّة الرئاسة الأميركية، عقب الانتخابات التي جرت أواخر عام 2008؛ فأوباما كان قد قدّم وعودًا حازمة بأنّه سيسحب القوّات الأميركية من العراق، في أواخر عام 2011. ولتحقيق ذلك، دعمت إدارته بقاء المالكي في موقع رئاسة الوزراء، بعد انتخابات مارس/ آذار 2010، على الرغم من أنّ النتائج أسفرت عن تقدّم القائمة العراقية، برئاسة رئيس الوزراء الأسبق، إياد علاوي، على ائتلاف دولة القانون، برئاسة المالكي. وبرّرت إدارة أوباما ذلك بأنّه لم يكن في وسع علاوي تشكيل حكومة أغلبية، في اعترافٍ ضمني بنفوذ إيران في العراق الذي لم يعد ممكنًا تجاهله.

وعلى الرغم من إصراره على الجدول الزمني للانسحاب من العراق، حاول أوباما أن يبقي على قوّة دعمٍ وإسناد أميركية صغيرة الحجم فيه، وفاوضت إدارته حكومة المالكي على ذلك. إلا أنّ الأخير أصرّ على رفض إعطاء حصانة لتلك القوّات من الملاحقة أمام المحاكم العراقية. ولم يكن ذلك سوى الحجّة التي استخدمها المالكي، لتحقيق هدف إيران بإجلاء الأميركيين عن العراق، حتى يتسنّى لها الانفراد بالسيطرة عليه. وهو ما تحقّق عندما قرّر الأميركيون، في النهاية، سحب قوّاتهم كلّها.

حاولت إدارة أوباما إقناع المالكي بحاجته إلى شراكة أمنيّة وعسكرية واستراتيجية مع الولايات المتحدة، غير أنّ المالكي الذي كان مستندًا إلى الدعم الإيراني الكامل، لم يأبه للدعوات الأميركية تلك. وما كاد آخر جندي أميركي ينسحب من العراق في ديسمبر/ كانون الأول 2011، حتى كان المالكي يصدر مذكّرة اعتقال بحقّ نائب الرئيس العراقي، طارق الهاشمي. ومنذ ذلك الحين، والمالكي يتبع سياسات تمييزية وتهميشية ضدّ المواطنين العراقيين من العرب السنّة، ويقوّي قبضته على السلطة في العراق؛ ما أثار، أيضًا، امتعاض حلفائه الآخرين من الشيعة، وشركائه في مؤسسات الحكم من الأكراد.

وتصاعدت سياسات المالكي التسلطية، باستهدافه وزير ماليته السابق، رافع العيساوي، واعتقال عشرات من مساعديه وحرّاسه الشخصيين في ديسمبر/ كانون الأول 2012، الأمر الذي أثار حنق العرب السنّة، خصوصًا في إقليم الأنبار، الغاضبين، أصلًا، من مساعي المالكي الحثيثة لتهميشهم، ومن اعتقال قوّاته النساء وتعذيب المعتقلين والمعتقلات في السجون. ودخلت مدن الأنبار في إضراب عامّ، متمردةً على قمع حكومة المالكي منذ ذلك الحين.

عند تمرّد الأنبار فقط، شعر المالكي بحاجته إلى الدعم السياسي والعسكري الأميركي؛ فقام بتوظيف مخاوف الولايات المتحدة من “داعش”، والذي كان نفوذه يتزايد في سورية الغارقة في فوضى الصراع بين ثورتها ونظام الأسد. في المقابل، وجد أوباما في دعم المالكي خيارًا أفضلَ من إعادة وضع قوّاتٍ أميركية على الأرض العراقية لمحاربة “داعش”، وهو الذي يباهي بانسحابه من ذلك البلد. كما أنّ في دعمه المالكي عسكريًّا وسياسيًّا، إضعافًا لحجّة خصومه من الجمهوريين بأنّ خروجه المتعجّل من العراق، من دون إبقاء قوّات أميركية على الأرض، هو ما سمح للتنظيمات “المتطرّفة” بالنموّ مجدّدًا في العراق، كما أفسح في المجال للمالكي لإقامة دكتاتورية جديدة في الحكم، وتهميش خصومه، خصوصًا من العرب السنّة.

وأثبت المالكي، مرةً أخرى، أنّه لا يعير المبادئ حتّى التفاتة؛ فحين يلزم، يعمل على التوسّل إلى الولايات المتحدة بأن تتحالف معه وتسلّحه. وحين يأخذ ما يريد، يعود إلى مواقف طائفية سياسية متعنّتة.

لقد طلبت إدارة أوباما من المالكي، مقابل منحه دعمها، الانفتاح على خصومه السياسيين. وفي مقابل وعود لفظية بشأن الكفّ عن تهميش العرب السنّة، وافقت واشنطن خلال زيارة المالكي إليها مطلع نوفمبر/ تشرين الأول 2013، على بيع العراق كميات كبيرة من الأسلحة المتطوّرة، بحجّة محاربة “الإرهاب”، وعدم السماح بانتقال الفوضى في العراق إلى الدول المجاورة له، ومن سورية إليه.

على الرغم من أنّ المالكي لم يكن خيار الولايات المتحدة المفضّل لقيادة العراق، خصوصًا في ظلّ شكوك تدور حول ارتباطاته، إن لم يكن ارتهانه لإيران، فلقد اضطرّت إدارتا بوش وأوباما إلى أن تتعاملا معه كأمر واقع، جرّاء أخطائهما الكارثية في أثناء احتلال العراق؛ فتقسيم البلد طائفيًّا، وحلّ مؤسسات الدولة والجيش والأمن، أحدثا فراغًا سلطويًّا أسقط الدولة، وسمحا لإيران، وحلفائها الداخليين، بملء الفراغ تحت أسماع الأميركيين وأبصارهم.

وفي ظلّ عدم وجود قوّة عسكرية معتبرة للولايات المتحدة في العراق اليوم، لا تستطيع إدارة أوباما أن تؤثّر كثيرًا بشأن تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، بعد صدور نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة، والتي حصل فيها ائتلاف دولة القانون، برئاسة المالكي، على أكبر عددٍ من المقاعد بين الكتل والأحزاب الفائزة، ولكن، من دون أن يحرز أغلبيةً تمكّنه من تشكيل الحكومة منفردًا. أضف إلى ذلك، أنّ إدارة أوباما تبدو مهتمّة بموضوع محاربة الإرهاب، أكثر من اهتمامها بقضية حصول القوى السياسية المختلفة على تمثيلٍ عادل في الحكومة الجديدة. ولذلك، قد تجد نفسها مستمرّة في دعم المالكي الذي يؤدّي لها هذه الوظيفة، أو على الأقلّ، يزعم أنّه يؤدّيها، لا سيّما أنّ رئيس الوزراء المنتهية ولايته يظلّ، حتى الآن، خيار إيران المفضّل في حكم العراق.

العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى