دمشق مدينة الملاجئ والملاهي/ علي مور ه لي

سطل ماء بارد اندلق ، على جسم أم مروان النحيل . حتى أن وهج سيخ اللحم إنطفأ . ومعه شمس أيلول عند الظهيرة . حين أجابها البيّاع عن سعر الصندويشة ؛ ثلاثميّة وخمسين .
قد لفّها الأجير للتو، فحلّت قضاءً لا يردّ . و الطابور خلفها امتد . لا مجال للسجال الآن ، ولا فائدة ترجى منه . الحر شديد ، و الشهوة لها اليد الطولى . أعطته ثلاثمئة وخمسين فناولها الصندويشة في كيس . لتلتقطها منه وتنصرف .
ظلّت أم مروان مذهولة . سُمعت تهمهم وحدها ؛ ثلاثمئة وخمسين ورقة ؟! والله غير معقول !
لم تتخيّل يوماً أن تدفع ربع معاشها التقاعدي عن زوجها المتوفى ثمناً لصندويشة شاورما . يقال أن لحم الغنم يستعاض عنه بابن آوى . والخيار بات يزرع بين القبور . فالغوطة احترقت و بساتينها صارت كمائن . أما الخبز ، فينهب طحينه من قوافل الإغاثة . ويشوى رغيفه على صفيح المجنزرات .
في الطريق إلى البيت ، عليها أن تقطع الشارع الرئيسي الذي يشطر مشروع دمّر إلى نصفين . ستعبر من سوق ‘السابعة’ نحو الضفّة الأخرى . الأمر صار هيّناً . فالسرافيس التي كانت في ما مضى تتسابق كالأسود تصيد الركاب على طول الخط . تتقاطر اليوم ضمن شريط لا ينتهي . بعد أن نصب جيش النظام حاجزه الشهير ، عند مفرق الإسكان العسكري .
تعيش منيرة وحيدة . منذ أن التجأ ابنها مروان إلى السويد . كان قد اعتقل في بداية الثورة ، إثر تصويره لمظاهرة في كفرسوسة . غُيّب لستة أشهر في قبو للأمن العسكري في (القصور) . لما أُطلق ما تبقّى منه ، سارعت الأم لبيع حصتها في دكان و الدها . اشترت لإبنها جواز سفر شبيه . طار به إلى أرض بعيدة .
مشروع دمّر حكايته حكاية . وإسمه يوحي بالمسمى في معنى الشروع و التدمير . من فكرة ضاحية نموذجيّة ، إلى أمثولة النهب و الفساد . من حلم سكن للنقابات ، إلى محميّات لصغار الأغنياء . لمشروع دمر هيئة من بعيد على شكل مقبرة . بطابقيّاته المتداعية ، وأبراجه الكئيبة كالشواهد . لم يتخلّ المشروع عن إسمه يوماً . البلد انهارت ، و أرضه المهترأة مانهارت بعد . صار البلد مشروع بلدان ، والمشروع مازال مشروعاً . هو الآن ، مدعو للإنضمام لباقي المشاريع ، في داريا وحرستا وجوبر ، لإعمار الدمار ، و طمر المجازر .
في المشروع ، وعلى أنقاض مشروع آخر لم يكتمل ، أي ، مدينة الفيحاء الرياضية (الثانية) ، أقام التجار حديثاً مدينة ‘الأب تاون’ ؛ مجمع ترفيهي . يضم ألعاباً ، مطاعماً ، ونوادي . ‘الأب تاون’ . تعني ، البلد الفوقى ، أما التحتى فرمادٌ من إنتاج الجزيرة . ‘الأب تاون’ : ( تو كيب يو أب ) ، ترفع معنوّياتك يا سوري . وتنسيك أن ثلث بلدك قد سوّي بالأرض . وخسر إقتصاده ثلاثة عقود من التنمية . وأنه بات لكل عائلة ، أخرى تعيش في ملجأ ، تفترش الحصى . وحين يجوع أطفالها ، تأكله . ‘أب تاون’ مدينة ألعاب بكلفة ست مليارات ليرة . إنها مدينة للملاهي في ملجأ كبير.
إن يحلّ المساء ، و تُقطع الكهرباء . تبدأ أم مروان طقسها الليلي . في شرفة منزلها ، لا يعكّر صفو مزاجها سوى تلك الشاورما ، الباطلة والمحّولة . في ظلمة المشروع . تجلس لتتفرّج على مدينة الملاهي وهي تتلألأ ككنوز الملك سليمان . قد حصلت ‘الأب تاون’ على استثناء من أمير الظلام يمدّها بالضوء . لدورها الرائد في إرساء الوهم . وتوفير فرصة اللجوء من واقع أسود .
في عتمة التقنين تجلس في الشرفة وحيدة . تدخن سيجارة ، تتأمل الأنوار البعيدة . تسمع أصوات الدبكات والأغاني تحاكي دوي مدفعية تدكّ ‘المعضمية’ . ترى الناس يركنون سياراتهم في عرض الطريق . والأطفال تحشر في الملاعب ، تسمع صراخهم وبكاؤهم . في الظلام تبتسم منيرة . تحلم بمروان قد عاد ، وصار عنده أولاد . يأخذها مشوار هي والأحفاد إلى البلد الفوقى . تتوهّج ‘الأب تاون’ كفوّهة بركان ، آن الأوان لينفجر .
خاص – صفحات سورية –