صفحات العالم

دول الخليج والانهيارات في الجوار الإقليمي/ ظافر محمد العجمي

 

 

 

ملخص

تُعتبر الاتفاقية الأمنية الخليجية مغلَّفةً بالمعنى “البوليسي” المحلي للكلمة، كما أنّ اتفاقية الدفاع الخليجي المشترك تتضمن من الرمزية الكثير، حيث أراد لها البعض أن تكون “قوات درع الجزيرة” نفسها بعد أن سلبتها روحها الاتفاقيات الأمنية المنفردة التي وقّعتها دول المجلس مع القوى العظمى كل على حدة.

ولا شك أن الإرهاب من القضايا الدولية العابرة للحدود، وقد لا يكون تهديد تنظيم الدولة الإسلامية لدول الخليج أكثر مباشرةً منه للعراق وسوريا ولبنان والأردن، لكن خطورة هذا التنظيم على دول الخليج تكمن في أمور عدة ستاتي الورقة على ذكرها وتحليلها.

يعي صانع القرار الأمني في الخليج أننا نعيش مع “الدولة الإسلامية” في مرحلة “إرهاب ما بعد القاعدة”؛ ولكن هل يعي أيضًا أنها مرحلة تحتاج إلى إجراءات “ما بعد الرئيس أوباما” المتردد، والذي حرص على جعل العملية العسكرية طويلة الأمد عبر تقسيمها لمراحل “التصدي” لتنظيم الدولة الإسلامية و”إضعافه”، وفي نهاية المطاف “دحره” عبر احتواء التنظيم ومنع تمدده بدل إنجاز العملية والقضاء عليه بخطوة واحدة ؟

لقد أكدت الولايات المتحدة الأميركية في ختام الاجتماع الإقليمي الذي عُقد في جدة في 11 سبتمبر/أيلول 2014، العمل مع ائتلاف قاعدته العريضة من دول عربية ودول أوروبية لمحاربة تنظيم “الدولة الإسلامية”. فقد قررت واشنطن إعلان الحرب عليه رسميًا وسط تهليل دولي، فلا بواكي لتنظيم الدولة الإسلامية في مفارقة غريبة ومشهد معقد لحرب غريم الغريم؛ فدول الخليج وهي غريمة الأسد سيكون لها دور مركزي في محاربة هذا التنظيم، مقارنة بدورها إبان حرب بوش الإبن على الإرهاب والتي كان بعض دول الخليج فيها قرب خط الاتهام.

أخيرًا يؤكد الباحث على أنه من المهم في التحالفات العسكرية الكبرى أن تُختَم الأشياء بطريقة صحيحة بدل انسحابات عجولة، كتلك التي قام بها الرئيس أوباما في كل من العراق وأفغانستان.

مقدمة

خلافًا لما يتم تداوله في وسائل الإعلام الخليجية، يمكن الجزم بعدم وجود الجاهزية الأمنية الخليجية لغياب النظرية الأمنية الخليجية الواضحة، ذات المحاور المترابطة التي تشكّل كُلاً متكاملاً للاستجابة لأي انهيار مفاجئ في الجوار الإقليمي. فالاتفاقية الأمنية الخليجية مغلَّفة بالمعنى “البوليسي” المحلي للكلمة، واتفاقية الدفاع الخليجي المشترك فيها من الرمزية الكثير، حيث أراد لها البعض أن تكون “قوات درع الجزيرة” نفسها بعد أن سلبتها روحها الاتفاقيات الأمنية المنفردة التي وقّعتها دول المجلس مع القوى العظمى كل على حدة.

بل إن الانهيارات الحالية تبدو وقد وضعت دول الخليج بين فكي كماشة تنظيم الدولة الإسلامية في الشمال وجماعة الحوثي في الجنوب. فما مواقف دول الخليج من تطورات المشهد الأمني في المنطقة جرّاء تقدم وسيطرة داعش في شمالًا على أجزاء من العراق وسوريا؟ وما موقفها من القبضة الحوثية جنوبًا؟ وما دورها في بوادر تشكُّل حلف دولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية للقضاء على التنظيمات الإرهابية في المنطقة؟

لا شك أن الإرهاب من القضايا الدولية العابرة للحدود، وقد لا يكون تهديد تنظيم الدولة الإسلامية لدول الخليج أكثر مباشرة منه للعراق وسوريا ولبنان والأردن، لكن خطورة هذا التنظيم على دول الخليج تكمن في أمور عدة، منها:

تنظيم الدولة الإسلامية، منظمة شريرة ووحشية (1)، تحارب تحت بيرق الإسلام وليس لها صلة به. ورغم الارتباط الفكري والتنظيمي والمالي بين التنظيمات الإرهابية التي تدّعي الإسلام مرجعيةً لها في العالم؛ إلا أنَّ جملة من الوقائع تروّعنا؛ فوحشية هذا التنظيم في قتل أسراه وتعامله مع الأقليات يكاد أن يدفع تنظيم “بوكو حرام” خاطف الفتيات والنساء لأن يصدر بيانًا يدين فيه جرائم تنظيم الدولة الإسلامية البشعة، كما لن يكون أيمن الظواهري مغاليًا لو سماهم خوارج العصر، كما فعل غيره من السلفيين الخليجيين الذين اعتبروهم «متطرفين لا يجب التعاطف معهم» (2).

أن الخلاصات التي أفضت إليها الحروب السابقة في مخزن الذكريات الأليمة لرجال مكافحة الإرهاب في أفغانستان والشيشان والعراق رغم بُعدها تشير بوضوح إلى أنه سيكون هناك انجذاب ظاهر للمقاتلين الخليجيين لمعسكرات تنظيم الدولة الإسلامية، القريب منهم، بأعداد كبيرة، وسيعودون لدولهم لاحقًا ليشاركوا في التخطيط لهجمات ضدّ بلادهم نفسها؛ حتى أصبحت جدوى فتح بعض دول الخليج قنوات حوار مع طالبان والمنظمات التي تستوعب المجاهدين الخليجيين واحدة من أعمق الجدليات وأكثرها خلقًا للخلافات الخليجية.

يحتوي تهديد الإرهاب من تنظيم الدولة الإسلامية على كم هائل من العُقد، والمرجح أن يكون تهديد “الدولة الإسلامية” مستمرًّا ويستدعي استراتيجية طويلة الأمد لتحديد التهديدات والتصدّي لها؛ مما يعني حالة الاستعداد الطويلة وإرهاق الميزانيات والمعدات والرجال، فالإمكانيات الواضحة لـ”الدولة الإسلامية” ومواردها وطموحاتها واستراتيجيات البقاء لديها تشير كألف شاهد لخطرٍ صلاحيتُه طويلة الأمد.

أن أي ضغط على “الدولة الإسلامية” في ميادين القتال هو رش ماء في وجه الخلايا الإرهابية النائمة في الخليج من مؤيدي هذا التنظيم المتطرف لتنفيذ هجمات استباقية (3)؛ وهذا ما جعل بريطانيا وأستراليا ترفعان درجة الخطر، فيما انحرف الحديث في الخليج بشكل مؤسف عن مساره حول الاستعدادات الأمنية، وتحول عبر وسائل الإعلام إلى جدل عقيم حول شرعية الحديث عن تلك الإجراءات وإن كانت سرية أم أنه يجوز البوح بها (4).

مواقف دول الخليج من تطورات المشهد الإقليمي

يعي صانع القرار الأمني الخليجي أننا نعيش مع “الدولة الإسلامية” في مرحلة “إرهاب ما بعد القاعدة”؛ فهل يعي أيضًا أنها مرحلة تحتاج إلى إجراءات “ما بعد أوباما” المتردد، والذي حرص على جعل العملية العسكرية طويلة الأمد عبر تقسيمها لمراحل “التصدي” لتنظيم الدولة الإسلامية و”إضعافه”، وفي نهاية المطاف “دحره” عبر احتواء التنظيم ومنع تمدده بدل إنجاز العملية والقضاء عليه بخطوة واحدة؛ فألهانا بغارات جوية مكلفة يدمر فيها صاروخ مافريك “Maverick”، وقيمته 90 ألف دولار، شاحنة تويوتا لتنظيم الدولة الإسلامية عليها رشاش لا تتعدى قيمته المادية 15 ألف دولار ولا تتعدى قيمته العملياتية سوى نصب نقطة سيطرة وتفتيش؛ فضاع بمثل هذه الطلعة الجوية وقت ثمين لحين اقتناع رئيس أقوى قوة في العالم بالاستراتيجية الكاملة التي قد يتشكل التحالف ويتفكك قبل أن يقوم أوباما من خلالها بشيء ملموس على الأرض؟ وهل يعي صانع القرار الخليجي أن الانقياد لواشنطن المترددة يعني عودة العلاقات الخليجية-الإيرانية لمرحلة الاصطفافات في معسكرات متنافرة، بعد انفراج بسيط منذ زوال النجادية ودخول إيران في مرحلة الروحانية المهادنة؛ فقد تم رسميًا رفض حضور إيران للمؤتمر الدولي حول العراق الذي عٌد في الخامس عشر من سبتمبر/ أيلول في باريس ومحاربة تنظيم الدولة افسلامية باعتبار أن مشاركة طهران لن تكون في محلها بسبب تورطها في وحل الحرب في سوريا.

وهي تهمة قد تكال لدول الخليج لعدم قدرة هذه الدول على فصل قضية مواجهة “الدولة الإسلامية” عن القضايا الأخرى التي تتبنى مواقف مختلفة تجاهها كصعوبة الفصل بين القوى السُنية المعارضة والتنظيم. وهذا الخلط يعطي مؤشرًا إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية سيبقى لوقت غير قصير مثل “طالبان” و”بوكو حرام” و”الشباب الصومالية” لوجود الحواضن السُنية تحديدًا، والكارهة لحكم بغداد ودمشق، وأيضًا لنجاحه في تأسيس ذهن شباب هذه الحواضن بالنجاحات التي يحققها عبر ثروة كبيرة وإعلام ذكي يروج لدولة إسلامية لها عملة ولوحات سيارات وتصرف رواتب سخية، كما تضم وحدات مقاتلة تُقدَّر قوتها العسكرية بعشرات الآلاف، وتحتل أراضي في حلب والرقة ودير الزور في سوريا وصولاً إلى محافظات صلاح الدين والأنبار ونينوى وديالى في العراق (5).

كما أن مما يصعب تسويغه استبعاد إيران وروسيا من التحالف الدولي؛ مما دفع الدولتين بالإضافة إلى سوريا للدعوة لإنشاء تحالف الممانعة (6) لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات الإرهابية الأخرى. وبناء عليه، اجتمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة «منظمة شنغهاي للتعاون» 12 سبتمبر/أيلول 2014 مع نظيره الإيراني حسن روحاني، وكان أن دعت المنظمة إلى تسوية الأزمة في سوريا سلميًا (7).

فك الكماشة الحوثي

لقد وضعت دول الخليج تنظيم “الدولة الإسلامية?” على لائحة ?الإرهاب?؛ فوضعها التنظيم على خرائطه السوداء وراح يتوعدها بالغزو؛ مما يعني أن دول الخليج لن تكون في مقاعد المشاهدين هذه المرة، بل ضمن من يلعب أدوارًا مهمة؛ مما يفرض على هذه الدول الحذر في موازنة المُدخلات مع المُخرجات، ولذلك يجب التسليم بأن مسألة توسيع المدى الاستراتيجي للخليج بالمشاركة في التصدي لتنظيم الدولة الإسلامية هو تأمين له على المستوى الأمني. ?????

ومن جانب، آخر كانت دول الخليج تأمل في الإفادة من “الدولة الإسلامية” بإضعاف ‏حكومات العراق? وسوريا?، وقد تحقق الشق الأول مما تنشده بسقوط المالكي ونهجه المتطرف القائم على ولاءات بدائية بانتظار أن تؤدي التحولات الحادة في منطقة الأزمة حول “الدولة الإسلامية” إلى سقوط نظام بشار الأسد؛ مما يعني فقدان طهران، وهي التحدي الأكبر للخليجيين، لذراعين من أشد أذرع الأخطبوط التوسعي الإيراني. لكن طهران برصيدها من الخبرة في تغيير الديناميات التي تحرك الصراع، استخدمت تحركات تنظيم “الدولة الإسلامية” شمال الخليج استخدامًا ذرائعيًا فأطلقت المارد الحوثي من عقاله في جنوب الخليج كأداة ضغط؛ فقضى على حزب اتحاد الرشاد السلفي في «دماج»؛ حيث مركز دار الحديث “رمز السلفية” في صعدة التي سيطر عليها الحوثي بحكم ذاتي تام، وأمسك الأمور الأمنية والعسكرية والإدارية والمالية كاملة.

ثم احتل الحوثيون عمران وفتكوا بحزب التجمع اليمني للإصلاح الذي يمثل الإخوان المسلمين، ثم دخلوا صنعاء لا كفاتحين بل كمطالبين بحقوق الشعب بعد قرارات رفع الدعم عن الوقود وفساد الحكومة وغيرها. ووصلت العبثية مداها بقيام الحوثيين بمغازلة دول الخليج بطلب السماح لهم بضربات مباغتة لحركة الإخوان المسلمين وتصفية بعض قيادتها في العاصمة صنعاء نفسها لأيام قليلة على أن ينسحبوا بعدها كما فعلوا بحزب التجمع في عمران. كما أنَّ إيران تستخدم الحوثيين بهدف الحفاظ على الهوية المذهبية لصعدة وما جاورها من أماكن سيطرة الحوثي لبناء حضور وجيرة ابتزازية للمملكة العربية السعودية، ولتوسيع نفوذ إيران الإقليمي عند مضيق باب المندب الاستراتيجي. واستهداف دول الخليج التي تمر تجارتها ومنتجاتها النفطية عبر هذا الطريق لقناة السويس.

لأجل ذلك كله أوعزت طهران للحوثيين بأن يُبدوا التعقيدات واحدًا تلو الآخر في مفاوضاتهم مع الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي من أجل كسب الوقت، ومنح طهران فرصة أكبر في التفاوض مع واشنطن حيال القضاء على تنظيم “الدولة الإسلامية” في دمشق وما حولها، وبغداد وما جاورها، مقابل انسحاب الحوثيين من صنعاء، حتى تعود قبضة طهران لمكانها هناك.

لقد دخل الحوثيون المنحازون لإيران بما تمثله لهم من سند مالي وعسكري وعقائدي العاصمة اليمنية صنعاء كجزء من الشعب اليمني الذي يقيم خيام الرفض في كل تقاطع، ولم يدخلوا بأسلحتهم الثقيلة أملاً في تخفيف ضغط مجلس الأمن عليهم، وخوفًا من أن يتطور البيان الأممي إلى قرار، ويتحول القرار إلى خطوات عسكرية، أقلها تفويض حلف الناتو بضربات وقائية يدعم بها ضربات سلاح الجو اليمني لهم في الجوف.

والسيناريو القادم في تقدير الباحث هو خروج الحوثيين من صنعاء وتركها في يد الرئيس اليمني، الذي يعمل وفق منهجية رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي في بغداد، حيث خرج هادي بعناية “المبادرة الوطنية” بديلاً “للمبادرة الخليجية” وقيودها الكثيرة؛ والتي تصبح بموجبها الوزارات السيادية (الداخلية والخارجية والدفاع والمالية) من حصة الرئيس الشخصية بحجة الصدام مع إرهاب الحوثيين، كما تعلّل المالكي بداعش قبل سقوطه. أما الحوثيون فسينقلون ميدان معركتهم بالتسرب بهدوء خارج العاصمة والاستدارة غربًا تجاه «حجة» ومن هناك يتم تحقيق الهدف الأكبر وهو الاستيلاء على «ميناء ميدي» على البحر الأحمر والذي لا يحرسه أحد، فيتحول لقاعدة بحرية حوثية تصل إليها الأسلحة والمتطوعون عبر خط الإمداد (طهران-مصوع-وجزر دهلك الإريترية–ميدي)؛ حيث لم ينقطع مسير رتل الإمدادات البحرية، وما زالت الأسلحة والمتطوعون الإيرانيون والخليجيون والعراقيون ينقلون من الميناء إلى مزارع محيطة به امتلكها الحوثيون على فترات لتكون نقاطًا لوجيستية الآن ونقاط انقضاض على الميناء لاحقًا.

تشكّل حلف دولي بقيادة واشنطن للقضاء على الإرهاب

لقد أكدت الولايات المتحدة الأميركية في ختام اجتماع إقليمي عُقد في جدة في 11 سبتمبر/أيلول 2014، العمل مع ائتلاف قاعدته العريضة من دول عربية ودول أوروبية لمحاربة تنظيم “الدولة الإسلامية”. فقد قررت واشنطن إعلان الحرب عليه رسميًا وسط تهليل دولي، فلا بواكي لتنظيم الدولة الإسلامية في مفارقة غريبة ومشهد معقد لحرب غريم الغريم؛ فدول الخليج وهي غريمة الأسد سيكون لها دور مركزي في محاربة هذا التنظيم، مقارنة بدورها إبان حرب بوش الإبن على الإرهاب والتي كان بعض دول الخليج فيها قرب خط الاتهام.

لذا يبدو أنَّ الأميركيين سيدفعون بالسعودية لتكون رأس حربة للتجمع الخليجي لحرب تنظيم الدولة الإسلامية، والمسوغ لذلك أن هذا التنظيم قد هدد في مايو/أيار 2014، بالتمدد إلى الدول الخليجية، ردًا على الإجراءات التي أقرتها بعض تلك الدول، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، لمكافحة الإرهاب. لكن الدخول في حرب معلنة ضد تنظيم الدولة الإسلامية مع هذا التحالف له محاذيره، ومن أبعاد القلق الخليجي من الحرب القادمة:

قد يتحدى تنظيم “الدولة الإسلامية” تنظيم “القاعدة” في مجال الهيمنة على الحركة الجهادية العالمية؛ فهل قرر الأميركيون أن يدمروا تنظيم “الدولة الإسلامية” وأن يُحيوا تنظيم «القاعدة»، الذي يعيش بعض أطرافه في حالة تراجع وفرار (8)، كعدو مفترض وغريم مهجّن، خصوصًا أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري قد تعهد في 9 سبتمبر/أيلول 2014 ببناء ائتلاف من 40 دولة، وسيستمر لسنوات طويلة (9)؛ مما يؤيد الدعوات التي صدرت من واشنطن حول ضرورة إصرار الرئيس الأميركي على أن يتحمل الحلفاء حصتهم من العبء.

يعتبر تنظيم “الدولة الإسلامية” أكثر تعقيدًا من تنظيم “القاعدة” من حيث الاستراتيجية التي يتبناها، ونوع التكتيكات القتالية التي يعتمدها، فضباطه من خريجي ميادين القتال ضد الأميركيين طوال عقدين، كما أن هذا التنظيم يعتبر من “إرهاب ما بعد القاعدة” الأكثر تطورًا من الفلاحين الملتحين الأفغان والسلفيين البسطاء من جزيرة العرب. فإذا كان جورج بوش (الإبن)، قد احتل أفغانستان كلها وأرسل خيرة القوات الأميركية إليها؛ ومع ذلك فإن “القاعدة” لم تنته وأصبحت حركة “طالبان” أقوى؛ فكيف بتنظيم الدولة الإسلامية التي تُتعتبر من قوات الصفوة في القتال في المناطق الحضرية!

بنهاية الحرب الباردة قبل أكثر من عقدين من الزمن أصبح حلف شمال الأطلسي مكلفًا بحماية مصالح منتسبيه بدل الدفاع عنهم ضد الفيلق السوفيتي في حلف وارسو. ومع اقتراب الحلف من إنهاء مهمته القتالية في أفغانستان، كان عليه أن يتخذ وجهة قتالية جديدة؛ فهل تتجاوز مواجهة تنظيم “الدولة الإسلامية” ردود الفعل الآنية للحلف، وترتقي إلى مستوى الاستراتيجية، خصوصًا بعد فشل الحلف في صد روسيا عن التهام شبه جزيرة القرم من أوكرانيا؟ يؤيد ذلك تكليف نفس الجنود مع تغير المكان بتعيين القائد السابق للقوات الأميركية في أفغانستان الجنرال جون آلن منسّقًا للتحالف الدَوْلي (10) ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”. فهل ستصبح الأنبار أفغانستان أخرى؟

تعتقد واشنطن أن الحرب يمكن الترويج لها بوصفها منتجًا جديدًا، مع تجاوز صارخ لمعطيات ساطعة على الأرض تجعل المشتري مترددًا في بيع روحه لتحقيق مصالح غربية دون ضمانات واضحة. فقد تعهدت واشنطن، عبر إعلانها الحرب على تنظيم “الدولة الإسلامية” مع ائتلاف يضم أكثر من 40 دولة، بينها دول الخليج، ويستمر لسنوات طويلة، بالقضاء على هذا التنظيم. لكن فقدان اليقين في آلية اتخاذ القرار عند أوباما بالإضافة إلى أن عدم امتلاك واشنطن لمشروعٍ حقيقي للمنطقة ينتهك بوحشية تفاؤل الخليجيين بمستقبل الحملة المزمع شنها على بعد خطوات من حدودهم.

ليس هذا فحسب بل إن دول الخليج نفسها لم تسْعَ للتنسيق فيما بينها لمواجهة تنظيم “الدولة الإسلامية” شمالًا أو الحوثي جنوبًا، واعتمدت بصورة رئيسية على إجراءات وطنية لتحصين نفسها داخليًا كاعتبار بعض الجماعات تنظيمات إرهابية، أو اعتمدت على خطوط تضعها واشنطن وتقود في النهاية إلى أن على كاهلها (كاهل دول الخليج) سيقع عبء توفير الأموال اللازمة للحرب والمشاركة في عمليات ستمتد لسنوات، وسيتجرع الخليجيون خلالها ليس فقط قتال غريم غريمهم بل وقتال تشكيلات خرج بعض منتسبيها من دول الخليج.

خاتمة

من المهم في التحالفات العسكرية الكبرى أن تُختَم الأشياء بطريقة صحيحة بدل انسحابات عجولة، كتلك التي قام بها الرئيس أوباما في كل من العراق وأفغانستان، حيث ترك النار تشتعل في المعسكر الذي خرج منه، رغم قدرة واشنطن على النهوض بتبعات ختم الأزمات الإقليمية بطريقة صحيحة. ولعلَّ أبرز إصلاحات ما بعد المعركة التدخل الجراحي لتعديل ضيق الأفق الفئوي في بغداد، وإنهاء وحشية نظام بشار الأسد في دمشق دون تردد، فاستمرار نظامه يعني توفّر ملاذ آمن للإرهابيين ثم مساعدتهم للتسرب إلى دول الخليج.

_____________________________

ظافر محمد العجمي – المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

 

المصادر

1- وزير الخارجية الأميركي جون كيري في مؤتمر صحفي بالقاهرة 13 سبتمبر/أيلول 2014.

2- الداعية السلفي الكويتي شافي العجمي، جريدة الحياة اللندنية، 15 مارس/آذار 2014.

3- (أبو العيناء الخراساني، مدير شبكة “شموخ الإسلام” الجهادية، يوجه دعوة لتنفيذ هجمات استباقية في 8 أغسطس/آب 2014)، المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية-القاهرة. http://tinyurl.com/nk99bp9

4- القبس الكويتية، 10 سبتمبر/أيلول 2014 http://www.alqabas.com.kw/node/894708

5- منى علمي، الدولة الإسلامية وكلفة الحكم .http://carnegieendowment.org/sada/2014/09/04/

6- قناة الميادين الموالية لإيران، 11 سبتمبر/أيلول 2014, 07:16ص http://tinyurl.com/oxcpdoo

7- وكالة الأنباء الكويتية، 12 سبتمبر/أيلول 2014.

8- Michael Singh.The Islamic State’s Triple Threat .

http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/the-islamic-states-triple-threat .September 5, 2014

9- http://www.dw.de/ 9\92014l

10- http://www.france24.com/ar/20140913

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى