صفحات الثقافة

رسائل حنّة وهيدغر.. هكذا يقع الفلاسفة في الحب/ أسامة فاروق

 

 

تمكنت الباحثة إلزبييتا إتنغر، العام 1995، من مطالعة الرسائل السرية المتبادلة بين مارتين هايدغر وحنة آرندت فيما كانت تكتب كتاباً عن الأخيرة. وقررت أن تنشر، في العام نفسه، كتاباً بالألمانية يحمل عنوان “حنة آرندت –مارتين هايدغر: قصة”. لكن الصورة التي رسمتها لهايدغر في الكتاب كانت سيئة للغاية، لدرجة إن ابنه هيرمان، الوريث الشرعي والمتصرف الوحيد في الإرث الفكري لوالده، قرر أن يضع هذه الرسائل في متناول الجمهور ليصحح تلك الصورة.

كان ظهور هذه الرسائل بمثابة إعادة اكتشاف للفيلسوف الشهير ولحنة آرندت أيضا. فالرسائل التي تتأرجح بين يوميات الحياة البسيطة التافهة وعويص الأسئلة الفلسفية تشبه طريقا سياراً يدور حول مدينة كبيرة، ولهذه المدينة مداخل عدة آهلة بالأفكار والعواطف -حسب وصف حميد لشهب الذى ترجم الرسائل وأعد دراسة وافية حولها. حاولت تخصصات فكرية وإبداعية كثيرة أخذ المخرج الذي يلائمها لسبر أغوار هذه المدينة، وظلت الفلسفة غريبة نوعا ما عنها، لم يتجرأ على دخولها حتى الآن، أي فيلسوف، إلا إذا استثنينا بعض الشذرات من هنا وهناك.. “لم يحاول أي فيلسوف بناء نسق فلسفي على الرمال المتموجة والسراب الحارق الوهاج والأهوج للحب كمطلب حياتي وجودي، وقد يكون هذا هو السبب الذي جعل المفكرين والفلاسفة يتحدثون عن الحب بحذر كبير، حتى وإن كان بعضهم قد عاش قصص حب كادت أن تذهب بعقولهم”.

من هنا تأتي أهمية الرسائل إذ تطرح سؤالا أساسيا هو: كيف يحب الفيلسوف؟ وكيف يؤثر الحب في ما يطرحه من أفكار؟

بحسب السيد ولد أبيه، في تقديمه لكتاب الرسائل الصادر عن “جداول”، فإن كل شيء يفرق بين الاسمين باستثناء عمق النظر والاشتغال بالفكر الفلسفي.

فهو الفيلسوف المجدد لسؤال الوجود، عاش عمره المديد في حوار متصل مع نصوص الميتافيزيقا الموغلة في التجريد، عازفاً عن السياسة، ناقماً على الثقافة وعلى العلم الحديث الذي نعته بأنه “لا يفكر”، اتهم بموالاة النازية والإسهام في تصفية اليهود من الوسط الثقافي الألماني، وما زال خطابه الشهير المعروف بخطاب عمادة فرايبورغ في 21 نيسان/أبريل 1933 مثيراً للجدل، بما حمله من نغمة متناغمة مع النزعة القومية الهتلرية.

وهي الفيلسوفة اليهودية، الهاربة من حرب الإبادة التي شنت على الجاليات اليهودية في أوروبا، لجأت إلى أميركا، واقتربت من الحركة الصهيونية، ودعمت نشأة الدولة الإسرائيلية قبل أن تنقم عليها وتتوقع أفولها بعد ذلك.

لكن حتى انقضاء سبعة عشر عاماً لم يكن حائلاً ضد هذا الحب الذي نشأ بعدما التقيا أول مرة العام 1924 وكانت طالبة عمرها 18 سنة، تجمع بين الجمال والذكاء، وكان عمره 35 سنة متزوج وله ولدان!

فى فبراير 1925 كتب لها رسالته الأولى والتي كانت بقدر تحفظها، حاسمة: “لا بد لي من مخاطبتكم اليوم والتحدث إلى قلبكم.. لا بد أن يكون كل شيء بيننا وببساطة واضحاً نقياً. لقد حصل لنا الشرف بالتعرف على بعضنا البعض، وأن تصبحي طالبة لي، وأن أصبح أستاذاً لكم ما هو إلا سبب لما حصل لنا”. فوقتها كان الفيلسوف الشاب يعدّ العدّة لإصدار عمله الرئيسي الذي اشتهر به كأحد أهم الفلاسفة المحدثين “كتاب الوجود والزمان”، وسُحرت الطالبة الشابة ببراعة بيانه، وعمق أسئلته مثلما بهر الكثير من طلابه وطالباته.

الحسم يأتي في الفقرة التي تليها مباشرة إذ يقول: “لن أستطيع امتلاككم أبدا، لكنك ستنتمين من الآن فصاعداً إلى حياتي وسينمو هذا الأمر فيكم”.

بعد عدة لقاءات علنية وسرية، هربت منه حنة بعد عامين من ماربورغ إلى هايدلبرغ، لكي تثير رغبته كما يشير المترجم، لكنها كانت ترجع إلى ماربورغ كلما طلب منها ذلك وناداها بالاسم المستعار الذي كان يطلقه عليها “حوريه الغابة”، وكأنها كانت منجذبة مغناطيسيا إليه، وهي التي كانت تلقبه بـ”قرصان البحر”. بعدها أرادت أن تثير غيرته أكثر، فأخبرته بأنها تنوي الزواج من أحد تلامذته (غونتر شتيرن) لكنه لم يحرك ساكناً، بل تمنى لها السعادة، وتم الزواج بالفعل، ومع ذلك استمرت العلاقة بينهما وتعقدت أكثر.

انقطعت العلاقة لمدة 17 عاماً تقريباً، وفي خريف 1949 عادت حنة إلى ألمانيا، وقررت مقابلته، وبعد حيل عديدة، نجحت فعلاً، لكن وقع ما لم يكن في الحسبان، إذ وجدت زوجته معه في اللقاء. يقول لشهب إنها كانت رغبة هيدغر نفسه “أن تترسم علاقته مع آرندت بموافقة زوجته”، ولم يكن اللقاء سهلاً ولا رومانسياً، بل متشنجاً للغاية: “يمكن للمرء أن يتصور حالة هيدغر أمام الآلهتين المتصارعتين على الإيروس، أقدم الآلهة الإغريق”.

وتصف أرندت اللقاء في رسالة لزوجها قالت فيها: “لقد كان هذا الصباح نقاش مع زوجته من جديد –وهي تعرف منذ 25 سنة بهذه القصة- وتجعل من حياته جحيماً. وقد أنكر –وهو أكبر الكذابين العنيدين- طيلة الـ25 سنة هذه- بأن هذا كان أكبر شغف في حياته. أعتقد بأنني ما دمت على قيد الحياة، فإن زوجته مصممه على إغراق كل اليهود. لا يمكن للمرء فعل أي شيء، إنها سخيفة سوداء”.

الكتاب يضم أيضا بعض الرسائل المتبادلة بين أرندت، وألفريدا زوجه هيدغر، وبالطبع يغلب عليها التحفظ والتأهب من الجانبين.

كانت زوجة هيدغر “متسلطة”، ومع ذلك، ورغم مغامراته الغرامية المتعددة، ورغم أنها وهي متزوجة به حملت بابنها الثاني هيرمان من صديق شبابها، فإن حباً عميقاً كان يجمعهما كما يقول لشهب.

ومن كتاب “روحي الحبيبة” الذي يتضمن رسائل هيدغر إلى زوجته، والتي نشرت أيضاً مؤخراً، نكتشف أنه كان مغامراً إيروتيكياً، فلم تكن له علاقة مع آرندت فقط، بل سبقتها طالبة شابه أخرى، وبعدها كانت هناك أخريات، وأدت هذه العلاقات المتعددة إلى أزمة حادة بين ألفريدا وهيدغر قررا على إثرها أن يعالج نفسه بمساعدة طبيب نفسي.

لا يمكن تصور ما قاسته ألفريدا من جراء هذا النشاط المتدفق لزوجها، لكن لماذا أصرت على البقاء معه والاكتفاء بالتذمر والغضب؟ يسأل لشهب. والإجابة ربما حملتها رسالتها له العام 1956: “إنني أعرف أفعالك، والشعلة التي أنت بحاجة إليها، لقد حاولت أن أسعدك.. لكن كون أنه من الضروري أن يكون كل ذلك على صلة بـ”الكذب” بل بالمعاملة السيئة غير الإنسانية لثقتي فيك، فإنني مليئة بالشك.. تقول دائما بأنك متعلق بي، أين هو التعلق؟ إنه ليس الحب، إنها ليست الثقة، تبحث في النساء الأخريات عن “الوطن” –آه يا مارتين- كيف هو حالي في هذه العزلة الجليدية”. لكنها لم ترسل له هذه الرسالة أبداً!

بعد الستينيات من القرن الماضي نكتشف وجهاً آخر لآرندت فى علاقتها بهيدغر، فقد أصبحت المنسقة لترجمات كتبه إلى الإنكليزية في الولايات المتحدة “بل ممثلة غير رسمية له في كل الأمور، والحبيبة المقدمة للنصيحة في أمور بيع مخطوطاته”.

يتساءل حميد: أي سر إذن يختبئ وراء استمرار العلاقة بين الاثنين على الرغم من كل هذه الاضطرابات والانقطاعات وخيبات الأمل؟ هل ساهم تصور آرندت للحب واهتمامها به في أطروحتها فى تعلقها به بعماء نفسي وروحي؟ أي شيء أحبت فيه وهو الذي يعتبر عند البعض كومة من خيبة الأمل والرسوب والعناد وعدم الثقة؟!

ويصل أخيراً إلى أن ما قد يهم الفيلسوف في هذه الرسائل لن يكون شيئاً آخر غير “مفهوم الحب” نفسه في بُعده الفلسفي المحض “إن الحب ليس دافعاً غريزياً وإيروتيكياً عندهما فقط، لكنه ذو تأثير بنيوي في تفكيرهما”..

المدن

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى