صفحات العالم

سوريا: التسليح و”شطرنج طلاس”


عبدالله بن بجاد العتيبي

في الصراعات الدولية هنالك دائماً حلول ما لهذه المشكلة أو تلك تخدم هذا الطرف أو ذاك، وهي إمّا أن تكون حلولاً ظاهرةً سهلةً يكفي الاتكاء عليها ودعمها أو تكون خفيةً صعبةً تحتاج لصناعةٍ ورعايةٍ، والكارثة السورية -لا الأزمة- واحدة من تلك الصراعات المعقدة دولياً وإقليمياً وداخلياً، وحلها يجب أن يصنع بكل العناية والرعاية.

يبدو النظام الدولي معاقاً تجاه أي تحركٍ مجدٍ تجاه سوريا في ظل التعنّت الروسي الصيني تجاه الأوضاع هناك، وتبدو الولايات المتحدة معاقةً عن اتخاذ مواقف متقدمة لوضعها الاقتصادي، ولحالة التنافس المعيقة القائمة بين الحزبين، ولأنّ إدارة أوباما المقبلة على انتخاباتٍ جديدةٍ مشغولة بالوفاء بوعدها السابق للناخب الأميركي بسحب الجيوش لا نشرها، وهو ما دفعها سابقاً للانسحاب من عمليات حلف الأطلسي بليبيا.حين يبدو المشهد الدولي معاقاً يتحتم أن يتجه التفكير السياسي أو التحليلي للبحث عن مخارج مختلفةٍ لكارثةٍ تتجلى فيها كل صراعات السياسة والتاريخ، وتتقاطع كل أدواء التخلف والأيديولوجيات من قديمة ومحدثة، وكلها تغلي في مرجل الواقع السوري الذي توقده جثث المجازر، وتحترق فيه دماء شعبٍ ينشد الخلاص ليتحول كل بخاره ونكهته لمغذٍ مستمرٍ للرفض السلمي والعسكري لنظامٍ دمويٍ طائفيٍ يجتاح كافة الرقعة السورية.

ما جرى في مجزرة التريمسة يؤكد أنّ الأسد يواصل عمليات التهجير القسري للمواطنين السوريين من سفوح جبال اللاذقية وتلك جريمة دولية، وأكثر من هذا فهو يقوم بذلك عبر القتل الطائفي الجماعي والمجازر المروّعة، ليضيف لسجله العنيف صفحات تقطر من دماء السوريين.

غير أنّ المشهد ليس بكل هذا الظلام، فالجيش الحرّ بات أقوى من ذي قبل، والانشقاقات تطوّرت لجهتين: الانشقاق الدبلوماسي والانشقاق العسكري ازداد كماً بانشقاقات جماعاتٍ من ضبّاط الجيش ونوعياً وصل للدائرة المقربة عسكرياً وشخصياً من بشار الأسد والتي عبّر عنها خروج مناف طلاس، وقد بدأ بعض الإعلاميين اللبنانيين الموالين للأسد بالتقافز من مركبه.

مناف طلاس هو العميد الركن قائد اللواء 105 بالحرس الجمهوري، وعلاقته ببشار الأسد تبع للعلاقة الطويلة والإخلاص العميق الذي ربط والده العماد مصطفى طلاس بحافظ الأسد، ومع خروج “مناف” أو انشقاقه كان أخوه الأكبر “فراس طلاس” يعبّر عن مواقف تحاول النأي بنفسها عن النظام، وهو تحدّث قبل أيامٍ للصحافة عن خمسةٍ وأربعين ضابطاً من عائلته انشقوا عن النظام، وعن دعمه الإغاثي لكتيبة الفاروق التابعة للجيش الحرّ والتي يقودها قريبه عبدالرزاق طلاس.

المصير الغامض لمناف طلاس، وطبيعة دوافعه للخروج من سوريا، وهل هي انشقاق أم خوف، والصمت المطبق لوالدهما مصطفى طلاس، ربما تشير هذه المعلومات مجتمعةً أنّ لدى عائلة طلاس السنية المنتمية للرستن بحمص ما تريده في المرحلة القادمة وهي عائلة لها نفوذها وتأثيرها داخل النظام وداخل سوريا، ولها كذلك علاقات سياسية ومالية مع كثيرٍ من الدول في المنطقة والعالم، إن تجاه النظام وإن تجاه المعارضة وإن عبر خلق طريقٍ ثالثٍ لم تتضح معالمه بعد.

وهو وضع يمكن تسميته “شطرنج طلاس”، حيث “ناهد عجة” ابنة مصطفى طلاس ونادي الشطرنج الذي أسسته عام 2001 بباريس ويضم نخبة فرنسية، وحيث يتحدث شقيقها فراس عن المطالبة بعصيانٍ مدنيٍ يشمل كافة الأراضي السورية، ويشبّه الصراع الإقليمي حول سوريا أنّه “لعبة شطرنج”.

من المحتمل أنّ العائلة تفتش عبر هذه المواقف وهذا الغموض عن مجرد النأي بنفسها عن نظامٍ يتهاوى، وهي ستكون علامةً بارزةً في تهاويه، ويحتمل أن تكون لعبةً للنظام ولكنها ليست إعلاميةً رخيصةً هذه المرة بل سياسيةً كبرى وخطيرة، ولا أحسب النظام سيقدم عليها مع ما تمنحه من دلالات التفكك ورمزية التقليد لضباط كبار وتجارٍ مؤثرين على موقفه الذي يريده متماسكاً، إلا إن كان قد استيقظ أخيراً وعلم بقرب نهايته فيحاول رسم مخارج يستخدم فيها بعض المخلصين.

مع كل الافتراضات والاحتمالات فإنّ هذه الأحداث مؤشر على اختلال نظام الأسد، وأنّ التفكك بدأ يدخل الدوائر التي كان حريصاً كل الحرص على حمايتها حيث الدبلوماسية الخارجية وحيث الأهم النواة الصلبة للقوات المسلحة.

لقد كان الشعب السوري محقاً حين أطلق على الجمعة الماضية “جمعة إسقاط عنان خادم الأسد وإيران”، فكوفي عنان بات بالفعل منحازاً لصف نظام الأسد وحلفائه إقليمياً ودولياً، وفشل خطة عنان بات أمراً ليس بحاجة لشرح، والجميع يعلم ذلك باستثناء عنان نفسه، وكم هو مخز لأمين عام سابق للأمم المتحدة ومندوب عربي أممي لسوريا أن يختم تاريخه الدبلوماسي -الذي لم يكن ناصعاً على كل حال- بمحاولة لإنقاذ مهمته الأخيرة بدافعٍ شخصي دون النظر للتطورات على الأرض التي توجب عليه أن يعلن فشل هذه المهمة بكل صراحة ووضوح وأن يشير بأصابع الاتهام الصريحة لقتلة الشعب السوري من روسيا لإيران لـ”حزب الله” لبشار الأسد، حتى يتسنّى له حفظ ما تبقّى له من تاريخ.

على الأرض يجب تصعيد دعم الجيش الحرّ بكل السبل الممكنة وعلى رأسها تسليحه، فذلك سيخلق حقائق جديدةً على الأرض، قادرة على صنع شيء ما في حلحلة المشهد الدولي وصراعات القوى تجاه سوريا، فالأسلحة النوعية للأفراد تمثل فرقاً كبيراً والعمليات النوعية، قد تكون بديلاً عن التدخل الدولي وإنْ إلى حينٍ، فبدلاً عن الحظر الجوي المتعثّر دولياً يمكن تخريب المطارات التي تقلع منها طائرات النظام كما طرح منذر الأسعد، وبدلاً عن فرض مناطق عازلةٍ يمكن نشر مضاداتٍ عمليةٍ للطائرات كصاروخ “ستنجر” الأميركي ما يفرض منطقةً عازلةٍ بقوة الجيش الحر، كما يمكن لمجموعات الضباط والجنود اللاجئين لتركيا التخطيط والتحضير لعمليات نوعيةٍ أكبر يعودون لتنفيذها في الداخل السوري.

يجب أن يتحالف أصدقاء سوريا فعلياً ضد روسيا، التي تبدو عائقاً أمام أي إجراء عمليٍ يقضي على نظام الأسد، وأن تتوزع الأدوار حسب الحكمة القديمة حيث العصا والجزرة فمن جهةٍ ضغوط سياسية واقتصادية وغيرها، ومن جهةٍ عقود تجارية وعسكرية كبرى تنسيه مكاسب الأسد الصغيرة مع تبديد المخاوف.

المجزرة التي جرت في التريمسة شنيعة بكل المقاييس، وللأسف فهي ليست الأولى ولن تكون الأخيرة ما لم يشعر النظام حقاً بتهديدٍ جديٍ يطال كل رؤوسه وقياداته.

الاتحاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى