صفحات العالم

سوريا: ثلاثة أشهر أخرى من الجحيم!


نقولا زيدان

ليس لأننا اتخذنا من المعارضة هواية لنا أو لأننا نعشق السباحة دوماً عكس التيار بل لشدة حرصنا العميق على الثورة السورية التي نجدها في اللحظة التاريخية الراهنة تجتاز مرحلة هي من الخطورة بمكان، نطرح تساؤلات مهمة مشوبة بالقلق والخوف حول ما يدور على الساحة السورية في ما يتعلق بتطبيق مبادرة “انان”، تلك المبادرة التي حظيت بإجماع دولي في مجلس الأمن والتي يجرى ترجمتها بـ300 مراقب دولي ينتشرون تباعاً في المناطق الثائرة أو الساخنة.

موقفان إثنان متباينان قد جرى اتخاذهما بصورة منفردة حيال البند المتعلق بوقف أعمال العنف أو إطلاق النار. فقد سارع المجلس الوطني والجيش السوري الى الدعوة الفورية لوقف إطلاق النار وكانا في ذلك يظهرا تجاوباً مع الإرادة الدولية، فاستبشر المراقبون السياسيون خيراً سرعان ما تبدّد لأن النظام يبدي موافقة كاذبة على المبادرة ولكنه يستمر بإطلاق النار، واللافت أنه ما أن صدر القرار الأخير لمجلس الأمن وفي الوقت الذي كان مندوبو الدول المعنية يمحضون هذه المبادرة الدعم المطلوب وفي جملتهم المندوب الروسي نفسه، انتهز “بشار الجعفري” مندوب سوريا الفرصة ليؤكد في كلمته أن حكومته مستمرة في مطاردة من أسماهم “المجموعات الارهابية المسلحة” ما يعني وهذا فعلاً وممارسة استمرار اطلاق النار من جانب واحد ذلك أن النظام في دمشق لا يعترف بوجود معارضة مسلحة، بل ما زال يحاول في مخاطبته المجتمع الدولي دق اسفين بين المعارضة السورية من جهة والجيش السوري الحر من جهة أخرى وصولاً الى الإشارة في غير مناسبة الى مجموعات مسلحة يضعها في خانة الارهاب والعنف التخريبي وكأنه يسعى لاستمالة مندوبي الدول الغربية عن طريق الإشارة المبطنة أنها مجموعات تابعة لتنظيم “القاعدة”، تلك المجموعات التي استطاع النظام الايراني التقاطها وتجميعها عنده ثم ارسالها الى العراق بعيد الغزو الأميركي عام 2003 وبالتحديد في منطقة الأنبار عبر مطار دمشق. وكان النظام السوري متعاوناً لأبعد الحدود مع وكالة الاستخبارات الأميركية في هذا المجال بعد حادثة مركز التجارة العالمي (11/9/2001) وحرب أفغانستان، لكن حرب العراق جمّدت هذا التعاون وبالمقابل قد أدخلت عناصر “القاعدة” أيضاً عندنا في حرب نهر البارد لزعزعة الوضع اللبناني غداة انسحاب قواته العسكرية مكرهة من أرضنا بعد انتفاضة 14 آذار والانذارات الأميركية الموجهة اليه آنذاك.

لا بل زعم “الجعفري” في كلمة ايضاً أنه تلقى للتو معلومات من حكومته حول اطلاق سراح معتقلين! نعم معتقلين دون الـ التعريف. من هم؟ كم عددهم؟ ومن أية معتقلات؟ وإلى اية جهة سلمهم؟ لا أحد يعلم عن ذلك شيئاً.

انه الناطق الرسمي باسم الدولة المارقة (letat- voyou) القادرة عبر وسائل اعلامها والادارات التي تمسك بها على التلاعب والكذب والخداع. بل أسوأ من ذلك أيضاً عندما أعقب وقف محدود هش لإطلاق النار حملات مداهمة واسعة النطاق في حمص وحماة ودوما وادلب ودرعا. لا بل بلغت القحة بنظام دمشق كل مبلغ عندما عاود قصف المدن المنتفضة وفي جملتها حمص حيث شاهدنا على وسائل الاعلام مراقبين دوليين يتيمين يسيران وسط الحشود ونيران الأبنية المحترقة تجلل منظرهم بالسواد.

لقد أدركنا في الحال في المؤتمر الهزيل لأصدقاء سوريا في باريس حيث حضر حصراً فقط 15 وزير خارجية أن مساعي الدول الكبرى ستنصب في مجلس الأمن على إصدار قرار فضفاض يحظى بموافقة روسية وبالإجماع بوجوب دعم مبادرة “انان” وزيادة عدد المراقين الدوليين الذين على ما نقله شهود عيان جرى نقل بعض آلياتهم ومعداتهم من جنوب لبنان. ويصل هؤلاء المراقبون الى دمشق بأعداد هزيلة فهم ليسوا في عجلة من أمرهم بتاتاً”.

لا بل عادت حصيلة القتلى جراء القصف من مختلف الأسلحة الى 80 قتيلاً يومياً بعد ان تراجعت الى ما دون العشرين وفي الحال يطرح سؤال ملح: ماذا سيكتب هؤلاء المراقبون عن مشاهداتهم الميدانية؟ ان النظام مستمر بإطلاق النار، كما جرى نقل الدبابات من شوارع الى شوارع خلفية أخرى، والمدفعية ما زالت تصب حممها من محيط المدن المنتفضة. فماذا تغيّر؟ لا شيء قد تغيّر!.

90 يوماً من الوقت الضائع والمراقبون الدوليون في سوريا شهود زور على المأساة. تسعون يوماً والنظام السوري سيبرع خلالها في استمرار ومتابعة حربه ضد المعارضة بشتى أساليب التمويه والافلات من المراقبة، فهو يعلم ان ثقة المجتمع الدولي به معدومة، فماذا يخسر عملياً من متابعة الحرب؟.

لكن هذا الوقت الضائع نفسه يهيب بالمعارضة أن تعيد تنظيم صفوفها وترتيب أوضاعها، وان تعد العدّة لمعارك أخرى قادمة لا محالة. فإن كان ما نشهده الآن هو أشبه بميونيخ عربية دولية، على المعارضة العمل كخلية نحل لتكمل الاستعدادات وصولاً الى المعركة الفاصلة، معركة ارسال النظام السوري الى متحف العاديات.

المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى