صفحات العالم

سيناريوهات ما بعد الأسد المحددات والخريطة السياسية


معهد العربية للدراسات والتدريب

هذه الدراسة التي كتبها الباحث السياسي إبراهيم غالي هي محاولة لاستكشاف السيناريوهات المتوقعة لمآلات الدولة السورية بعد أكثر من 40 عاماً من حكم عائلة الأسد، لأن نظام بشار الأسد لم يسقط نهائياً بعد، وإن كانت شبه حتمية الآن، لكن ما يدفع إلى بحث السيناريوهات السورية بعد الأسد مجموعة من العوامل يأتي على رأسها أن نظامه يتهاوى بالفعل وأنه في سبيله إلى السقوط بحيث يمكن القول إنه لن يمر على نجاح الثورة السورية في إزاحة حكم الأسد قدر ما مر منذ انطلاقها في 15 مارس من العام الماضي؛ فالأسد ومناصروه يقاتلون الآن من أجل البقاء أو إطالة فترة البقاء لا أكثر، وهم لن ينتصرون في النهاية على إرادة الشعب السوري، خاصةً بعد أن فقد الأسد الخصائص الأساسية التي يتسم بها أي نظام، فلم تعد له شرعية أخلاقية وسياسية يستند إليها داخل سوريا، وهو قد سقط وظيفياً بعد فقدان القدرة على إدارة شؤون الدولة أو السيطرة على الحدود أو حفظ الأمن، ولم يعد شريكاً دبلوماسياً مع معظم الأطراف الدولية كما كان منذ أشهر قليلة ويحاول الباحث إبراهيم غالي في هذه الدراسة استكشاف ذلك.

بالمقابل تتعزز يومًا بعد آخر قدرات المعارضة السورية والجيش السوري الحر الذي يسيطر الآن على أراضٍ كبيرة في أنحاء سوريا ويقيم مناطق آمنة. كما بدأت الأطراف الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، في إعادة النظر في سبل دعم المعارضة السورية بشكل أكثر جدية لأنها أدركت أن الثورة امتدت أفقيًا ورأسيًا إلى كافة قطاعات وفئات الشعب السوري، حتى إن الأقليات التي ترددت في دعم الثورة أو فضلت الوقوف على الحياد انقلبت في الآونة الأخيرة ضد نظام الأسد الذي تتوالى الانشقاقات بين صفوفه سياسيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا في سيناريو يشبه الثورة الليبية.

ومما يدفع كذلك إلى محاولة استشراف المستقبل السوري أن زمن الثورة والتاريخ السوريين لن يعودا أبدًا إلى الوراء، ولم يعد متخيلاً أن يقود سوريا في أي مرحلة لاحقة أي من الفاعلين الداعمين لنظام الأسد الاستبدادي. كما أنه وبغض النظر عن الطريقة التي سوف يسقط بها نظام الأسد، فإن خريطة القوى الفاعلة على المستويين الداخلي والخارجي أضحت من الوضوح إلى القدر الذي يمكن معه رسم ملامح أساسية لبعض السيناريوهات المتوقعة لسوريا ما بعد الأسد.

أولاً: المحددات الأساسية لمرحلة ما بعد السقوط

ربما لا توجد أدوات واضحة للتحكم في سير خط الحدث السوري بعد سقوط الأسد، إذ تبدو سوريا مفتوحة على كل الاحتمالات التي لا يمكن توقعها. ومرد ذلك حالة التقاطع والتشابك المعقد بين مدخلات الثورة ومخرجاتها؛ فالثورة بدأت فعلاً داخليًا محضًا، ثم أخذت خلال أشهر قليلة أبعادًا داخلية وإقليمية ودولية، ولن تقتصر مخرجات هذه الثورة على الداخل وإنما سوف يتغير معها المشهد الإقليمي الذي ساد الشرق الأوسط في العقود الأخيرة.

ومن جانب آخر لا يجوز القياس الكامل في الحالة السورية على ثورات الربيع العربي الأخرى، فنسق الثورة السورية وأحداثها والمتوقع عنها مختلف إلى حد بعيد عن حالات مصر وتونس واليمن وليبيا. وبالمثل لا يجوز استنساخ تجارب أخرى لتنطبق على سوريا، مثل يوغوسلافيا أو البلقان أو أفغانستان أو العراق المجاور، فهي دول لم تشهد ثورة شعبية وإنما وُجدت نماذجها الخاصة في سياقات مختلفة كليةً عن الوضع السوري الراهن.

لقد بدأت الثورة السورية عفوية تمامًا، وبالتالي ضعف التنسيق بين مكوناتها التي لم تتبلور إلا بعد أشهر من قيام الثورة وعلى مراحل مختلفة. ونتج عن ذلك غياب استراتيجية واضحة للتحرك المشترك والفعال من لدن قوى المعارضة التي لم تكن على هدف واحد منذ البداية، حتى صرنا نتحدث عن معارضات سياسية ودينية متباينة التوجهات والأهداف ولم نكن إزاء معارضة واحدة.

ويعزي ذلك إلى أن غياب الفصل بين الدولة والسلطة والمجتمع وتكريس مؤسسات الدولة والمجتمع لخدمة النظام كان من ركائز حكم الأسد الاستبدادي، ولذا لم يمتلك السوريون قبل الثورة شكلاً مؤسسيًا فاعلاً للمعارضة الحقيقية من قبل الأحزاب السياسية أو المجتمع المدني، فضلاً عن قيام النظام باعتقال أو نفي أي معارض سياسي، سواءً من التيار الإسلامي المنظم كجماعة الإخوان المسلمين أو الشخصيات ذات التوجهات الأخرى المختلفة والمعارضة للنظام.

ولهذا بدت الثورة السورية في عامها الأول تحديداً وكأن قواها الحية تقاوم نظام الأسد بروحية الصراع بين القوى الدينية والسياسية والثورة الشبابية على الأرض، ممزوج ذلك بصراع على الشرعية من قبل معارضة الخارج. كما ترددت الأقليات الكردية والمسيحية وغيرها في دعم الثورة بشكل كامل خوفًا من نتائج الصدام التي لم تكن معروفة سلفًا بين المعارضات والنظام.

ومع ذلك، وبالنظر إلى إمعان نظام الأسد في استخدام الحلول الأمنية دون السياسية ولجوئه إلى القتل دون تمييز، فقد امتدت الثورة مع عامها الثاني إلى كافة شرائح وقطاعات الشعب السوري الذي قدم تضحيات ضخمة ستكون عاملاً جوهريًا في تحديد مستقبل سوريا.

هكذا أسفرت الثورة التي طال أمدها عن حراك اجتماعي وسياسي وعسكري أدى إلى بروز فاعلين سوريين عديدين في الداخل والخارج، وعن تحركات ومطالب متباينة من قبل الأقليات داخل سوريا، وعن لاعبين وفاعلين كثر في البيئة الإقليمية والدولية.

ويمكن إيجاز أبرز المحددات الأساسية التي ستسهم في تشكيل مستقبل سوريا في مرحلة ما بعد الأسد فيما يلي:

1ـ الكيانات الرئيسية

أسفرت الثورة السورية عن بروز ثلاثة كيانات أساسية لكل منها تأثيره المتفاوت في المشهد السوري. وأول هذه الكيانات هيئة التنسيق الوطني لقوى التغيير الديمقراطي التي تأسست في 30 يونيو 2011 من حوالي 15 حزبًا سياسيًا غير رسمي يغلب على معظمها الطابع القومي واليساري، ويضعف فيها التمثيل الإسلامي والليبرالي، وتضم رموزًا من المجتمع المدني ومن الثوار. ومع أن الهيئة قد تشكلت لتنسيق المواقف على الأرض في ظل تعدد التنسيقيات في أنحاء سوريا ولمقاومة نفوذ الأحزاب التقليدية التي كانت قريبة من النظام، إلا أن عِقد هذه الهيئة قد ينفرط في مرحلة ما بعد الأسد بالنظر إلى حجم التباينات السياسية بين معظم مكوناتها، أو ربما ينتج عنها ائتلاف موسع للأحزاب اليسارية التي ستعمل جاهدةً على مواجهة النفوذ المتوقع لتيار الإسلام السياسي.

أما ثاني هذه الكيانات فهو المجلس الوطني السوري الذي تأسس خارج حدود سوريا في 19 يونيو 2011، وهو يشكل عمليًا معارضة من الخارج. ويضم قوى وأحزاب سياسية وشخصيات فكرية وسياسية. وتعد جماعة الإخوان المسلمين ومجموعة إعلان دمشق أهم القوى السياسية المنضمة والمؤسسة للمجلس إلى جانب بعض القوى الليبرالية، والعديد من شخصيات المعارضة بالخارج، أي يمكن اعتباره تجمعًا لقوى اليمين، سواءً اليمين الليبرالي أو الديني. ويعد المجلس الأكثر تعبيرًا لدى القوى الدولية، لكنه الأقل تأثيرًا في الداخل بين مكونات الثورة الأخرى.

وقد حدد المجلس لنفسه ثلاث مهمات أساسية هي: دعم الثورة وتوسيع نطاقها، وإسقاط النظام، وإدارة المرحلة الانتقالية بعد سقوط النظام. ويجوز القول إن المجلس قد نجح إلى حد ما في التأثير الإيجابي على مسار الثورة، لكنه أقل الجهات السورية فاعلية في إحداث هذه المهمات السابقة، وأنه لن يتمكن في مرحلة ما بعد الأسد من تثبيت هيكله كمجلس وطني لأنه أقرب ما يكون للائتلاف السياسي، وشأنه شأن هيئة التنسيق الوطني سيتعرض لتغيرات كبيرة لاحقًا، وربما ستعود تكويناته الراهنة إلى أصولها التقليدية، لتتحول إلى لاعبين سياسيين حسب توجهاتهم الأيديولوجية والسياسية.

ثالث هذه الكيانات الكبرى هو الجيش السوري الحر الذي تأسس في 29 يوليو 2011 نتيجة انشقاق أفراد من جميع الرتب العسكرية ومجموعة متنوعة من الوحدات والتنظيمات القتالية التي تشمل أركان النظام الرئيسية مثل الحرس الجمهوري والهيئات الاستخباراتية. وأضحى الجيش الحر بمرور الوقت العنصر الأكثر فاعلية في المعادلة السورية، خاصةً وأنه استطاع العمل ومقاومة جيش النظام في جميع أنحاء سوريا، سواءً في المناطق الحضرية أو الريفية، وتنشط قواته في شمال غرب البلاد (إدلب وحلب) والمنطقة الوسطى (حمص وحماة والرستن) والساحل حول اللاذقية والجنوب (درعا وحوران) والشرق (دير الزور وأبو كمال) ومنطقة دمشق. كما أنشأ الجيش الحر عددًا من “المجالس الثورية” التي تتولى التنسيق المحلي والبلدي والإقليمي بين كتائبه المتنوعة.

وكما أصبح هذا الجيش الذي أكد مواصلة القتال حتى إسقاط الأسد أكبر مؤثر على الساحة السورية الآن، فإن دوره المنتظر سوف يزداد دون شك بعد سقوط الأسد من الناحيتين العسكرية والسياسية. عسكريًا سوف يكون هذا الجيش هو النواة الجديدة لتشكيل جيش سوري على أسس مختلفة وسيضطلع بالدور الأكبر في حماية وحدة البلاد وحفظ الأمن الداخلي. وسياسيًا يبدو أنه سيكون فاعلاً حاسمًا في تشكيل مستقبل سوريا، إذ عرضت القيادة المشتركة للجيش الحر في 30 يوليو الماضي مشروع إنقاذ وطني لإدارة المرحلة الانتقالية عبر تشكيل مجلس أعلى للدفاع يتولى تأسيس مجلس رئاسي من 6 شخصيات عسكرية وسياسية لإدارة المرحلة الانتقالية وتلبية متطلبات الثورة؛ وهو ما يعني مشاركة العسكريين في إدارة المرحلة الانتقالية ليس من ناحية إعادة هيكلة المؤسستين العسكرية والأمنية فقط، بل سيمتد دوره إلى السياسة وإلى الأسس التي ستقوم عليها الدولة السورية بعد الأسد.

2 ـ خريطة سياسية جديدة

سوف تتشكل في سوريا عقب سقوط الأسد خريطة سياسية جديدة تنتظم فيها القوى الفاعلة في شكل أحزاب سياسية أو منظمات للمجتمع المدني، إذ تبدو التشكيلات الكبرى الراهنة، وبالأخص هيئة التنسيق والمجلس الوطني، ائتلافات مؤقتة ستتعرض بدورها لتغيير كبير، وسوف تظهر مع زوال النظام قوى جديدة وقديمة على الساحة السياسية.

وهنا يدور الحديث حول القوى المختلفة التي ستتمكن من الانتظام المؤسسي بعد سقوط الأسد. فقوى الإسلام السياسي تبدو مؤهلة للانتظام سريعًا لتظهر كقوى فاعلة، ويأتي على رأسها جماعة الإخوان المسلمين التي أتاحت لها الثورة الحضور في المشهد السوري بعدما تعرضت له من قتل وإقصاء ونفي في ظل حكم آل الأسد؛ حيث تساهم الجماعة في كل المحطات السياسية للثورة، وتدعم الجيش الحر المتمركز في تركيا والداخل حتى إن بعض الكتائب تحمل تسميات دينية إسلامية، وترسل المال والإمدادات إلى سوريا لتحيي قواعدها بين صغار المزارعين وأبناء الطبقة المتوسطة من الطائفة السنية، وتستعيد الجماعة بعض نفوذها في مدن مثل حمص وحماة وإدلب التي تعتبر المعاقل الأساسية للثورة على حكم الأسد، وتحقق مشاركة كبرى في مكتب المساعدات والمكتب العسكري داخل المجلس الوطني السوري.

ومما لا شك فيه أن الجماعة تعمل من أجل زيادة رصيدها وشعبيتها في الشارع السوري مستقبلاً. يظهر ذلك في محاولة التنسيق بين الأطراف الفاعلة في الثورة، وفي وثيقة العهد الوطني التي أصدرتها الجماعة يوم 25 مارس الماضي، والتي تعد رسالة طمأنة واضحة للداخل السوري وللقوى السياسية والاجتماعية لأنها تتعهد ببناء دولة مدنية غير دينية يتساوى فيها كل المواطنين بغض الطرف عن انتماءاتهم وفقًا للمعايير الديمقراطية، لتكون امتدادًا لوثيقة المشروع الحضاري لسوريا الذي أصدرته الجماعة في عام 2004 وانضمامها إلى ائتلاف إعلان دمشق الذي تشكل في عام 2005 من تيارات يسارية وقومية وليبرالية.

وتنبع قوة جماعة الإخوان مستقبلاً في استفادتها من صعود الإسلاميين عقب ثورات الربيع العربي، وانتفاء القيود الدولية التي كانت تمثل عائقًا أمام صعود الإسلاميين للسلطة بوجه عام، فضلاً عن حسن تنظيمها وتمويلها بما يسمح لها بالانتشار في بيئة تتسم بالثقافة الإسلامية، كما للجماعة علاقات متميز بتركيا الحاضن الأكبر للمعارضة السورية.

ولا يقتصر تيار الإسلام السياسي في سوريا على جماعة الإخوان، فهناك أحزاب وجماعات وتيارات وجمعيات دينية عديدة، إذ يلاحظ الانخراط السياسي للقيادات الدينية في العمل السياسي بعد الثورة. وبدأت تظهر للمرة الأولى تيارات سلفية تنتظم في شكل تنظيمات سياسية، من أبرزها: “جماعة زيد وأنصارها” و”حركة المؤمنون يشاركون” و”تيار الأمة في بلاد الشام”. هذا فضلاً عن جماعات دينية ـ سياسية قامت في العقد الأخير على خلفية دينية أو خلفية دينية وقومية معًا تريد تغيير النظام دون تبني العنف المسلح مثل: إسلاميو اللاعنف، والسلفية الجهادية، والإسلاميون الأكراد.

أما التيار السلفي الجهادي فيعد دوره محدودًا للغاية في الثورة السورية، ويستدل على ذلك بضآلة حجم الهجمات المعتمدة على تكتيكات مثل هذه الجماعات؛ حيث تستند السلفية السورية في معظمها إلى السلفية العلمية لا السلفية الجهادية كما في حالة مصر أو السعودية مثلاً. ولذا لم تشكل الجماعات الجهادية النشطة داخليًا -باسثناء ما يعرف بـ “جبهة النصرة”- في سوريا إلا جزءًا ضئيلاً من الجماعات المعارضة للأسد. وربما يعزي ذلك أيضًا إلى التعاون بين هذه الجماعات وبين النظام السوري بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003.

ويجوز القول إن التيار السلفي الآخذ في الانتظام سياسيًا ربما سيلعب دورًا محتملاً بعد نجاح الثورة، ولا سيما إذا تمكن من الائتلاف في تنظيم أو تنظيمين على الأكثر. هذا بالإضافة إلى احتمال بزوغ تيارات صغيرة غير مؤثرة من التيار الإسلامي الشعبي المعتدل الذي سيخرج من حركة الشارع الشبابية، لكنه ربما لن يستطيع الانتظام في شكل حزب قوي.

وعن التيارات الأخرى يمكن القول إن ثمة تيار يساري ربما سينتظم بشكل فعال إذا حدث التوافق بين مكوناته. وتبدو الأحزاب اليسارية والقومية داخل هيئة التنسيق الوطني، وأبرزها:

حزب الاتحاد الاشتراكي الناصري، والتجمع الوطني الديمقراطي، وتجمع اليسار الماركسي – تيم، مؤهلة لذلك، إضافةً إلى بعض أحزاب المعارضة التي كانت قريبة من نظام الأسد لدرجة أنها اعتبرت جزءًا من حزب البعث لكنها رفعت سقف مطالبها الإصلاحية بعد أشهر من الثورة، ومنها الجبهة الوطنية التقدمية والحزب السوري القومي الاجتماعي.

أما القوى الليبرالية فهي كقوى اليسار متشرذمة داخل أكثر من كيان، ولم يكن لها وجود يذكر في المشهد السوري في حقبة الأسد، لكن ربما يقود طول أمد الثورة إلى إعادة فرز هذه القوى التي يمكن لها أن تتشكل من الشخصيات المستقلة داخل المجلس الوطني السوري ومن بعض اللجان التنسيقية التي انتشرت في كل محافظات سوريا لتنظيم صفوف الثوار، علاوةً على بعض التشكيلات المدنية الصغيرة التي تكونت لمعارضة الأسد مثل “تيار بناء الدولة السورية” و”حركة معًا” و”تجمع نبض الشباب المدني” و”الحراك السلمي السوري” و”رابطة العلمانيين السوريين”.

خلاصة ذلك أن سوريا ربما تشهد خلال المرحلة الانتقالية نشأة مجموعة جديدة من الأحزاب ذات التوجهات المختلفة قد تتجاوز الخمسين حزبًا، وسوف يكون تشكيل ائتلافات كبيرة من التيار الواحد عاملاً مركزيًا في تشكيل خريطة الحكم في سوريا.

3 ـ المكون الإثني والمذهبي

يعتبر المكون المذهبي والإثني، أو بالأحرى عامل الأقليات، عاملاً محددًا للمستقبل السوري. وصحيح أن بعض الطوائف ترددت في البداية في الانضمام للثورة السورية، مفضلةً الانتظار لما سوف تؤول إليه الأمور، فإن قسطًا معتبرًا من كافة الأقليات الدينية والإثنية انخرطت في تيار الثورة لاحقًا وأصبحت عنصرًا هامًا في سقوط نظام الأسد.

وإذا كانت سوريا بلدًا متنوعًا من حيث العرق والدين، إلا أن هناك عنصرين يمثلان مدخلاً مهمًا في تشكيل مستقبل سوريا، هما الطائفة العلوية والأكراد. ولا توجد إحصائيات دقيقة حول خريطة سوريا السكانية من حيث المذهب والعرق، لكن المسلمين السنة يشكلون حوالي ثلاثة أرباع سكان سوريا البالغ عددهم حوالي 25 مليون نسمة، ويشكل الأكراد من هؤلاء السنة ما بين 5 إلى 10%، حيث تشير التقديرات إلى أن عددهم ما بين مليوني وثلاثة ملايين نسمة. فيما تشكل الطائفة العلوية ما بين 10 إلى 12%، والإسماعيليون حوالي 1% والشيعة الإثنى عشرية حوالي 0.5%، فيما يبلغ مجموع الدروز حوالي 3%، والمسيحيون بمذاهبهم المختلفة حوالي 8% من السكان.

وقد تعرضت كافة هذه الفئات لاستبعاد وتهميش واضحين خلال حكم آل الأسد، باستثناء العلويين الذين سيطروا على مقاليد السلطة، سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا، منذ حكم الأسد الأب. وربما لو توحد رأي الطائفة على التخلي عن الأسد لسقط مبكرًا، لكن قلة منهم فقط من مالوا إلى تأييد الثورة. وسوف تلعب هذه الطائفة دورًا جوهريًا فيما بعد إذا قررت السير قدمًا مع مخطط الأسد الذي يقوم على تحصين نفسه وطائفته في مناطقهم التقليدية.

أما بالنسبة لسائر الأقليات فلا يبدو أن دورها سيكون محددًا أساسيًا في مستقبل سوريا، فالدروز عددهم قليل، والمسيحيون لديهم العديد من التخوفات المشروعة، لكن تعدد الطوائف المسيحية والانتشار السكاني للمسيحيين لا يجعل منهم أكثر من فئة تطالب بحقوق المواطنة الكاملة شأن سائر الأقليات الأخرى.

ويبقى الأكراد، إلى جوار العلويين، هم الأكثر تأثيرًا في مرحلة ما بعد الأسد. ويقطن الأكراد بشكل أساسي في ثلاث مناطق ضمن الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا والعراق، من أهمها منطقة الجزيرة بمحافظة الحسكة، وعفرين بشمال حلب، وعين العرب (منطقة كوباني). ومع أنهم قد تعرضوا لقمع نظام الأسد وغياب أي حقوق لهم، فإن الأسد قد سمح مع قيام الثورة لحزب الاتحاد الديمقراطي السوري الذي تربطه علاقات وثيقة بحزب العمال الكردستاني بالعمل في المناطق الكردية شمال غرب سوريا قرب حلب وفي عفرين وجبل الكرد المتاخم للحدود التركية، حتى تذكر بعض التقارير إن الحزب استطاع السيطرة على سلسلة من المدن على طول خط الحدود مع تركيا.

لكن هذا الحزب قد انضوى مؤخرًا في إطار المعارضة الكردية الأوسع التي تأسست تحت مسمى “المجلس الوطني الكردي” في أكتوبر الماضي من 11 حزبًا كرديًا، حينما تبنى المجلس الحراك الثوري الشبابي الكردي (التنسيقيات الشبابية الكردية التي كان أول المعارضين الأكراد للأسد). ويطالب المجلس بحق تقرير المصير للشعب الكردي في إطار وحدة البلاد، وإقامة نظام ديموقراطي تعددي، ويدعو إلى تبني نظام “اللامركزية السياسية” في إدارة البلاد.

وتبدو حصيلة الموقف الكردي هي الانقسام ما بين المجلس الوطني الكردي وتنسقيات الشباب الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي، حتى إن بعض القيادات الكردية البارزة تشارك في هيئة التنسيق الوطني لقوى التغيير، وأخرى تشارك مع المجلس الوطني السوري (معارضة الخارج).

وتتمثل مشكلة الأكراد في الخشية من قيام حزب الاتحاد الديمقراطي بالانضمام المؤقت للمجلس الكردي، فيما يعمل بعد سقوط الأسد إلى ملأ فراغ السلطة في المناطق الكردية والمطالبة بالحكم الذاتي أو المطالبة بتقرير المصير.

ومن جانب آخر ثمة تخوف كردي عام من سيطرة الإسلاميين على السلطة نظرًا للخلاف الأيديولوجي بين الفريقين، مع أن كلاهما من السنة، إذ يغلب الطابع العلماني والقومي الكردي غلى معظم المكون الكردي السوري. وثمة تخوف آخر يرتبط بدور تركيا في ترتيب المستقبل السوري بعد رحيل الأسد، وتخوف ثالث من عدم الحصول على حقوقهم المشروعة مستقبلاً في ظل غياب الثقة مع بقية الأطراف الفاعلة في المعارضة.

4 ـ دور الخارج

لا ريب في أن تغير معادلة الحكم في سوريا بعد سقوط الأسد سيوازيه تغير إقليمي كبير، ولذا بدا الصراع الإقليمي والدولي على أشده تدخلاً في الشأن السوري منذ انفجار الثورة. وإذا كان هذا التنازع قد أدى إلى إطالة أمد الثورة، بالنظر إلى تساوي قوة تأثير الفاعلين المختلفين على الساحة السورية بين داعمي النظام وداعمي الثورة؛ فالمحصلة أن نتيجة هذا التدخل لم تكن حتمية في تسيير الثورة السورية التي نجحت في الصمود وفق مسارات داخلية أكثر منها خارجية.

وبغض الطرف عن الدورين السابق والراهن للفاعلين المؤيدين لنظام الأسد (تحديدًا روسيا والصين دوليًا، وإيران وحزب الله إقليميًا) والمعارضين له (الدول العربية ممثلة بالجامعة العربية، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وتركيا)؛ فمما لا ريب فيه أن التدخل الخارجي، إقليميا ودوليا، سيزداد وطأة بعد سقوط الأسد، ليس فقط من أجل تكريس معادلات إقليمية جديدة، وإنما من أجل كسب سوريا الجديدة لمحور ما أيضًا، ناهيك عن تخوفات عربية وغربية من انقسام سوريا أو نكوصها إلى حالة من الفوضى.

وغني عن البيان أن روسيا ستعد الخاسر الدولي الأكبر من سقوط بشار الأسد الذي يمثل المدخل الروسي الرئيسي إلى البحر المتوسط ومنطقة الشرق الأوسط، وأن إيران وحزب الله هما الخاسران الأكبر إقليميًا، لفك التحالف الوثيق الذي نشأ منذ حوالي أربعة عقود بينهما وبين النظام الأسدي. بيد أن روسيا تبقى هي مصدر السلاح الأساسي لسوريا وبيدها مفتاح التحديث والإمداد التكنولوجي لهذا السلاح السوري، فيما قد تسعى إيران وحزب الله إلى دعم العلويين بعد سقوط الأسد، أو ربما القيام ببعض العمليات التخريبية إذا اقتضى الأمر لإطالة مرحلة التحول حتى إيجاد وسائل ما لتعويض خسارة نظام الأسد.

وتبدو سوريا معرضة كذلك لتدخل أكبر من الأطراف الغربية، وتحديدًا الولايات المتحدة، حيث هناك مجموعة معقدة من الملفات ستظهر بمجرد سقوط الأسد، أبرزها: ملف هضبة الجولان المحتل والعمل على استقرار هذه الجبهة مع إسرائيل، وملف التنظيمات الجهادية الذي يعترف الغرب بأنه غير مؤثر في مسار الثورة لكنه قد يكون أحد مداخل التدخل، وملف المخاوف من انتشار أي فوضى محتملة في سوريا إلى دول الجوار، وخاصة في لبنان والعراق والحدود السورية ـ التركية، وملف الأسلحة الكيماوية التي بحوزة نظام الأسد، حيث تعمل الولايات المتحدة وأوروبا على تأمين هذه الأسلحة ومنع وقوعها في أيادٍ إرهابية بعد سقوط النظام، وهناك كذلك ملف إعادة إعمار سوريا والدعم الاقتصادي في بلد دمر اقتصاده، وملف إعادة هيكلة الجيش السوري وقوى الأمن الداخلي والذي ربما سينقل التسلح السوري من روسيا إلى الغرب.

5 ـ التحديات والمخاطر الماثلة

ينبع عن كافة المحددات السابقة عددًا من التحديات التي ستواجه السوريين فور سقوط نظام الأسد، أخذًا في الاعتبار أن طريقة السقوط والنهاية ستلعب هي الأخرى دورها في ملامح المرحلة الانتقالية.

وتكمن أبرز التحديات في الحفاظ على وحدة الدولة السورية، وهو ما يسبقه تحدي طمأنة الأقليات أولاً ثم إدماجهم في النظام الجديد تاليًا وتحقيق مطالبهم المشروعة ثالثًا. وتعتمد مواجهة هذين التحديين الأكبرين على أبعاد أخرى تشكل مخاطر ماثلة، منها تحدي مقاومة التدخل السافر في الشئون الداخلية في دولة ربما لن يكتب لها الاستقرار السريع فور سقوط الأسد، وتحدي التوافق السياسي بين الكيانات الكبرى والصغرى الفاعلة في الثورة السورية على الأقل فيما يختص بالبدء في خريطة محددة للمرحلة الانتقالية، وتحدي التعامل مع بقايا نظام البعث السوري ورموز نظام الأسد، سواءً من اشترك منهم في ارتكاب جرائم ضد الشعب أو لم تثبت مشاركته.

ويبقى التحدي الأبرز، والذي يمثل عنصرًا حاسمًا لمواجهة كافة التحديات السابقة متمثلاً في إعادة هيكلة الجيش السوري وقوى الأمن الداخلي سريعًا؛ وهو الأمر الذي يدور على وجه خاص حول مستقبل الجيش السوري الحر، فثمة تساؤلات صعبة ستطرح نفسها فور سقوط الأسد، منها: هل يحافظ هذا الجيش على وحدته وتماسكه أم ستدب الخلافات بين قياداته؟ وإذا ما حافظ على وحدته، فكيف له التعامل مع بقايا الجيش النظامي المتفكك، والذين قد يكون عددهم أكبر من تعداد الجيش الحر، وهل بقدرته أن يكون بديلاً جاهزًا ليحل محل جيش النظام المنهار؟ وكيف سيتعامل الجيش الحر مع أجهزة الأمن الداخلية التي كان ولاؤها الكامل لنظام الأسد؟ وكيف سيواجه هذا الجيش أي تدخل خارجي قد يكون هدفه إثارة الفتن والاقتتال الداخلي؟ وكيف سيؤسس هذا الجيش لراوبط عاجلة مع القوى التي دعمت الثورة السورية؟ وكيف لهذا الجيش أن يتعاون مع الفاعلين السياسيين والدينيين الداخليين للبدء في تنفيذ خطة متفق عليها حول إدارة المرحلة الانتقالية، ولا سيما في ظل عدم وجود رؤية واضحة من لدن هيئة التنسيق الوطني والمجلس الوطني السوري حول دور الجيش الحر في تشكيل مستقبل سوريا؟!

ثانيًا: السيناريوهات المتوقعة بعد سقوط الأسد

توضح المحددات السابقة أن ثمة تحديات كبيرة تحيط بسوريا في حقبة ما بعد الأسد، وأن التشابك بين الداخلي والخارجي يعقد الوضع السوري بأكثر مما تحتمل قدرة فاعليه المركزيين بعد معاناة وتضحيات كبيرة خلال الثورة، وأن هناك صعوبات حقيقة تعتري وضع المؤسسة العسكرية والأمنية ودور الجيش السوري الحر، في ظل غياب التوافق بين المكونات الأساسية الأخرى للثورة السورية حول إدارة المرحلة الانتقالية، واحتمال التدخل الخارجي في تشكيل مستقبل سوريا، وهو ما يرتبط كذلك بأوضاع الأقليات، وخاصة الطائفة العلوية والأكراد.

ولذا، وكما سبق القول، فإنه لا توجد أدوات ومعالم واضحة لتحديد خط سير سوريا بعد سقوط الأسد، إذ يبقى التنبؤ والاستشراف في تلك الحالة صعب إلى درجة ما بسبب بقاء كافة الخيارات مطروحة.

ومع ذلك فثمة سيناريوهات مستبعدة وأخرى أكثر قابلية للتحقق، يمكن إيجازها على النحو التالي:

1 ـ الفوضى الشاملة (السيناريو الأقل احتمالاً)

يقوم سيناريو شيوع الفوضى في مرحلة ما بعد الأسد على افتراض رئيس هو أن نظام الأسد سيسقط، لكنه لن يفقد قوته بالكامل، بحيث يمكنه اللجوء إلى أحد خيارين، أولهما التقسيم، وثانيهما إثارة الفتنة لدخول البلد في أتون حرب أهلية طويلة.

ويفترض هذا السيناريو أن مرحلة النهاية سوف تتسم بالفوضوية وسيادة العنف بين العناصر أكثر تشددًا من مختلف الطوائف، وأن الجيش الحر لن تسمح له قدراته بمواجهة بقايا نظام الأسد وحفظ الأمن الداخلي في آن واحد. ويفترض هذا السيناريو كذلك قيام مؤيدي نظام الأسد الخارجيين بعمليات تخريبية كبيرة لجر البلد إلى الانقسام أو الفتنة، في مقابل دور ضعيف ومتردد لمؤيدي الثورة أو تأخر قدرتهم على حسم الأمور لصالح الثورة تماما فور سقوط الأسد.

أ ـ سيناريو التقسيم

يقوم هذا السيناريو على افتراض أن إقامة دويلة علوية هي آخر أوراق النظام السوري؛ فلدى تيقنه من السقوط سوف ينسحب الأسد ومناصروه إلى الجبال الساحلية في المنطقة التقليدية لطائفة العلويين، وهي المطلة على البحر المتوسط بين جسر الشغور في الشمال بالقرب من الحدود التركية وتلكلخ في الجنوب بالقرب من الحدود مع لبنان. ولا يستبعد الإعداد لذلك منذ أشهر، حيث تشهد هذه المنطقة هجرة سكانية داخلية للعلويين وتحصينًا أمنيًا يقوم على تطهير الجيوب السنية بهذه المناطق. وربما سوف يجد مثل هذا السيناريو دعمًا خارجيًا محدودًا من روسيا، في مقابل دعمًا قويًا من إيران وحزب الله اللبناني.

ويتوازى مع تلك الخطوة في حالة نجاحها قيام حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بالسيطرة التامة على مناطق نفوذه مع الحدود التركية والسعي لإقامة إقليم للحكم الذاتي على غرار إقليم كردستان العراق المتاخم. وقد تؤيده في ذلك بعض الأطراف الكردية التي سترى ضرورة تحقيق أقصى استفادة جراء سيناريو الفوضى.

لكن يبدو هذا السيناريو بعيد الاحتمال لأسباب داخلية وخارجية. ففي الداخل قد تصبح المنطقة العلوية مكانًا آمنًا لانسحاب الأسد، لكنها لا تصلح لإقامة دولة علوية على الساحل السوري، فالطبيعة الجغرافية لا تجعل من هذه الجبال قاعدة لإقامة دولة مفاجئة بهذه الصورة، وليس لديها اقتصاد منفصل، ويصعب أن يكون نظام الأسد خطط لهذا. وإضافة لذلك ثممة شكوك كبرى في قيام عموم الطائفة العلوية بدعم وتأييد هذه الخطوة التي قد تعني إقصاء الطائفة بأكملها في حالة الفشل، بل ثمة من العلويين من تمرد على الأسد ونأى بنفسه عنه مثل رابطة تنسيقيات الساحل السوري ورابطة الإخاء الوطني والعيش الواحد في الساحل السوري وشباب الطائفة العلوية. كما صدرت العديد من التصريحات من زعماء القوى السنية المختلفة تؤكد على أن أخطاء الأسد لا تعني تحميل أوزاره لطائفة بأكملها، في تشجيع للعلويين عن التخلي تماما عن نظام الأسد.

وخارجيًا يجوز القول إن القوى الغربية الكبرى والدول العربية سوف تسعى للحفاظ على سوريا موحدة، لأن من شأن ظهور دولة علوية تغيير خريطة المنطقة؛ فتلك الدولة قد تنقل العنف إلى الدول المجاورة، وستكون ملاذًا لإيران وللحليف الروسي، وربما مأوى للأسلحة الكيماوية كذلك، وسوف تؤجج الصراع المذهبي في المنطقة كلها، وتشجع على انفصال الأكراد أيضًا. وعلى أي حال فلن يتمكن كيان كهذا على الساحل من الحصول على الدعم الإيراني والروسي الذي يمكنه من الحياة والبقاء. وبالعودة للتاريخ فقد أعلنت فرنسا في عام 1923 قيام دولة علوية في سوريا وقت الانتداب على سوريا، وتكون عاصمكتها اللاذقية، لكن لم يكتب لها الوجود.

ويعني انتفاء وجود هذه الدولة العلوية عدم تفكير الأكراد السوريين في الانفصال أو إقامة مناطق محصنة تمامًا عن سائر الدولة السورية. وحتى إذا حاول البعض القيام بذلك، فإنه من الصعب أن يكتب لمحاولة كتلك النجاح أيضًا، حيث لن ترضخ تركيا لمثل هذا التهديد الكردي على حدودها. كما لن تقبل كافة القوى السورية الأخرى هذا الأمر، خاصةً وأن كافة الوثائق الصادرة مثل وثيقة العهد لجماعة الإخوان المسلمين والوثيقة الوطنية حول القضية الكردية في سوريا الصادرة عن المجلس الوطني في إبريل الماضي، تؤكد على ضرورة حصول الأكراد على كافة حقوقهم في سوريا بعد الأسد. وفضلاً عن هذا فالقوى الكردية منقسمة على ذاتها في هذه المسألة، والغالبية منها تطالب بحقوق متساوية للجميع في دولة مدنية ديمقراطية تعددية.

ب ـ سيناريو الحرب الأهلية

تشبه مقدمات سيناريو الحرب الأهلية سيناريو التقسيم، لكنه سيناريو لا يتسم بذات المنهاجية السابقة التي تفترض بقاء الكثير من عناصر القوة لبقايا نظام الأسد، بل إنه يفترض ما هو أسوأ من ذلك، أي أن يفرض البعد الطائفي نفسه على أطياف المجتمع السوري بمجرد سقوط الأسد، بحيث تتموضع وتتحصن كل طائفة في جيوب آمنة ذات بيئة حاضنة ومؤيدة لها، على أن تحظى من الخارج بما يلزمه هذا التحصين.

ويفترض سيناريو الحرب الأهلية أنه حتى مع مقتل الأسد أو رحيله إلى الخارج، فإن أنصاره، وخاصة من الطائفة العلوية، لن يقبلون بالوضع الجديد وسيسعون لإدخال البلاد في موجات من الهجمات العسكرية والإرهابية التي تزعزع الاستقرار ويكون لها طابعًا مذهبيًا وإثنيًا كذلك. كما يفترض ذلك السيناريو انقسام الجيش الحر على نفسه بعد سقوط الأسد أو دخوله في حرب استنزاف طويلة مع بقايا الجيش النظامي الذي لن يستسلم بسهولة حتى إذا سقط الأسد. ويمكن أن يكون للجماعات السلفية الجهادية دور ما في إذكاء روح الصراع مع العلويين والشيعة وربما الميليشيات الكردية. وسوف يقوم شبيحة الأسد بمحاولة تنفيذ اغتيالات على أسس طائفية ومذهبية لإشاعة الفوضى… هذه العوامل مجتمعةً قد تنشر الفوضى في أنحاء سوريا لدرجة قد تصل إلى حرب أهلية لمجرد الاقتتال وليس من أجل السيطرة على السلطة.

ومع كثير من الحذر في التحليل، يبدو هذا السيناريو كذلك مستبعدًا بعض الشيء، ربما لذات أسباب استبعاد سيناريو التقسيم، ويزيد عليها أن انتشار الاقتتال الداخلي لدرجة تصل للحرب الأهلية هو أمر لن يفيد الجميع في سوريا، لا الأغلبية السنية ولا سائر الأقليات، وهو لا يتناسب مع حجم التضحيات وأعداد الشهداء التي قدمها كل الشعب السوري. ويقلل من هذا الاحتمال كذلك أنه بمجرد سقوط بشار الأسد وفقدانه دمشق فسيكون كل شيء انتهى، وربما سيرضخ مناصروه للأمر الواقع ويفضلون عدم خوض معارك خاسرة. وثمة أيضًا تأكيد على ضعف دور من ينتمون إلى تنظيمات جهادية متطرفة، وهو ما يقود إلى لحمة الطائفة السنية الأكثر عددًا. وربما يقلل من فرص هذا الاحتمال تماسك الجيش الوطني الحر وتعامله والسياسيين الآخرين مع بقايا نظام البعث والأجهزة الأمنية بحكمة بحيث لا يقودون عمليات انتقامية، وينطبق ذات الأمر على السنة الذين يجب عليهم طمأنة الطائفة العلوية والأكراد أيضًا. ويضاف لذلك أنه كما ليس من مصلحة الأطراف الدولية الفاعلة تقسيم سوريا فليس من مصلحتها السماح بانتشار حرب أهلية ستزيد من زعزعة استقرار المنطقة وتقود لذات النتائج الناجمة عن سيناريو التقسيم.

2 ـ عدم الاستقرار المؤقت (سيناريو محتمل)

بعيدًا عن سيناريو الفوضى الشاملة، يمكن توقع أن تدخل سوريا فترة من عدم الاستقرار التي قد تطول أو تقصر وفق سيروة العوامل الداخلية والخارجية.

العوامل الداخلية لسيناريو عدم الاستقرار تتمثل في صعوبة هيكلة الجيش وأجهزة الأمن عقب سقوط الأسد، وإمكانية حدوث خلافات داخل الجيش السوري الحر، وخلافات مماثلة بينه وبين سائر التيارات والقوى السياسية والدينية التي قد يدور فيما بينها صراع متوقع بعد سقوط الأسد، خاصة وأنها قليلاً ما اتفقت. وهنا ثمة مخاوف من حدوث انقسام بالمجتمع ككل؛ فكلما تأخرت قوى المعارضة في التوافق على إدارة المرحلة الانتقالية كلما زادت مقومات عدم الاستقرار.

وهنا ثمة تخوف من أن يحدث تطور ارتدادي إلى الماضي، سواءً أكان ذلك وفق مرجعيات ثقافية وتاريخية كما لدى التيارات الإسلامية، أم وفق مرجعيات البنى الاجتماعية التقليدية مثل القبلية والولاءات المناطقية، أم وفق مرجعيات البنى الإثنية المحكومة بمدارك تهديد وجودي، بحيث قد يحدث استقطاب سياسي معاكس في مناطق احتقان ذات ميول أو اتجاهات محافظة؛ مما يؤثر على بداية المسار السياسي خلال المرحلة الانتقالية.

كما يفترض سيناريو عدم الاستقرار أن إرث الأسد الذي يتجلى في تقسيم سوريا على أسس عرقية ودينية سوف يستمر فترة ما، وقد يدعم ذلك أن سقوط الأسد لن يعني بالضرورة نهاية حكم البعث مباشرة وقيادتيه القطرية والقومية.

أما العوامل الخارجية التي تدعم سيناريو عدم الاستقرار المؤقت فتتمثل في هذا الصراع الإقليمي والدولي الذي يدور حول سوريا، وهو صراع لا يتوقع نهايته مع نهاية نظام الأسد. فالتدحل من قبل إيران وحزب الله لدعم بقايا هذا النظام قد يؤجج عدم الاستقرار حتى يستطيع الفريقان مواجهة التحديات الإقليمية بعد فقدان حليفهما الاستراتيجي؛ مما يعني أن إطالة أمد عدم الاستقرار سيكون ملائمًا لإيران وحزب الله.

ولا تكمن المخاوف فقط من أعداء الثورة السورية، بل من القوى التي أيدتها كذلك.

وربما قد تجد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ضرورة التدخل المؤقت في سوريا بعد سقوط الأسد دون انتظار طويل لمآلات الوضع السوري. وقد يشجعهما على ذلك انتهاج سياسة الحد من مخاطر هذا السقوط، حيث يخشيان التحول للحرب الأهلية الطويلة التي تضر بمصالحهما، وانتشار الجماعات الجهادية في سوريا أو حدوث تغير مفاجئ على جبهة الجولان المحتل بحيث تكون مأوى لبعض العناصر المتطرفة، فضلاً عن العمل على تأمين مخزونات السلاح الكيماوي ومنع وقوعها في أيدي جماعات إرهابية، والتخوف من انتقال أي نزاع طائفي إلى لبنان والعراق.

ويدل على حقيقة التخوفات الغربية والأمريكية أن إدارة أوباما قد دعت يوم 30 يوليو الماضي المعارضة السورية إلى الامتناع عن تفكيك الأجهزة الأمنية والحكومية التابعة للنظام الحالي لتفادي تكرار الوضع في العراق، وذلك في حال مقتل الرئيس بشار الأسد أو إجباره على التنحي. وتشير دراسة أعدها المعهد الملكي البريطاني إلى أن على الحكومات الغربية التي عملت زمنًا طويلاً من أجل رحيل الأسد، أن تبدأ الآن بالخوف مما قد ينتظرها بعد سقوطه، لأن سوريا بدلاً من الانهيار على غرار دول عربية أخرى شهدت ثورات، ستنفجر قاذفة متاعبها في أنحاء الشرق الأوسط بعواقب قد تكون كارثية. وتقول الدراسة إن تجبيب هذا الانفجار السوري في المنطقة وتأمين الأسلحة الكيماوية وضبط الحدود مع تركيا يحتاج حوالي 300 ألف جندي على الأقل. ومما لا شك فيه أن التدخل الغربي عبر نشر قوات دولية داخل سوريا أو على حدودها سيعني وجود مقاومة من قبل بعض الجماعات السورية لمثل هذا التواجد؛ مما قد يقود لعمليات عنف واعتراض على هذا التدخل الخارجي.

ولا يعني هذا السيناريو أن سوريا لن تبدأ بالفعل في المرحلة الانتقالية، لكن ستكون أبرز سمات هذه المرحلة التباطؤ الشديد وكثرة الخلافات بين القوى السياسية ونزوع الأقليات إلى التقوقع والانعزال بدلاً من العمل على الاندماج السياسي والمجتمعي وتمدد الحركات والتنظيمات الجهادية السلفية وتأخر هيكلة المؤسستين العسكرية والأمنية وصعوبة التوافق حول من يدير المرحلة الانتقالية وآلياتها وشكل النظام السياسي والدستور الجديد.

وربما يدفع طول فترة عدم الاستقرار إلى دور أكبر مما هو متوقع للجيش السوري الحر الذي ربما سيحاول من أجل حفظ الدولة وضبط الأمور تأسيس مجلس هسكري يدير شئون البلاد والمرحلة الانتقالية. وإذا ما حدث ذلك فمن المتوقع أن يكون للمؤسسة العسكرية دور جوهري في إدارة سوريا التي قد تبقى ذات نظام حكم أقرب إلى النظم العسكرية التي سادت في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.

3 ـ سيناريو التحول الديمقراطي (سيناريو محتمل)

لا يعني هذا السيناريو بدايةً أن لا مشكلات تواجه مسار سوريا نحو التحول الديمقراطي بعد سقوط نظام الأسد؛ فذات التحديات السابقة ستبقى قائمة قطعًا. لكن افتراضات هذا السيناريو تقوم على مجموعة من العناصر، من أبرزها:

* إدراك كافة القوى السياسية والمجتمعية والدينية السورية لضخامة التضحيات التي قدمها الشعب السوري في سبيل نجاح الثورة، وأنهم فرصة تاريخية للجوء إلى خيار البديل الأفضل، وهو إقامة نظام ديمقراطي تعددي، وتفادي مخاطر تقسيم الدولة أو الدخول في متاهة العنف الداخلي.

* وجود الحد الأدنى من التوافق بين أبرز القوى السياسية على كيفية إدارة المرحلة الانتقالية وأمدها، سواءً أكان ذلك عبر تأليف حكومة انتقالية تقود البلاد مرحلياً حتى يتم الاتفاق على كيفية وضع دستور جديد وسائر القوانين التي ستحدد شكل الدولة ونظامها السياسي الجديد، أم كان عبر تأسيس مجلس رئاسي يضم قادة مدنيين من الأحزاب المختلفة ومن كافة الطوائف والفئات وقادة عسكريين من الجيش السوري الحر، أم كان ذلك من خلال انتخاب لجنة من الحكماء لوضع تصور متكامل لشكل الدولة الجديدة يتم عرضه على استفتاء شعبي.

* تماسك الجيش السوري الحر وتوحده بعد سقوط الأسد وقدرته على ضبط الأمن الداخلي وإدماج بقايا جيش الأسد والقوى الأمنية، وعدم فرض شروطه على الأطراف السياسية بل السعي للتوافق معها حول أسس بناء سوريا.

* نجاح القوى السورية في إعادة صيغة ملائمة للتعامل مع بقايا نظام الأسد، سواءً أكانوا من حزب البعث أم من الجيش أم من قوى الأمن. ويعتمد هذا على ما ستفرزه التطورات على الأرض من إمكانية الدخول في مصالحة وطنية، لأن سوريا، وعلى عكس مصر واليمن على سبيل المثال، قد لا تتحمل سياسيًا واقتصاديًا تبعات الدخول في مواجهات شاملة مع أعضاء النظام السابق بالنظر إلى طول أمد الثورة وتراجع الاقتصاد وحاجة الناس إلى قليل من الهدوء والاستقرار.

* قيام الطائفة السنية من أصل عربي بدور محوري في طمأنة سائر الأقليات، وخاصة المسيحيون والعلويون والأكراد. وبالقدر الذي تتوافق فيه مكونات الطائفة السنية السياسية والدينية على هذا الأمر بالقدر نفسه الذي يمكن معه تجنيب سوريا موجة طويلة من عدم الاستقرار.

* الحديث مبكرًا ما أمكن من القوى الفاعلة حول تمسكها بالوثائق التي أصدرتها حول مدنية الدولة وتحقيق المواطنة الكاملة والمشاركة السياسية الفاعلة لكل الأطياف والتلوينات العرقية والمذهبية، عاملاً في تعزيز مشاركة الجميع في حوار وطني شامل من أجل التخطيط لمستقبل الدولة السورية.

* تغليب الأقليات الانتماء السوري العام على الانتماء الأولي، فالطائفة العلوية إذا ما قررت أن مصلحتها في دولة سورية موحدة واقتنعت بأنه لا جدوى من التباكي على نظام الأسد، فإنها بالطبع ستكون شريكًا أساسيًا في مرحلة ما بعد الأسد. وينطبق ذات الأمر على الأكراد الذين يجب ان يفضلوا الانتماء السوري على الانتماء القومي.

* محدودية تأثير الدور الخارجي على الداخل السوري، إذ ربما يؤدي التوافق المبكر للسوريين على الحد من التأثير السلبي لقوى الخارج. وقد يتم الاتفاق بين الأطراف العربية والغربية الفاعلة على ترك السوريين يحددون خياراتهم بحرية تامة، لكن ذلك يقتضي بالطبع تماسك الجيش الحر وتأمينه للأسلحة الكيماوية وهيكلته السريعة لجهاز الأمن وتجنب نشوب اقتتال داخلي بين العناصر الأكثر تشددًا داخل طوائف الشعب السوري.

وحول مآلات الدولة السورية المتوقعة نتيجة لعملية تحول ديمقراطي من هذا النوع، فإنه يتوقع إذا لم تنقلب أي من التيارات السياسية، ومنها جماعة الإخوان المسلمين، على التعهد القاطع التي ألزمت به نفسها خلال الثورة حول مدنية الدولة الديمقراطية التعددية التي يتساوى فيها كافة المواطنين، فإنه يتوقع أن يخرج دستور مختلف يتضمن كافة هذه المبادئ، كما سوف تشهد سوريا عملية حراك سياسي طويلة بعض الوقت حتى تنضج أحزاب فاعلة تتنافس فيما بينها في انتخابات حرة.

وإذا ما سارت عملية التحول بطريقة هادئة، فربما سيتمكن إخوان سوريا من القبض على مفاصل السلطة باعتبارهم الأكثر تنظيمًا وتماسكًا وباعتبار أن المسار الطويل للثورة الشعبية شهد تراجعًا مطردًا في مكوناتها العلمانية لصالح مكوناتها الإسلامية بصورة موازية لتصاعد عنف النظام ووحشيته. وقد تشهد سوريا حكمًا تعدديًا إذا ما انتظمت التيارات اليسارية والليبرالية والشبابية الثورية في شكل ائتلافات عريضة تمنع سيطرة الإسلاميين، هذا فضلاً عن التمثيل المتوقع لكافة الأقليات التي لديها بعض التخوفات من سيطرة الإسلاميين الكاملة على الحكم.

أما إذا حدث عدم التوافق حول شكل الدولة أو نصوص الدستور أو اتجه الوضع السياسي إلى التأزم خلال المرحلة الانتقالية، فربما تشهد سوريا نمطًا ما من الحكم العسكري لبعض الوقت، وهذا يعتمد على رشادة وعقلانية القوى السياسية المدنية المختلفة، وعلى دعم الدول الفاعلة لمسار التحول السلمي بديلاً عن العنف في سوريا ما بعد الأسد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى