صفحات العالم

صعود «الدولة الإسلامية» ومنطق الصدمة

 

 

ترجمة فتحي التريكي – الخليج الجديد

من الصعب أن تحصل على شبكة الإنترنت على أشرطة فيديو كاملة (بدون مونتاج) لقطع الرؤوس الذي تمارسه «الدولة الإسلامية». موقع يوتيوب يقوم بحذفها جميعا على سبيل المثال. وتم تسجيل أول شريط فيديو معروف على هذه الشاكلة منذ عقد من الزمان، تحديدا في مايو/أيار 2004 بواسطة «أبو مصعب الزرقاوي» الذي صار موضوعا لكتاب تقشعر منه الأبدان لـ«جيمي واريك» بعنوان «الرايات السود : صعود الدولة الإسلامية». 

كان الضحية ساعتها هو «نيك بيرغ»، رجل الأعمال البالغ من ستة وعشرين عاما الذي كان يبحث عن فرصة في عراق ما بعد الغزو. وقف «الزرقاوي» وراءه مرتديا ملابس سوداء وقناعا أسود يقرأ بيانا بلهجة عربية سريعة. بينما كان الضحية يرتدي، بشكل رمزي، بدلة برتقالية، بينما يجثو بركبته على الأرض. كان ذلك بعد أسابيع فقط من اندلاع فضيحة أبو غريب. كان الضحية يبدو سهل الانقياد وعلامات الاستسلام تسيطر على وجهه ويبدو أنه كان غير واع بما سوف يحدث له خلال الـ5 دقائق و37 ثانية التي تم التقاطها بواسطة كاميرا عفا عليها الزمن.

ورغم أن الكاميرا كانت قد عفا عليها الزمان، إلا أن الصور الملتقطة مثلت نموذجا أوليا لجيل جديد من الحروب. ولعل هذا هو السبب في أن «بيرغ» بدا هادئا في اللحظات الأولى قبل أن يهوي «الزرقاوي» على رقبته بالسكين. وعلى ما يبدو أنه لم يكن يدرك المغزى من ارتدائه لسترة برتقالية أو تعليق رايات سوداء خلفه مكتوب عليها شهادتي الإسلام بالخط العربي. عندما شاهدت الفيديو لأول مرة لم أكن أفهم مغزى الأمر أيضا، كنت ضابطا في الـ24 من العمر (أصغر من بيرغ بعامين) برتبة ملازم ثان في القوة البحرية المقرر نشرها خلال الشهر المقبل في الفالوجة، وهي المدينة التي قام «الزرقاوي» بتصوير تسجيله خلالها. تحلقنا حول جهاز كومبيوتر في المكتب كامب ليجون مع عدد قليل من الضباط الآخرين لنشاهد مشهد القتل. مثل «بيرغ»، لم نكن على علم بكل ما كان سيأتي، ليس فقط على الشاشة ولكن أيضا في العراق.

الجذور الأولى للدولة الإسلامية يمكن قراءتها من خلال قصة «الزرقاوي». لفهم الحرب الخاطفة التي شنها تنظيم «الدولة الإسلامية» في منطقة الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة لا بد من فهم سنوات الكد والهزيمة للزرقاوي وتنظيمه، تنظيم القاعدة في العراق. «كان لديه مزيجا بين مركب بالبطولة ومركب الشعور بالذنب»، وفقا لما كتبه «إريك» حول شخصية «الزرقاوي» نقلا عن وصف المخابرات الأردنية. وأضاف: «كان يريد أن يكون بطلا ويرى نفسه كبطل رغم أنه كان سفاحا. كان الشعور بالذنب هو ما جعل منه متطرفا». وهذا التطرف، الذي تجلى في أعمال شديدة العنف، هو أحد الأسئلة المركزية التي يطرحها الغرب حول «الدولة الإسلامية»: ما الذي يلهم عنفهم المفرط وتكتيكاتهم المسرحية؟

أحد المفاهيم التي كانت سائدة بين قادة سلاح البحرية في الوقت الذي غادرت فيه العراق كان ذلك المفهوم المتعلق بـ «الأخطاء التكتيكية»، الفكرة تتلخص أنه في هذا العصر شديد الترابط فإن الإجراءات التكتيكية لصغار القادة لا تحمل تأثيرا كبيرا على المستوى الاستراتيجي. استخدم قادة البحرية هذا المفهوم باعتباره شيئا إيجابيا ولكن أظهرت فضيحة أبو غريب العكس: كيف يمكن للخيارات التي ينتهجها بعض صغار الجنود أن تقوض جهود الحرب بأكملها. استخدم «الزرقاوي» قوة الصورة. ولم يكن الرداء البرتغالي الذي يرتديه الضحية مجرد إشارة إلى تجاوزات في سجن أبو غريب أو  حتى جوانتانامو، بل كان علامة على أن «الزرقاوي» قد أدرك المرحلة البصرية التي كان يتخطاها.

لم يحدث ارتفاع «الزرقاوي» من فراغ. السياسة الكارثية التي انتهجتها الولايات المتحدة والأردن بتجميع المتطرفين الإسلاميين معا في السجون وتفكيك الجيش العراقي وعدم تمكين القادة السنيين هي التي أسهمت في صعوده.

بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة لأفغانستان، فر «الزرقاوي» إلى شمال العراق، حيث نظام «صدام حسين» العلماني البعثي الذي كان يتخذ تدابير فعالة للقضاء على المتطرفين الإسلاميين بوصفهم تهديدا. في خطابه أمام الأمم المتحدة لتبرير غزو العراق، جعل« كولن باول»، وزير الخارجية الأمريكي ساعتها، وجود «الزرقاوي» أحد حججه المركزية لتبرير الغزو زاعما أن وجوده يثبت أن النظام العراقي يمنح تنظيم القاعدة ملاذا في البلاد. حول هذا المنطق الواهي يكتب «وإريك»: « كانت هذه الحجة تشبه الادعاء بأن الرئيس الثاني والعشرين للولايات المتحدة، غروفر كليفلاند، قد آوى جيرونيمو، زعيم جماعة الأباتشي الشهيرة التي تمركزت على الحدود الغربية وكانت تهاجم المستوطنين على طول قاعدتها على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة».

الإشارة إلى أخطاء حرب العراق عملية سهلة، ولكن «وإريك» يفعل ذلك فقط في خدمة تحليله للزرقاوي. إذا كانت أفعال العنف الشديد التي ترتكبها «الدولة الإسلامية» غير مفهومة لمعظم الناس فإن وقائع «واريك» تجتاح حياة «الزرقاوي» لتكشف عن تطوره شخصيته إلى متعصب وعن منطق هذا التعصب. وهو منطق متجذر في الفوارق الاقتصادية والاجتماعية، وعقود من الاضطهاد من قبل الحكام المستبدين المدعومين من الغرب، كل ذلك يغذيه التدين الذي يمنح معتنقيه مكان في الرواية الإسلامية للتحرير التي تمتد إلى أكثر من ألف عام . وعلى الرغم من أن الغربيين قد لا يكونون منسجمين مع هذا المنطق فإننا يجب أن نتفهمه إذا كنا نريد مواجهة هذه الأيدولوجيات في العراق وسوريا وشمال إفريقيا وحتى في الولايات المتحدة وأوروبا.

ومنذ ظهور مقطع الفيديو الذي ظهر فيه «بيرغ»، ظهرت العديد من أشرطة الفيديو وبالتأكيد سيظهر منها الكثير. ولكني أظن أنها في طريقها لتفقد فاعليتها تدريجيا عندما يبدأ الجمهور الغربي في الاعتياد على هذه الصور. مهما كانت مروعة. كما أنني أتخيل أن أعضاء «الدولة الإسلامية»، وتنظيم القاعدة وغيرها من الجماعات سوف يطورون أساليبهم وفقا لذلك.

في عام 2002 هزمت الولايات المتحدة تنظيم القاعدة في جبال أفغانستان. بعد لم شمل التنظيم لاحظ رئيس الاستخبارات في قيادة العمليات الخاصة المشتركة، «مايكل فلين»، أنهم «صاروا أفضل لأنهم أدركوا جيدا كيف تمت هزيمتهم». دعونا نأمل أن الشيء نفسه سوف لن يقال يوما ما حول جهودنا الحالية في المنطقة.

ذي إنترسبت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى