صفحات العالم

طهران وتسوية موسكو «السورية»/ فلاديمير ميخييف

 

 

مؤتمر السلام في آستانة (كازاخستان) هو فرصة لإنهاء الحرب الأهلية السورية المستمرة منذ خمسة أعوام، لكن فرص النجاح اليوم تبدو أضعف. ويحرص الرئيس السوري، بشار الأسد، على التفاوض لوقف إطلاق النار والتوصل إلى اتفاق مع المعارضة التي تصلي حكومته الكراهية والعداء. وقد لا يتسامح «المعتدلون» هؤلاء مع بقاء الأسد لوقت طويل. وفي وقت ترجح كفتهم اليوم، قد يميل الأسد وحلفاؤه الإيرانيون إلى محاولة احراز نصر عسكري حاسم. وهذه العقبات العسيرة تهدد المبادرة الثلاثية، الإيرانية- التركية – الروسية.

وفي سبيل تعزيز مشروعية لقاء آستانة وتقديم بادرة حسن نية للرئيس الأميركي الجديد، دعا وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، «ممثلين عن الأمم المتحدة والإدارة الأميركية الجديدة إلى الاجتماع». لكن قبل أقل من أسبوع من بدء المفاوضات، بادرت إيران الى تصريحات مفاجئة. وقال وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، لوكالة أنباء «تسنيم»، «نحن لم ندعُ الولايات المتحدة ونحن ضد مشاركتها.» فأربكت طهران مبادرة موسكو الرامية الى تحسين العلاقات مع الإدارة الأميركية الجديدة. وهذا لا يعني أن إيران تريد إرباك روسيا، فهي توجه رسالة الى دونالد ترامب. ومشكلتها معه.

فالرئيس الأميركي دونالد ترامب، انتقد في مناسبات كثيرة خلال حملته الانتخابية الاتفاق حول برنامج إيران النووي، المبرم بين طهران ومجموعة الدول 5 + 1 (الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وروسيا والصين). وأعلن رغبته في إلغاء الاتفاق أو التفاوض عليه من جديد لبلوغ صفقة أفضل. وفنّد الرئيس حسن روحاني أخيراً احتمال إبطال الولايات المتحدة أحادياً الاتفاق، وأشار إلى أنه (الاتفاق) متعدد الأطراف ولا يمكن ان تلغيه جهة واحدة وتتنصل منه. وإيران أمة فخورة، لذا، ترفض أي حركة ازدراء تبادر اليها دول أجنبية، وتحديداً أميركا التي يربطها بها تاريخ متوتر.

ودبرت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية انقلاباً في 1953 على رئيس الوزراء الإيراني محـــمد مصدق، وساعدت الولايات المتحدة العراق في حربه على الجمهورية الإيرانية الإسلامية في الثمانينات. ولذا، ينتقد المسؤولون الإيرانيون اميركا دورياً، ويصفونها بـ «الشيطان الأكبر».

والحق يقال وراء غضب إيران اليوم من الولايات المتحدة ثلاث مسائل بارزة، أولها، رفض إيران الدعم الأميركي في عهد أوباما للحرب التي شنتها دول عربية على النظام العلوي في سورية. فهي تتشارك مع النظام هذا في عقيدة واحدة. ويطالب الغرب وحلفاؤه من السنّة بإقصاء الأسد من السلطة. ولكن إيران ترى ان المسألة هذه غير قابلة للتفاوض. وتتباين وجهتا نظر موسكو وطهران حول مصير الأسد. فروسيا اعلنت انها لا تتمسك بالأسد، ودعت الى تقرير الشعب السوري مصيره السياسي ديموقراطياً.

وثانياً، ترى طهران أن ما يجري في سورية أو العراق هو نزاع بين الشيعة والسنّة، أي بين إيران وحلفائها من جهة، ودول عربية من جهة أخرى. ودرجت الولايات المتحدة على الوقوف مع الدول العربية السنّية، لذا، لا تحبذ إيران التعاون مع واشنطن، وترى ان صديق العدو ليس صديقاً صدوقاً. وثالثاً، يحتاج التكنوقراط في طهران الى إثبات ميولهم المعادية للولايات المتحدة في الداخل الإيراني. فإثر وفاة علي أكبر هاشمي رفسنجاني، تفاقمت ضراوة الخلاف بين الأصوليين المتشددين والإصلاحيين في النخبة الإيرانية الحاكمة.

ولا شك في ان خلاف طهران الأخير مع واشنطــــن قد يضر بالمصالح الإيرانية. وقد تقتنــــع بالعدول عن موقفها وإعادة النظر فيه. وحين تعترض على وجود الوفد الأميركي في مــــحادثات السلام، تدفع إيران الولايات المتحدة مــــرة أخرى إلى أحضان عدو إيران اللدود. وكــــلاهما (طهران وخصمها) يريد في نهاية المطـــاف الريادة في المنطقة والهيمنة عليها. وأي حـــل دائم وطويل الأمد للحرب الأهلية السـورية يقتضي، موافقة القوى الكبرى من امثال الـــولايات المتحدة، أو غض نظرها على أقل تقدير. وإلى ذلك، ثمة احتمال كبير أنّ دونالد ترامب يرفع الرهانات في وجه الصين وإيران عمداً. فهو رجل أعمال بارع ومحنك، وهو ربما يلتزم تكتيك رفع الشروط المسبقة الى حدّها الأقصى، وحين ترفض، يمكن إسقاطها والتخلي عنها.

وتحوم شكوك مزعجة حول محاكاة فريق روحاني، وسمعته جيدة ويقال انه يلتزم المرونة حين لا يكون أمامه خيار آخر. وفي الأحوال كلها، فإن محادثات آستانة هي خطوة أولى في الاتجاه الصحيح.

* محلل سياسي، عن «راشا بيوند ذي هيدلاينز» الروسي، 20/1/2017، إعداد علي شرف الدين

الحياة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى