صفحات العالم

عندما يسرف الأسد في الثقة بنفسه وبنظامه

 


ياسر الزعاترة

كان خطاب الرئيس السوري مفاجئا بتواضع وعوده قياسا بتوقعات الجماهير في الداخل، إلى جانب كثيرين ممن انتظروه في الخارج، لاسيما أن نائب الرئيس (المتحدر من مدينة درعا الثائرة) فاروق الشرع قد وعد بمفاجآت سارة، من دون أن يكون بوسعنا القول إن المواطن السوري العادي كان ينتظر بالفعل مفاجآت سارة، اللهم إلا إذا كانت زيادة رواتب القطاع العام تعتبر كذلك بحسب كثيرين.

والحال أن المواطن السوري هو الأكثر دراية بطبيعة نظامه السياسي، وتبعا لذلك إمكانات قيامه بإصلاحات حقيقية تروي ظمأ الناس الذين حركت ثورات تونس ومصر وليبيا واليمن الآمال الساكنة في أرواحهم بإمكانية التغيير في بلادهم. وقد جاء إخراج الخطاب في مجلس الشعب ووصلات المديح والنفاق التي اشتمل عليها لتشعر الإنسان بالخجل وتعزز حالة اليأس من التغيير.

الأرجح أن النظام السوري قد فوجئ بالحراك الشعبي المطالب بالإصلاح والتغيير، ربما لاعتقاده أن عقود القمع وتكميم الأفواه قد أنتجت مواطنا مرعوبا يصعب عليه الجهر بكلمة (لا)، وعموما يمكن القول إن السلوك العام للنظام في سياق رده على الأحداث مازال يؤكد أن رسائل الثورات العربية لم تصله بحال.

نقول ذلك لأنه بدأ الرحلة من أولها كأنه لم يسمع بما جرى في المحيط العربي. فقد بدأ بإطلاق الرصاص الحي على المواطنين غير مدرك لحقيقة أنه مع كل قطرة دم تسيل يزداد إصرار الناس على تنفيذ مطالبهم، فضلا عن حقيقة أن زمن ثورة الاتصالات والمعلومات لم يعد يسمح بقتل الناس ببساطة ودون ضجيج.

بعد إطلاق الرصاص، وفي محاولة لتبرير الموقف، راح يتحدث عن سيناريوهات تآمرية حول ما جرى ونسبة «الفتنة» لأردنيين ومصريين وفلسطينيين، فضلاً عن الإمعان في شتم من تحدثوا من الخارج عما يجري، أكانت فضائيات أم علماء على شاكلة الشيخ القرضاوي، حيث جرى الإيحاء لممثلين من الدرجة الثانية لكي يشتموه أمام الكاميرات، تلاهم التلفزيون الرسمي في تقرير مطول، ثم انتهى النظام إلى تكرار اللعبة التي مارسها الآخرون ممثلة في المسيرات الحاشدة التي تهتف باسم السيد القائد.

لم ينسوا في السياق بعض المقـبّلات السياسية ممثلة في تقديم وعود بالإصلاح، وهو ما فعلته مستشارة الرئيس، لكن الوعود التي أطلقتها كانت محدودة (لا تنس أنها مجرد وعود)، أعني ما تعلق بقانون الطوارئ وقانون الأحزاب، مع العلم أن قانون الطوارئ لا يحتاج الكثير من الدرس حتى يتوقف العمل به، هو الذي «عسكر» البلاد وتسبب طوال عقود في سلسلة من المآسي لقطاع عريض من أبناء المجتمع السوري. من الإنصاف القول إن الرئيس بشار الأسد قد عرف بتقديراته السياسية الموفقة فيما خص التعامل مع أزمات المحيط الإقليمي، وتجاوز خلال سنوات حكمه عواصف مهمة في مقدمتها احتلال العراق والضغوط التالية عليه، وتمكن من تجاوز ذلك عبر دعم المقاومة العراقية التي أفشلت المشروع الأميركي الذي كانت سوريا محطته التالية. كما تجاوز معضلة اغتيال الحريري، في حين لا ينكر منصف دعمه لمقاومة حزب الله، ومساهمته في انتصار أيار 2000، ومن ثم انتصار تموز 2006، فضلا عن الدعم المتواصل لقوى المقاومة الفلسطينية.

كل ذلك كان له تقديره في وعي الجماهير السورية، وبدرجة أكبر الجماهير العربية، لكنه لم يكن قادرا على إقناع الأولى بتجاهل وضعها الداخلي الذي يتسم بالفساد والقمع وغياب الحريات، وهنا كان الناس في انتظار شيء من الرئيس السوري، لكنه خذلهم بدرجة لا توصف.

لم يقدم الرجل أي تنازل يذكر، فحتى قانون الطوارئ تركه قيد الدرس (لاحقا شكلت لجنة لاستبداله بقانون لمكافحة الإرهاب)، وكذلك قانون الأحزاب، وترك أمر الإصلاحات لمجلس الشعب القادم، في تأكيد على أنه سينتخب بنفس الآلية وسيكون من نفس القماشة، وعندما ذكر الفساد أنكر وجوده في سوريا، مع أن قصص الفساد المعشش في بنية النظام صارت على كل لسان في السنوات الأخيرة (عنوانها الأساسي رامي مخلوف ابن خال الرئيس).

ما كان على الرئيس السوري ألا ينساه هو أن الانطباع الشعبي عن نظامه لم يتغير رغم سنوات المقاومة والممانعة، ويتمثل في أنه نظام طائفي، ما يعني ضرورة تغيير الدستور الذي ينص على أن البعث هو الحزب القائد، إلى جانب البنية العامة للنظام حتى يكون الوضع مقنعا، وإذا لم يحدث ذلك فإن رياح التغيير ستكون في الحالة السورية أكثر عنفا.

سوريا في قلب المؤامرة الأميركية الإسرائيلية، هذا صحيح، لكن مواجهة المؤامرة ستكون أفضل بجبهة متماسكة. أما الأهم فهو أن الشعب السوري لن يقبل استمرار وضعه البائس في الداخل من أجل تلك المواجهة، لاسيما أنه واثق من قدرته على مواجهتها حين يكون أكثر حرية وقناعة بنظامه السياسي.

العرب القطرية

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى