صفحات الثقافة

عنصرية

 

عباس بيضون

أين يصل بنا الحديث عن كرم اللبناني وانفتاحه وتعدده الثقافي إذا نحن توجسنا من أي قادم من الجوار. إذا نحن أظهرنا عداوتنا له بمجرد أن يصير عندنا. إذا نحن لم نحمل حقاً للجوار سوى الارتياب والتوجس والضغينة المضمرة. إذا نحن ارتضيناه حاكماً وحليفاً وشريكاً ولم نرتض به ضيفاً، ما أضيق نفوسنا إذ ذاك وما أضيق أفقنا، نخاف من أن يزاحمنا الضيف على بيتنا، نخاف أن يصير النازح لاجئاً، نخاف أن يصير مقيماً، لكن الذي يفرّ من وجه الطغيان لا غرض له سوى أن يحتمي، من يهرب من القصف الجوي لا غاية له سوى أن ينجو وأن يأمن وأن يجد سقفاً لأطفاله. من يركض من تحت النيران لا يفكر في أن يزاحمنا على أرضنا وعلى دارنا فله أرض اضطر للفرار منها وله بيت اضطر إلى أن يغادره. من ينظرون الآن شزراً إلى هؤلاء الناجين بأنفسهم، الهاربين نحونا، من يريد للسوري أن يبقى تحت القصف ومن يريد للقصف أن يقتله قبل أن يفكّر بالفرار. من يريده أن يموت في موضعه هو نفسه الذي لا يمانع في أن يحالف النظام السوري على أخوة له في هذا البلد الذي يريد الآن أن يمنع ترابه عن الجيران. من يكره هؤلاء الجيران أفراداً ومستضعفين هو نفسه الذي يحنو على النظام السوري، وهو نفسه الذي لا يمانع في أن يكون لهذا النظام ذراع طويلة في الداخل. بل هو نفسه الذي لا يمانع في أن تطال هذه الذراع خصومه السياسيين شركاءه في التراب والأرض والموقع والمكان.

لنقل إن الشعب السوري الهارب من دولته ومن عسفها هو من يكرهه. لنقل إن المستضعف السوري والسوري العادي هو من يخافه ولا يخاف بالطبع من مالك الطيران ومالك القوة التي أدمته هو نفسه في يوم، يخاف من السوري العادي ولا يفزع لنصرة أخيه اللبناني الذي يتقصده السوري غير العادي، يكره الفرد السوري المستضعف ويتواطأ مع السوري المسلح القوي، يخاف من السوري البسيط ولا يخاف من السوري البطاش. ربما لأنه يكره الشعب في أي مكان ويحتقره. ربما لأنه لا يحترم سوى الدول، ربما لأن كراهية الآخرين هي خبزه وقوته ودعاوته ورؤياه.

إذا كان الآن يبشر بكره الجيران فسيأتي، إن لم يأت، يوم يتاجر فيه بكراهية الإخوان، فهذه العنصرية قابلة لأن تتحول إلى الداخل، بل هي مرمية من الداخل على الخارج. كره الجار هو امتداد لكره الأخ ووريث له وهو مستقبله وأفقه.

السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى