صفحات العالم

عن العصيان المدنيّ وانبعاث «المَهَاتما» في وجدان السُوريين


أيمن عويضة

يُمكن اعتبار الدعوة للإضراب العام في سوريا تمهيداً لعصيان مدنيّ شامل، خطوةٌ متوقعة من طرفٍ امتلك حصراً منذ بداية المواجهة زِمام المبادرة، واضعاً الطرف الآخر في خانة ردّ الفعل القاصرة. كما يمكن اعتبارها محاولةً لكسر حالة التصلّب التي شابت تلك المواجهة طِوال تسعة أشهر من عُمرها، في غمرة إصرار المحتجين على مطالبهم المشروعة دون مساومة، ومُضيّ السلطة حتى النهاية في قمعها الوحشيّ للاحتجاجات، واضطراب المواقف الإقليمية والدولية مما يجري في دولةٍ تمثل حجراً استراتيجياً على رقعة المصالح في المنطقة. وتأسيساً على السياقات السابقة، يُطرح السؤال حول تأثير العصيان المدنيّ على مسار المواجهة، بِوصفه بديلاً لحسم الموقف من قِبل المحتجين، خاصةً مع احتدام المخاوف بشأن المصير الذي ينتظر السوريين إذا تُركوا وحدهم في مواجهة سلطةٍ مستبدة من جهة، وبشأن مآلات المواجهة في حالِ تدخل القوى الخارجية لحسم الموقف من جهة أخرى.

تُعدّ مقالة «منهج العبودية الاختيارية» التي كتبها القاضي الفرنسي إتيّن لابوّتي عام 1553 ونُشرت عام 1576 من التنظيرات المبكّرة لفكر العصيان المدنيّ، إذ اعتبرَ فيها أن «الطغاة يحوزون القوةَ لأن الناس يمنحونها لهم، وأن هجرَ المجتمعِ الحريةَ يتركه فاسداً، مفضلاً عبودية المحظيات على حرية من يرفض التسلط ويأبى الخضوع»، وبمقالة «العصيان المدني» _وكان عنوانها الأصلي «مقاومة السلطة المدنية»_ المنشورة عام 1849، دشّن الكاتب الأميركي هنري ديفيد ثورو فكرة «الاعتماد على الذات وكيف يكون الموقف الأخلاقيّ للفرد سليماً إذا كان بوسعه «مفارقة غيره» عند اختلافه معه؛ بمعنى أنه ليس على الفرد محاربة الحكومة، لكن عليهِ أن لا يدعمها في شيء، وأن لا يستفيد من دعمها له في شيء إن كان معارضا لها«.

وفي مِضمار الممارسة كان المهاتما غاندي صاحب التجربة الأبرز في تجسيد العصيان المدنيّ، إذ بدأ كفاحه السلميّ في جنوب أفريقيا مُدافعاً عن حقوق العمال الهنود بمناهضة العديد من التشريعات المجحفة، مستفيداً من دراسته للقانون، ومعتمداً على تحرير آلاف العرائض وتوجيهها إلى السلطة، وتنظيم المؤتمر الهنديّ في الناتال، وتأسيس صحيفة الرأي الهنديّ باللغة الإنجليزية وثلاث لغات هندية أخرى. وبعد عودته للهند عام 1915 اتسمت آليات المقاومة السلمية التي قادها ضد الظلم الاجتماعيّ والاستعمار البريطانيّ بصلابة مبدئية لا تُلغي أحياناً المرونة التكتيكية، فتارةً نجده يقود حملةً للصيام حتى الموت اعتراضاً على قانون يكرّس التمييز في الانتخابات ضد المنبوذين الهنود، وتارةً نراهُ يتعاون مع بريطانيا في الحرب العالمية الأولى ضدّ دول المحور، ويشارك عام 1918 بناء على طلب من الحاكم البريطانيّ في الهند بمؤتمر دِلهي الحربيّ، وتارةً يتحول للمعارضة المباشرة للسياسة البريطانية مُطالباً بالاستقلال التامّ للهند في الفترة ما بين 1918_1922، مُتوّجاً خطوته تلك بقيادة حركة عصيان مدنيّ صعّدت من الغضب الشعبيّ الذي وصل في بعض الأحيان إلى صدامٍ بين الجماهير وقوات الأمن والشرطة البريطانية، كما نجده أخيراً يتحدى القوانين التي تحتكر لبريطانيا تجارة الملح، بقيادة مسيرةٍ شعبية توجهّت لمسافة أربعمائة كيلو متر نحو البحر لاستخراج الملح، فيما عُرف بمسيرة الملح عام 1930.

ووِفقاً لتناغم قضيتهم الواضح مع الجوهر الفكريّ والتطبيقيّ للعصيان المدنيّ، كيف يمكِن للسوريين أن يتمثلّوا عصيانهم المدنيّ، مُراعين في الوقت نفسه الخصوصية الزمانية والمكانية لتجربتهم؟، إن الإجابة مرهونةٌ بالناشطين الميدانيين على الأرض، فهم من يُلمّ بالتفاصيل المميِزة لمُدنهم وقُراهم عن غيرها، وهم من يتحمّلُ عبء التواصل مع جمهور المواطنين، الذين يشكّلون بدورهم الجزء الأهم في جماعة العصيان المدنيّ. وسعياً لإرساء ثقافة الرفض في نفوس الجمهور، واستقطاب شرائح جديدة لم تتمكن بعد من كسر جدار الخوف، يمكِن أن يستفيد الناشطون من جملة أساليب باتت متداولةً في عُرف العصيان المدنيّ، تبيّن أن اكتساب الجماهير يتمّ من خلال اكتساب النموذج الذي يرفض الانصياع للأوامر، إذ يضمن صمود هذا النموذج أمام العقوبات ازدياد عدد المنضمين للعصيان، وتدعو لوجوب أن يرى الناس أفراداً من الشعب يمارسون العصيان جهاراً ويتحمّلون عواقبه، وتقرّ أن العصيان فضلاً عن كونه حواراً مع الخصم، فهو أيضاً حوار مع المواطنين من خلال تحفيزهم للمشاركة في أنشطة المقاومة، وتُشدد على ضرورة استمرار هذا الحوار واستهدافه لِجرّ المجتمع بأكمله إليه.

وتَطالُ تلك الأساليب التي طورها العديد من الكُتّاب إثرَ امتداد تجربة العصيان المدنيّ لمعظم مجتمعات العالم كافة الحقول في العصيان المدنيّ، على نحوٍ تبدو فيه مُستقاة من مبادئ علم الإدارة وأبحاث تطوير المهارات الذاتية. وبحسب خطة العصيان المدنيّ التي أعلن عنها الناشطون السوريون فإنها تتضمن مراحل متدحرجة، تشملُ الأولى منها الاستعداد للإضراب، وإغلاقاً جزئياً للحارات الفرعية، وإغلاقاً للهاتف المحمول لعدة ساعات في اليوم، مع إضراب جزئيّ عن العمل، وهي خطواتٌ تهدف كما يبدو إلى تهيئة الجمهور لخوض تجربة العصيان، وتتطلّب من خطاب الناشطين إيضاح جملة من الأساسيات التي يرتكز عليها العصيان المدنيّ، متمثلةً في أن جوهر العمل هو استراتيجية اللاعنف، وأن استجابة الخصم تكون مرهونة بطبيعة النشاط.

وتشمل المرحلتين الثانية والثالثة إغلاق المحالْ التجارية أبوابها، وإضراباً في الجامعات الرسمية والخاصة، وفي لحظاتٍ كهذه يُصبح الصدامَ مع السلطات أكثر ضراوة، لذا يمكن لخطاب الناشطين أن يتجه للتركيز على أن وسائل العصيان لا تعرفُ السرية، وأن النشاط وحدَه لا يكفي لتحقيق هدف العصيان، وأن امتزاج عنصر الأنشطة بعنصر العقوبة يُحدث الحافز القويّ للعصيان والتغلب على الخوف من العقوبات، وأن قوة النشاط تكمن في العقوبة التي ستوجّه إلى المقاومين، وأن العصيان ينبغي أن يُنظر له كوحدةً متكاملة، حيث تكون العقوبة بنفس أهمية الأنشطة، وأن التغلّب على الخوف من العقوبة هو أساسٌ رئيسيّ في مبدأ العصيان المدنيّ، عِلاوةً على استفادة كل من الجمهور والناشطين من أخطاء النظام في قمع العصيان وتوظفيها بشكلٍ دقيق لجذب المزيد من الجمهور.

وتتصاعدُ المرحلةُ الرابعة والخامسة والسادسة لتشملَ إغلاق الطُرق بين المدن والأرياف، وإضراب موظفي الدولة، وإغلاق الطرق الدولية مع دول الجوار، مع ضمان استمرار تنفيذ المراحل السابقة، وهي خطواتٌ على مستوىً لافت من اتساع قاعدة جمهور العصيان، وانتشار رُقعته الجغرافية، واحتدام المواجهة مع السلطة، وهذا ما يُشير إلى أهمية نجاح المراحل السابقة في تمهيد الطريق لمُضي المراحل الحالية قدماً حتى النهاية، كما سيجدُ الناشطون أنفسَهم مدفوعين لتعزيزِ ثقافة العمل الجماعيّ اللامركزيّ، مُستفيدين من حجم الجمهور الذي كَسِبوه، ومُتطلعين لتجسيد مناخ عملٍ على نحو من الشُمول، ستكونُ ضمانة نجاحه الأبرز فِرَق العَمل، ففرق العمل تستقي تأثيرها من قلة عدد أفرادها، ومُرونة حركتها، وتجديد إستراتيجيتها تِبعاً لمتطلبات العمل، كما تنطوي على ضمان التعاون والتواصل، وجودة وسرعة الإنتاج، وجَعْل الفريق كلّه مسؤولاً عن العمل والنجاح والفشل، ومَنْح الثقة لكلّ أفراد المجموعة، وتعزيز قدرتهم على اتخاذِ القرارات فيها، ورفعِ مستوى حرية العمل داخلها، وضمانِ الكفاءةَ والنوعية للنشاط الذي تقدمه. ومع تركيزِ الناشطين على أن تشكيلَ مجموعات العمل عادةً ما يتم بشكلٍ طبيعيّ عبرَ العلاقات في مجتمعات الأصدقاء والجيران وزملاء العمل والأقارب، بما تتخلله هذه المجتمعات من تفاهمٍ طبيعيّ وغير مُفتعل بين أعضائها، وإدراكهم لاستحالة أن تُحبط السلطة عملاً لا يقومُ أساساً على تنظيمٍ هرميّ، وتسويقِ خطابهم لضآلة التكلفة الأمنية نتيجة لذلك، وترويجهم لدورِ فرق العمل الفارق في منعِ تكدّس حركات العصيان بالكم البشريّ غير الفعال، يُمكن لهم أن يُحدثوا اختراقاتٍ واضحةٍ في منظومة المواجهة على المدى الطويل. قد يقولُ البعض، وهم على حق في وجه ما، أن آلياتٍ كتبَها أصحابها بهدوءٍ في أماكن بعيدة، قد لا تستقيمُ في بقعةٍ أخرى من العالم خَرج الحُكم فيها عن كلّ ما هو بشريّ، وبَلغ إجرامه حداً لا يتصوره عقل. لكن الفِكر وليدَ الظواهِر، واختلافُ الظواهر في الشكل لا ينفي دائماً اتساقها في الجوهر، وما ألَمّ بغاندي من تخوينٍ وتشكيكٍ على امتدادِ كفاحه الطويل وانتهى بقتلهِ على يدِ أحد المتشددين عام 1948، لم ينفِ رمزيته كمُلهمٍ لكلّ حركات التحرر السلميّة اللاحقة، ولم يُقلل من جدارته بلقب «المهاتما» الذي أطلَقهُ رابندرناث طاغور عليه، «فالروح العظيمة» تتخطى دائماً الموت، بانبعاثها من جديد في وِجدان المُقاتلين من أجل الحياة.

المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى