صفحات الناس

عن “زارا” الأيزيدية التي أحبها الأمير ، فنجت/ عليا ابراهيم

 

 

هل تعتقدين أنه أحبك؟

“نعم. أحبني. خارج المنزل كان مسؤولاً في صفوف داعش، و لكن بين جدران منزلنا، كان زوجي… نعم أحبني، عندها أصبح كل شيء ممكن”.

كنا جالستين على سرير وضع تحت سقف قماش، يحمي المدخل المشترك لخيمتين، إحداهما للجلوس والنوم، والأخرى مطبخ، نظيفتان ودافئتان، على الرغم من ظروف اللجوء الصعبة.

لم يكن قد مضى على لقائنا أكثر من بضعة ساعات، وكنت أتوقع كل شيء، إلا أن أجد نفسي أتحدث مع “سبية” عن الحب.

لا شيء في ضحكة زارا, و هو اسم مستعار,  يدعو الى الريبة في صدقها. ضحكت ولمعت عيناها وهي تقول لي: “نعم أحبني…وعندها أصبح كل شيء ممكن”.

يدها لا تفارق بطنها المكوّر، تحركها برفق، صعوداً ونزولاً، أو بشكل دوائر متلاحقة ومتداخلة. كأنها تختزل الماضي والمستقبل بمداعبة شعر طفلتها، التي لم تولد بعد. ليست متأكدةً بعد، ولكنها تريدها طفلة. “البنات أجمل”، تقول بحزم ممزوج بغنج لا يفارقها.

تخبرني زارا عن المستقبل. ما إن تلد، ستذهب إلى كندا مع عائلتها الصغيرة. محظوظة هي. عند عودتها، بعد سنتين وستة أشهر من الحياة المستقطعة تحت حكم داعش بعد ان تمكنت من النجاة، قال لها زوجها الذي انتظر عودتها إنه يحبها: “الآن أكثر مما مضى”، وهو سيرافقها إلى حياتها الجديدة.

أكثر من عقد من العمر يفصلني عن زارا، و لكن لدينا ابنتان ولدتا في السنة نفسها. نضحك سويةً. ابنتانا قد تصبحان في يوم من الأيام صديقتين.  ابنتي المولودة في كندا، وابنة زارا المولودة في جبل سنجار، والآتية إليها بعد مرور قسري على مدارس الدولة الإسلامية في الرقة.

لا شيء في ضحكة زارا يدعو إلى الريبة في صدقها، وأنا كنت أتوقع كل شيء إلا أن أجد نفسي أتقاسم التخطيط لمستقبل ابنتي مع “سبية”، لا تزال غير قادرة على النوم، بعد أشهر على هربها من حياة استطاعت أن تأمنها لابنتيها، على الرغم من كل شيء.

كل شيء.

ابنتانا قد تصبحان صديقتين. ابنتي التي لا تستطيع حتى أن تتخيل أن ما جرى مع زارا وابنتيها خارج إطار القصص الخيالية التي تعشقها، قد تصبح يوماً صديقة فتاة من عمرها، قضت سنوات ما قبل البلوغ في مدينة تحتضن سوقاً لبيع فتيات أصغر منها سناً.

برفق تلامس زارا بطنها و تبتسم، و هي تكرر ما كانت قالته عندما سألتها إن كانت قد اغتصبت.

“انا أفعل كل شيء لحماية ابنتيّ. أي شيء. لم يقترب أحد منهما. لم تمسهما يد”.

في الرقة، كما في الطريق إليها، عنى كل شيء أيضاً أن تعلم  ابنتيها شروط البقاء. ساعدها على ذلك الشيخ الذي أعطيت له معهما كغنائم حرب، يوم سقطت سنجار، بعد أن تخلى جيرانها الأكراد عن حمايتها، وحمل أهلها العرب السلاح في صفوف داعش.

لعبت الدور بشكلٍ كامل. قبلت الحزام الناسف الذي أعطي إليها كهدية وضعتها في ثلاجة منزلها.

العملية الاستشهادية لم تخطر على بال زارا، و لكن فكرة الانتحار لم تفارقها. كادت أن تنفّذها يوماً بإحراق نفسها مع بناتها، لكن البنات قلن لها لا…لأنهن تردن الحياة.

“ابنتاي أنقذتا كل شيء”، تقول.

هذا الإنقاذ قد يبدو عبثياً، في عالم عاشت زارا رعبه، و شهدت على فظائعه. لا يفارقها مشهد فتيات صغيرات، لا يتجاوز عمرهن الست والسبع سنوات، كانت نساء الحسبة تنزعن وبر أيديهن ليخشنّ ويقلن إنهن قريبات من سن البلوغ. فتيات سلخن عن أمهاتهن وأرسلن إلى مستقبل مجهول.

لن تنس زارا المرأة التي رجمت أمام أعينها حتى الموت بسبب تهمة الزنا.

“العالم الإسلامي الذي احتقن وتظاهر وغضب بسبب رسومات أهانت النبي، لماذا لم يتأثر بما قامت به داعش؟”، تسأل زارا.

“قد أشرب من دمائهم، تقول عند سؤالها عما قد تفعل بجيرانها من العرب، الذين قتلوا رجال عائلتها قبل السبي. تستذكر زارا عمها حين قال لها “لا تنظري هنا. انظري إلى الشمس. اتركي رأسك مرفوعاً، قال لها قبل أن يسقط”.

“كم نكره أنفسنا”، تقول تعليقاً على تعبير “سبية”. تكرهه ولكنها لم تجد مرادفاً أو بديلاً له بعد. “مستحيل أن نشفى. مستحيل أن ننسى”.

تترك يد زارا بطنها، لتمسح دموعها، و تعود إلى مكانها مع ضحكتها التي تخلو من أي شيء يدعو إلى الريبة من صدقها. أكثر ما أذهلها، كان مقاومة ابنتيها لفكرة الهرب يوم صار ممكناً.

لم يكن موقف ابنتيها وحده ما آلمها. كانت هناك أيضاً جارتها السورية. أحكمت خطتها حتى تحميها من أي تبعات قد تترتب على هروبها. فالصديقة التي شاركت زارا ضحكاتها و دموعها على مدى أشهر طويلة، قد تقتل إذا اتهمت بمساعدتها على الهرب. قبل موعد الهرب بشهر، أقنعت زوجها الذي زكاها له، بعد عتقها، الشيخ الذي كان يملكها، بتغيير عنوان سكنها، و قطعت كل صلةٍ بالجارة الصديقة، التي ترغب في التواصل معها من جديد، بعد أن ينتهي كل شيء.

لا تملك زارا صورةً للجارة السورية، لكن على هاتفها النقال عشرات الصور من حياتها في الرقة. على هاتف زارا تتلاصق صور نجوم مسلسلات تركية، مع صور لابنتيها ترتديان العباءة السوداء و ترفعان إشارة الشهادة على ضفاف نهر الفرات، و في بطنها، طفلة لم تختر لها اسماً بعد، لكنها اختارت لها مستقبلاً بعيداً عن جبل سنجار و أهله و جيرانه.

موقع درج

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى