صفحات الرأي

عن موقف الشيوعيين العدائي من الثورة السورية


علي حمدان

تقرأ البيانات الرسمية للشيوعيين اللبنانيين والسوريين، تستمع الى محاضرات وخطابات وتصريحات قادتهم، تحاول جاهداً ان تقرأ بين السطور لتتبين الموقف الفعلي لهذه الجماعة من الثورة السورية، فتجد نفسك، أو بالادق يراد لك ان تجد نفسك، امام موقف ملتبس من الاحداث الجارية. فالكلام هنا يتركز من جهة على المؤامرات الاميركية والصهيونية والرجعيتين العربية والمحلية، ومن جهة أخرى على أهمية المقاومة واولويتها وعلى الدور الوطني لنظام دمشق وسياسته الممانعة، وفي السياق يجري الحديث الخجول عن ضرورة تجاوز أعمال العنف وتحقيق الإصلاح وتمتين الجبهة الداخلية في مواجهة العدوان بأشكاله ومنابته المختلفة.

تنتقل الى الميدان الواقعي والمتخيل (الفايسبوكي) لتختبر على الارض الترجمة العملية لهذه المواقف في البيئة الشيوعية، فتحاول التواصل والنقاش بالموضوع مع أشخاص معنيين فتواجه بانتقادات محدودة وخجولة لنظام الأسد وبحرب شعواء وسافرة ضد الثورة السورية ومؤيديها، ويصل الأمر في بعض الحالات الى حدود الشتائم والتخوين. هنا تشعر ان الكثير ممن تحاورهم في هذا المجال ينطلق ضمنياً من وهم ارجحية أخلاقية، شيوعية، اي “تقدمية” و”ثورية”، تحديداً، تؤهله للحكم على الآخرين وتصنيفهم من اليسار الى اليمين، ومن التقدمي الى الرجعي، ومن الوطني الى الاميركي والاسرائيلي، ومن المناضل الى الخائن والعميل.

إذن، نحن هنا، فعلياً، وبعيداً عن الإخراج “الديبلوماسي” الرسمي، امام موقف عدائي، بل وفي منتهى العدائية، للشيوعيين من الثورة السورية، يطرح ويمارس، أي الموقف، إنطلاقاً من خصوصية الشيوعيين وبالاخص في سياق الخطاب المعادي للغرب والصهيونية والرجعية والحركات الإسلامية (طبعاً باستثناء حزب الله، لطابعه “اليساري”، “التقدمي” و”العلماني”).

بالطبع، هذا الموقف هو السياق الاكثر فعالية لخدمة عصابة الإجرام الأسدية في بيئة لا تستسيغ، لعوامل عديدة، التماهي المباشر مع خطاب النظام السوري. ولعل أبرز الامثلة على هذا الموضوع هو الارتباك الذي واجهناه في سيدني – استراليا لدى محاولة التواصل مع النقابات الاسترالية والحزب الشيوعي الاسترالي في سياق النشاطات الداعمة للثورة السورية حيث أبلغنا المعنيون أن أطرافاً شيوعية لبنانية أعطوهم معلومات تحليلية مشوهة عن حقيقة حراك الشعب السوري وعن طبيعة نظام دمشق… طبعاً، أتى هذا الاعتراف بعد توضيح الصورة والاشكالية الشيوعية اللبنانية والسورية في الموضوع المعني.

نحن نعيش في زمن ربيع الحرية والكرامة الاصيل لشعوبنا العربية والذي ترويه جماهيرنا، وبالاخص في الثورة السورية، بدمائها الطاهرة يومياً… إنه زمن الحقيقة والشفافية والمواجهة مع الكذب والنفاق والخداع… إنه زمن التغيير واسقاط الاوهام والاصنام والايديولوجيات الفارغة على أنواعها، ومن ضمنها في موضوعنا هنا الايديولوجية الشيوعية، وذلك بإنعقادها أيضاً على ايديولوجية القومية الاسدية وايديولوجية المقاومة الاصولية الطائفية الحزب اللهية.

لنبدأ بموضوعنا الاساسي، اي بالايديولوجيا الشيوعية… طبعاً، الموضوع يتعدى هنا الثورة السورية والموقف المشين للشيوعيين اللبنانيين والسوريين تجاهها الى الجذر الفكري – السياسي الشيوعي نفسه من قضية الجماهير وحقها بالحرية وتقرير مصيرها بنفسها من خلال إنتخابات حرة ونزيهة وديمقراطية. جوهر الموضوع هنا يتمثل بالرؤية الماركسية لتعاقب التشكيلات الاقتصادية – الإجتماعية في التطور التاريخي وصولاً الى التشكيلة الشيوعية.

يرى ماركس، ومعه انغلز، ان التشكيلة الشيوعية على خلاف التشكيلات التي سبقتها، العبودية والاقطاعية والرأسمالية، والتي كانت تتوالد من أحشاء بعضها البعض (كونها جميعاً قائمة على الصراع الطبقي والإستغلال)، لا يمكن آن تقوم في أحشاء الرأسمالية وتتطور في أحضانها لكي تتجاوزها في مرحلة محددة، كما حصل مع التشكيلات السابقة.

من هذا المنطلق وصل ماركس الى ضرورة القطع مع الرأسمالية، أي الى ضرورة الثورة. ويفصّل ماركس هذا الموضوع باستيلاء الطليعة الواعية والمنظمة، اي حزب الطبقة العاملة على السلطة السياسية وإقامة دكتاتورية البروليتاريا (عملياً دكتاتورية الطليعة، أي النخبة، التي يفترض ان تمثل مصالح البروليتاريا الجاهلة وغير الواعية لذاتها ودورها) لكي يعاد بناء المجتمع، بالقوة الغاشمة، على أسس شيوعية. اي ان هناك إقرارا فكريا سياسيا ماركسيا معللا بعدم أهلية الجماهير لاستيعاب التغيير المطلوب، وبالتالي هناك حاجة لنظام دكتاتوري يفرض التقدم بالقوة.

طبعاً، لم تتحقق أماني ماركس ورفيقه، وهكذا وبعد إنتهاء مرحلة المخاض الثوري الاوروبي في المنتصف الثاني للقرن التاسع عشر، ومع استقرار النظام الرأسمالي وموت كل من ماركس وانغلز، انقسمت الحركة العمالية عمودياً في مواجهة تحدي التغيير المطلوب.

هنا تمرد قطاع واسع في الحركة العمالية على تعاليم ماركس وانغلز (أبرز المنظرين في هذا المجال كانا كاوتسكي وبليخانوف) فنشأ التيار الاشتراكي الديمقراطي الذي نشاهده اليوم في اوروبا، والذي نادى في الجوهر بإمكانية التطوير والتغيير في أحشاء الرأسمالية وصولاً الى مرحلة مستقبلية في التاريخ يمكن تجاوزها بشكل سلمي وحضاري. وفي هذا السياق أكد الاشتراكيون الديمقراطيون على أهمية النضال المطلبي وتعزيز الحريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للجماهير، وبالتالي الدفع من خلال البنية القائمة الى تحسين شروط حياة الإنسان في كافة المجالات، وبشكل متدرج وصولاً الى تحقيق المساواة الكاملة.

التيار الثاني الذي نشأ في الحركة العمالية هو التيار الذي استمر بتعاليم ماركس و انغلز الفكرية – السياسية التقليدية في فهم عملية التغيير وضرورة الثورة وإقامة دكتاتورية البروليتاريا. وسمي هذا التيار منذ ذلك الحين بالتيار الشيوعي في الحركة العمالية وأسس في مطلع القرن العشرين ما يسمى بالكومنترن، اي “الاممية الشيوعية”، وذلك في مواجهة الاشتراكية الديمقراطية. وكما هو معروف فقد لعب فلاديمير ايليتش لينين الدور القيادي الابرز في هذا التيار.

ما الذي نفهمه من هذا السرد التاريخي الضروري للحركة العمالية العالمية – اي الاوروبية – واعلامها وتياراتها، اي لحركة اليسار الحديث!؟ التيار الشيوعي، وبعيداً عن وعي، او جهل، العديدين من أتباعه، هو بالجوهر لا يؤمن بالجماهير وحريتها وديمقراطيتها السياسية في مجال التغيير والتقدم الى المستقبل. الشيوعيون يؤمنون بدور الطليعة النخبوية التي تقود بالقوة الجماهير الجاهلة، وربما الرجعية، من اجل تحقيق التطور “التقدمي” للمجتمع. بالضبط، هذا ما حصل مع اللينينية إثر إنتصار ثورة اكتوبر حيث حُكمت روسيا وتوابعها بالقبضة الفولاذية لتحقيق التغيير تحت راية الديمقراطية الاقتصادية – الاجتماعية وبالضد من الحرية والديمقراطية السياسية الامر الذي ادى الى تصفية الملايين وانتهى بالانهيار الكرتوني الصاعق للاتحاد السوفييتي.

هذا الجذر الايديولوجي الشيوعي الذي لا يؤمن بالجماهير وحريتها وحقها بالديمقراطية السياسية، ويعتبرها مجرد خزعبلات تخدم الرجعية والبرجوازية المحلية والامبريالية العالمية وبإنعقاده مع تصورات زائفة وتجريدية حول “الرجعية” الإسلامية لجماهيرنا، وبالخضوع التجويفي لمنطق القومية الأسدية وأساطيرها في التقدمية والعلمانية والممانعة، وفي الدفاع المشوه والقاصر عن ايديولوجيا المقاومة الاصولية والطائفية الحزب اللهية، وذلك في ظل انتمائها البنيوي لولاية الفقيه وللسياسة التوسعية الإيرانية، يكون الشيوعيون اللبنانيون، ومعهم رفاقهم الشيوعيون السوريون، انتجا معاً ذروة المأساة الشيوعية المحلية وذلك بتزاوج بؤس الايديولوجيا ودموية الطغيان وعهر الاصولية الطائفية ، الامر الذي نعاني منه اليوم في تجسده موقفا مرضيا، رجعيا ومخزيا تجاه الثورة السورية العظيمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى