صفحات سوريةكمال اللبواني

فكرة الربيع


د. محمد كمال اللبواني

((أركض برجليك هذا مغتسل بارد وشراب ))

فكرة التمرد على النظام الشمولي , والاحتجاج الواسع الشعبي عليه , مأخوذة أصلا عن ربيع براغ , الذي خرج ضد النظام الشيوعي العميل للسوفييت ، والذي سحقته الدبابات الروسية  بكل وحشية ، والذي تكرر ناجحا بعد أن تخلى الروس عن فكرة السيطرة العسكرية على أوربا الشرقية ، فسقطت أنظمتها  تباعا وبشكل دراماتيكي  في نهاية الثمانينات من القرن الماضي ، وحاول ربيع بكين تقليده لكنه سحق , وصولا إلى ربيع دمشق الذي سحق أيضا في عام 2001 , والذي دفن رموزه في السجون ليعود للظهور , وبشكل مفاجئ ورائع , على شكل ربيع عربي , أطاح بمعظم أنظمة الفساد والاستبداد الشمولية العسكرية الأمنية , و سيطيح بالباقي قريبا إن شاء الله .

وأساس فكرة الربيع هي الحرية ، وهو شعار سياسي يعني أن الشعب يريد ، وهو من يختار الحاكم ، لا أن يختاره له عصابة ( حزب ) ، تقود الوطن وتحول المواطن إلى كائن مأمور مجبر على فعل كل شيء ، فاقد لكل مستويات الحرية في كل شيء ، لأنه في النظام الشمولي , تحتل السلطة عبر مؤسسات الدولة المتضخمة ، كل مساحات النشاط السياسي الاقتصادي والاجتماعي . فنشعر أننا في سجن كبير وشامل  ، ويتسبب القمع والتنكيل المستمر ين , بزرع قوة مراقبة رهابية في داخل كل نفس ،  تمثل السلطة وتصبح هي من تحرك سلوك ولسان الفرد ,  الذي يسلب منه كل شيء حتى ذاته  . وفكرة الحرية تجد معناها هنا ,  بالتحرر أولا من الخوف , وقتل هذه الأنا المزيفة , التي دخلت كفيروس إلى ذهن الإنسان , وهي ترمز إلى تلك السلطة الأبوية القمعية المستعبدة المجرمة ، قبل أن تنتقل إلى أفعال حقيقية تحطم فيزيائيا وماديا مؤسسات تلك السلطة , وهذا التحرر يتسبب بذلك الشعور الفريد العارم بالفرح , عندما يطلق المتظاهر صيحة التحدي الأولى , لنظام الخوف والطاعة البغيض الحاكم داخل الأنفس وخارجها .

لذلك ومنذ طرح فكرة الحرية ، فذلك يعني إسقاط النظام ، الذي يعتبر ساقطا منذ أشكال التعبير الأولى التي ظهرت ككتابات على الجدران ، متحدية نظام الخوف والخنوع  ,  والتي لم تنجح كل آليات القمع والتعذيب والقتل في إعادة ترميمه .

قلنا حرية رأي  وتداول سلطة وانتخابات حرة ..   جن جنونهم فأصبحنا خونة ومندسين  وإرهابيين ومتآمرين على المقاومة ونريد تخريب الوطن , وما دخل المقاومة هنا ؟ وأية مقاومة سيشكلها إنسان مذعور لا يجرؤ على التفكير أو النطق أو حتى الاستماع , وأية مقاومة تلك التي تقوم بها عصابات تشبيح , تستغل فكرة المقاومة لتشكل تمردا مسلحا على النظام العام  و فكرة الدولة , والانضباط القانوني المتساوي مع الآخرين ، والانضباط الخلقي أيضا . والتي انطلقت بعملية قمع وحشي ، ليس فقط للمتظاهرين المغادرين لدائرة الخوف ، بل للمؤسسات الأمنية التي كلفت بقمعها ، والتي يخشى أن تنتقل إليها عدوى التمرد هذه . وهكذا وبانتظار توسع دائرة التحرر وتآكل دائرة الخوف تستمر حالة الحراك ، ويستمر القمع الوحشي والتنكيل  والقتل ، وتتطور وسائل  وفنون مقاومته , ويظهر هنا الذكاء مقابل القوة  ، والحق مقابل السيف . وتكتب ملحمة الحرية بحناجر المتظاهرين  وجسد كل معتقل معذب ينتهك بكل أشكال الانتهاك , وصولا للشهادة التي زارت كل حي وقرية وعائلة .

هذا المشهد يلخص كل أنواع وأشكال الشعارات وأسماء الجمع , ويشكل جوهر  فكرة الربيع التي هي الحقوق والحريات والنظام القانوني المتساوي المطبق على الجميع , وهي كلها شعارات وطنية  مدنية ديمقراطية بامتياز , ولا علاقة لها بدين أو طائفة أو قومية ، لذلك أستغرب الحديث عن حرب أهلية ، فلم أسمع أحد يريد تغيير عقيدة أو دين أحد .. لكن فقط النظام , هو من يحاول توسيع قاعدته وأعداد شبيحته ,  هو من يورط طوائف وأقليات في دخول الصراع وربط مصيرها بمصيره ، وكذلك أيضا كل من يفترض أن وجوده كأقلية , مرهون ببقاء أغلبية الشعب تحت نير الاستعمار أو الاستبداد والتنكيل و الإهانة والتعذيب , ويتوهم أن وجوده التاريخي مهدد بفكرة الحرية , التي هي  فعلا من يضمن له حقه في البقاء ,  وكرامته وتساويه مع الآخرين بعدالة ونزاهة .

أما عملية إضعاف فدرة عصابات التشبيح ومن يأتمر بأمرها , فهي تتطلب توسيع دائرة الاحتجاج الشعبي والعصيان المدني ,  و وزيادة هامش تمرد أو سلبية  المؤسسات الأمنية , و وتطوير قوى المقاومة التي تحاول ردعها , و التي يمكن لها تلقي الدعم من الخارج ، كما يتلقى النظام دعما من الخارج , المتحالف معه والمشابه له ,  فأنظمة التشبيح متضامنة وكذلك الشعوب الحرة ، وهذا يلخص الجدل  الجاري حول التدويل والدعم من الخارج ، فالقمع ليس الداخل , وليس وطننا لأحد ،    والحرية ليست الخارج , والنظام الذي وزع السلاح على شبيحتهمتذرعا بثقافة المقاومة ، و حماية السلاح المقاوم , الذي لم يستخدم إلا لقتل الشعب بكل أسف ، هو من ينكر على الضحية تملك وسائل مقاومته ، فلو كانت موالية له لجاز لها حمل السلاح . أما ضده فذلك بنظره جريمة وإرهاب , مع أن الدفاع عن الأهل والإنسان والأسرة والقرية والحي .. هو معنى المقاومة الحقيقي , و من يدافع عنهم هو من يتمتع بشرعية حمل السلاح حقيقة .

أما الخارج فهو منقسم  بين داعم للنظام وبين منزعج منه  وبين داعم للحرية , وسلوكه يتراوح بين الإدانة والمقاطعة والعقوبات ودعم المعارضة .. ومنظمات المجتمع العربي والدولية يبدو أنها مصممة كي لا تعمل , فهي في نهاية المطاف غير منتجة ولم تقدم أي شيء مفيد عمليا بعد تسعة أشهر . والنظام العالمي مصمم لخدمة مصالح الدول التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية ، ولا علاقة له بتنظيم العالم , وتنظيم قيام ونشوء الدول وسلوكها , ولا حقوق الشعوب , ولا قدرتها على إنتاج السلطات التي تمثلها , ولا حتى إدارة أي أزمة اقتصادية أو إنسانية أو بيئية .. وهي أيضا بحاجة إلى ثورة تقول : العالم يريد ، وليس فقط الشعب يريد , وهذا  لا يجب  أن  يدعونا للإحباط بل لتوسيع آفاق الثورة نحو تغيير العالم أيضا .

وقدرة النظام على استعادة السيطرة عسكريا ومؤقتا ، فكرة ممكنة نظريا بشروط خاصة ، لكن أن يفرض سلطته فعليا على سلوك البشر خارج سجونه وبعيدا عن حواجزه ، فهي فكرة مستحيلة ، باستحالة إمكانية إعادة الناس إلى دائرة الخوف , وبشكل خاص الشباب والأطفال ,  المستعدين للموت بشجاعة لم أرى أو أسمع عن نظيرها .. والله ,  وأنا متأكد أن هذا الشعب لن يسمح لأي سلطة غير منتخبة ,  عبر انتخابات نزيهة , أن تحكم وتفرض سلطتها ، فذلك يتطلب قبول الناس , وقناعتهم واحترامهم , وليس خوفهم بعد الآن .  فالربيع قد نجح , والثورة انتصرت عمليا ,  والسلطة في الشارع قد سقطت , وما تبقى هو جزر أمنية ومعسكرات معزولة وحواجز ، يخرج منها من يسلب ويقتل ويخطف ، ثم يعود أدراجه ، وهي أيضا تضعف وتتآكل ويتسرب خارجها الكثير من العناصر الذين ينضمون للشعب , أما من يحكم الأرض فهو العرف والناشطين , وهم سلطة حقيقية ديمقراطية مباشرة رائعة التنظيم كبيرة الانضباط ، مما  يجعل أي مخاوف من انفلات الوضع بعد سقوط النظام غير مبررة على الإطلاق ، والتعجيل بسقوط هذا النظام بأي وسيلة , سيعني فقط تقليل حجم الخسائر والمعاناة

فالمعارضة على الأرض موحدة ومتماسكة ومنظمة وهي تتقدم بخطى ثابتة منذ ثمانية أشهر ، أما رموزها  فهم من يختلفون بالرأي إن كانوا في الداخل أم في الخارج , وخلافاتهم أو حتى تنافسهم لم ولن يعيق هذه الثورة , ولكنه لا يفيدها  ، ويعرقل الدعم المعنوي والمادي ويعطي صورة غير صحيحة عن نزاهة وبطولة وشهامة من ينشطون على الأرض , ويقدمون التضحيات اثر التضحيات  …..                   والله الموفق .

كلنا شركاء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى