صفحات الرأي

في المعالجة الثقافية لظاهرة التطرف/ أنور الجمعاوي

 

 

 

من المفيد التنبيه إلى أن التطرف ليس ظاهرة موجودة داخل البلاد العربية والإسلامية دون غيرها، فنحن إزاء ظاهرة اجتماعية عابرة للديانات السماوية والوضعية، والأيديولوجيات اليمينية واليسارية وغيرها، فالتطرف بما هو موقف فكري، وشعور وجداني وسلوك عملي، هو فعل وجودي مؤسس على الغلو والاعتداد بالذات، وادعاء امتلاك الحقيقة على جهة الإطلاق، وإقصاء المخالف، والتمكين للأنا بديلاً من الآخر، والتطرف من هذا المنظور هو خروج عن المألوف والتعايش المشترك، ومحاولة لتقويض السلم الاجتماعي، وفرض موقف ما، أو نمط عيش ما على المجموعة.

والواقع أن العرب شهدوا على مدى عقود من قيام ما تسمى دولة الاستقلال صعود تيارات سياسية أو دينية، موسومة بالتطرف في مستوى فهمها النص الديني، أو في مستوى موقفها من الراهن الحضاري للمجتمعات العربية، أو موقفها من أنظمة الحكم السائدة ونمط العيش الحديث. وجرى التعامل مع تلك التيارات المغالية بطريقة أمنية في الغالب، فانتهجت الأنظمة التسلطية العربية نهج القمع، والأسر، والنفي في التعامل مع من تسميهم المتطرفين أو الضالين، أو الخارجين على الدولة وعلى القانون، وأدت المعالجة الأمنية لظاهرة التطرف إلى نتائج عكسية، فازداد المقموع تشبثاً بما قُمع لأجله، وازداد المتطرف تطرفاً، وتزايد عدد المتعاطفين مع ضحايا القمع، فأنشأت الدولة المستبدة حاضنة اجتماعية للمتطرفين، من حيث تدري، ومن حيث لا تدري.

والرأي عندنا أن المدخل الأمني وحده غير مجد في مكافحة التطرف، ونذهب إلى أن المسألة يجب أن تعالج من منظور أنثروبولوجي ثقافي، ينبني على أربعة أسس. المقاربة التفهمية لظاهرة التطرف، وإعادة ترتيب علاقة العربي والمسلم بتراثه النصي والتاريخي، وإشاعة ثقافة التنوير، وتوظيف قنوات تشكيل الوعي الجمعي في نشر ثقافة الاختلاف والتسامح، بديلاً من ثقافة التعصب والرأي الواحد.

ونعني باعتماد مقاربة تفهمية لمعضلة التطرف ضرورة فهم الظاهرة، وتمثل أسبابها وإدراك كيفيات اشتغالها قبل إصدار أحكام نهائية، زجرية على الذين وقعوا في شرك التطرف، فمن المهم، من منظور أنتروبولوجي، تفكيك هذه الحالة الاجتماعية من الداخل، بالبحث في المعطيات التي أسهمت في إنتاجها، وأدت إلى انتشارها، فالظروف الاقتصادية من قبيل الفساد المالي، وتزايد نسب الفقر والبطالة، ومَركزة الثروة لدى حزب محدد أو طبقة معينة، وشيوع الرشوة والمحسوبية، وانقلاب القيم. ذلك كله أدّى إلى نزوع بعضهم إلى التطرف في مواجهة أجهزة الدولة. كما أن اعتماد سياسات العلمنة القسرية والتدخل في السلوك الديني والانتماء العقدي للأفراد، والتضييق على حرياتهم الشخصية في التفكير، والتعبير، واللباس، يندرج في إطار ما تسمى العلمانية الإقصائية التي قد تواجه بتدين إقصائي. من هنا، تشخيص التطرف ضروري، ومحاورة المتطرف أمر مهم قصد فهم بُناه الفكرية والنفسية والمعطيات الذاتية والموضوعية التي صنعت منه متطرفاً. ومن ثمة، تُيسّر المقاربة الثقافية التفهمية استيعاب ظاهرة الغلوّ، وتفكيكها، والوعي بمولداتها ومآلاتها وكيفيات معالجتها.

وإعادة ترتيب علاقة المسلم بتراثه من أهم أبواب المعالجة الثقافية لمشكلة التطرف، فمغالون في الدين داخل السياق العربي والإسلامي، يتعاملون مع المخزون النصي والتاريخي للأمة تعاملاً انتقائيّاً، فيعمد بعضهم إلى قراءة النص التأسيسي، قرآنا وسنة، قراءة بعدية مبتورة، تقوم على إخراج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من سياقاتها النصية، وأطرها التاريخية، فيجري تغليب منطق القتال والتكفير، والإقصاء وادعاء امتلاك الحقيقة على منطق التسامح والاعتراف بالآخر في النص الديني. وذلك راجع إلى أن هؤلاء يقرأون النصوص وفق أهوائهم، ويتناسون أن فهم الخطاب القرآني، والمأثور عن النبي، لا يتم من دون الدراية بأسباب النزول ومناسباته، وقراءة كتب التفسير والسيرة والسنة النبوية. لذلك، إعادة قراءة النص التأسيسي قراءة معاصرة، شاملة تبرز وجوه السماحة في الإسلام/النص والإسلام/ التاريخ أمر ضروري، اليوم، لأن المفترض أن الدين جاء “رحمة للعالمين” والقرآن أقر حرية المعتقد في قوله “فلكم دينكم ولي ديني”، “ولا إكراه في الدين”، “ولكل منكم جعلنا شرعة ومنهاجا”.

ومن ثمة، يتعين توجيه نظر الناس نحو هذه النصوص التي تشرع لثقافة الاختلاف بدل الأحادية، وتكرس التواصل بدل التنافر والانفتاح بدل الانغلاق، فيتعين الإعلاء من البعد المقاصدي للدين، في حرصه على الصالح العام، وعلى حفظ النفس البشرية وتأمين الفاعلية الإيجابية للإنسان في الكون. وعوض تركيز بعضهم على آيات القتال في الخطاب القرآني التي وردت في سياقات تاريخية آنية مخصوصة، وتمحّضت، في أغلبها، للدلالة على الجهاد الدفاعي أحرى بنا توجيه انتباه المتطرفين، وغير المتطرفين، إلى عشرات الآيات القرآنية الداعية إلى المسالمة والملاينة، وحسن معاملة الآخر، والمجادلة بالتي هي أحسن.

وفي مستوى الإسلام/ التاريخ، فبدل الاستغراق في التمذهب، والبحث عن الفرقة الناجية والفرقة الكافرة، أحرى بالعرب والمسلمين، في منعطف الألفية الثالثة، إحياء المتن العقلاني في التراث العربي الإسلامي، عبر استحضار تجربة بيت الحكمة ودعم حركة الترجمة، وإعادة الاعتبار للفكر الاعتزالي، وللمدرسة الرشدية، ولمجالس التثاقف، ومنتديات التفاكر التي كانت في حواضر المسلمين.

وبذلك، يساهم إرساء مصالحة عقلانية مع تراثنا في الحد من التطرف، والارتهان الانفعالي إلى الماضي من ناحية، وتمكننا من توظيف مخزوننا الحضاري المستنير في الانتماء إلى العصر، والفعل فيه. ذلك أننا، اليوم، لسنا في حاجة إلى تقسيم العالم إلى دار حرب ودار كفر، بل نحن في حاجة إلى الانتماء إلى مجتمع المعرفة. وتقتضي المعالجة الثقافية للتطرف، في هذا المستوى من التحليل، إشاعة ثقافة التنوير، فمن المهم تربية الناشئة على قيم المواطنة، ومبادئ ثقافة الاختلاف واحترام الآخر، والإقرار بالنسبية وضرورة التعددية، فالتعصب لا يسمح للمتعصب بمعاينة الأشياء والظواهر معاينة موضوعية شمولية، والتطرف لا يؤدي إلى تجميع الناس، بل إلى تفريقهم، ولا يسمح بإنتاج مجتمعات مدنية تثاقفية، بل يؤدي إلى إنتاج مجتمعات أحادية نمطية، تُحجّر فيها الحريات الفردية والجماعية، وتُصادر فيها الآراء ويُحاصر فيها الإعلام، ويُحكم فيها الناس بالحديد والنار.

وعليه، المدنية هي البديل من التطرف، والحرية هي المضادّ الحيوي للتعصب، والمواطنة هي البديل من الطائفية الأيديولوجية أو الدينية المنغلقة. والواقع أننا في حاجة أكيدة، اليوم، إلى نشر الفكر الإصلاحي الذي ظهرت بواكيره مع محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وخير الدين باشا وغيرهم. بل إننا أحوج، اليوم، إلى تعميم منتجات الفكر العربي الحداثي المستنير الذي دعا إلى العصرنة، في غير انبتات عن هويتنا العربية الإسلامية، ودعا إلى إعادة بناء العقل العربي، واستئناف مساهمته الفعالة في صياغة المشهد الايبستيمي الكوني. ونجد صدى لذلك في مؤلفات محمد عابد الجابري وعزمي بشارة وهشام جعيط وكمال عبد اللطيف وبرهان غليون، وسواهم ممن فصّلوا القول في مشكلات العلمانية والدولة والدين وتمدين المجتمعات العربية. ويندرج نشر الأفكار التنويرية، بامتياز، في إطار المعالجة الثقافية للتطرف، فمن المهم دمقرطة الوعي العربي الإسلامي، ونشر الثقافة العالمة بديلاً من الثقافة المتعالية أو الثقافة الطاردة للآخر. وهذا لا يتأتى إلا بتوظيف قنوات تشكيل الوعي الجمعي من وسائل إعلام، ومؤسسات تعليمية ودور شباب، ومواقع في الإنترنت في تعريف الناس بماهية التطرف، وأسبابه، وسوء مآلاته، وانعكاساته السلبية على الفرد والجماعة، وتعريف الأجيال الصاعدة بالجوانب النيرة في التاريخ العربي الإسلامي، وتوجيههم نحو الإفادة من التراث والانفتاح على العصر، وتدريسهم ثقافة الاختلاف والتسامح.

يبقى مشروع إعادة بناء العقول من أنجع السبل في مكافحة التطرف، ذلك أن تنوير العقل مؤد، بالضرورة، إلى تعديل السلوك وتطويره نحو خدمة الفرد والجماعة، وكسب معركة الحضارة والانتماء إلى عصر الحداثة.

العربي الجديد

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى