أحمد عمرصفحات الناس

في بيتنا ملائكة/ أحمد عمر

 

 

“في بيتنا رجل”، قصة لإحسان عبد القدوس، تروي حكاية عودة الوعي الوطني لأسرة مصرية، ويمكن القياس عليها، والقول: إن قصة “في وطننا ذئب”، هي قصة الدولة الوطنية بعد الاستقلال المغشوش، الذي أغرى الغزاة.

سأعود إلى ذكر أخبار هرتنا التي أنجبت ثلاث هريرات..

اهتدى هريران وليدان، ما تزال أعينهما مغمضة، أغبر، وأدهم، إلى ضرع أمهما، وبدأا بالرضاعة، لكن الهريرة الثالثة الصهباء، ما تزال تائهة في بيداء الوبر عن اللبن.

يقول العلماء: إن كثيراً من حَوارات حيوان اللاما تموت، لأنها تتوه عن سبيل ضروع أمها. لاحظت الأسرة كلها، وهي تجلس فرادى أو جماعات، متأملة الهرة وهريراتها، كأنها سمك زينة في حوض الكرتون، أن الهرير الأدهم قوي، يقتحم ميدان الوبر الدافئ، ويتوسد بطن أمه طائحاً بأخويه، ويبدأ الرضاعة إلى أن يسكر من شدة الجهد والشبع. حاولنا إغاثة الهريرة الشقراء، وعزلنا الشقيين عن الضروع، دقائق، لكن يبدو أن شهيتها مفقودة.

أكثر الإحصاءات العلمية تقول: إن أنثى بني آدم أصلب من الذكر، وأطول عمراً، والأمر ليس فيه كيد، ولا دهاء، فليست الحروب وحدها تقصف عمر الرجل، المرأة أيضاً تقصف عمره، شوقاً أو وجداً، ضلع آدم السابع أعوج، والعوج فيه نجوة من قسوة هذه الحياة، التي تأكل أصحاب الخلق القويم والأضلاع المستقيمة.

بلغت أعمار الهريرات الثلاث سبعة أيام، ولا يزال الحبل السري يتدلى من بطن الهريرة الصهباء، وقد خطبها الجيران، اكتتبوا عليها، كما في لغة الحزب البعثي العربي، والتقنين الاشتراكي.  وأبدى أصدقاء من حلب الألمانية في فرانكفورت، وتلبيسة الألمانية في بوخوم، ودرعا في ولاية بايرن، رغبتهم بالقدوم إلينا حال بلوغ الصهباء سن البلوغ، لكنها، كما قال ابن الرومي في رثاء ابنه، تذوي كما يذوي القضيبُ من الرَّنْدِ.

وقد وجدت أن من أسباب رغبة المسلمين في الهرة وإعراضهم عن الكلب رعايةً، قصة أبي هريرة الشهيرة، التي قص قميصه حتى لا يفسد نومها الكريم، وأن الهرة بديعة التكوين، فالمرء عندما يرى أنثى جميلة، يقول في وصف حسنها: مثل قطة، وقد يضيف إلى القطة حرف العين، فتوجع الحلق، فيقول: قطعة، وسوى ذلك؛ النظافة، فهي من أكثر الحيوانات عناية بالنظافة، لا يغلبها سوى السمكة التي تقضي حياتها في حوض الاستحمام، تغتسل من جنابة خارجية، ستقضي نحبها منها.

ولعاب الهرة طاهر، وهي تحرص على دفن روثها، وتحب الشمس، وهي إضافة إلى هذه المحاسن والمناقب، توافق هوى مثال الشعر العربي في الأنثى المرغوبة، والتي قال فيها الأعشى: يَكادُ يَصرَعُها، لَوْلا تَشَدّدُهَا، إذا تَقُومُ إلى جَارَاتِهَا الكَسَلُ، والحق أن الهرة تجمع بين النشاط والكسل.

وهي صفات تسبق بها الكلب، الذي نشتم به خصومنا فنقول: فلان كلب، أو ابن كلب، إذا أردنا أن نزيد في مدحه هذه الأيام، وهو القاتل السادس في العالم بسبب الأمراض التي يبثها، والكلب “البشري” هو القاتل الأول في سوريا، ومصر، والمواء أطرب من النباح، ولكل هواه، والغرب يميل إلى الكلب أكثر، وكان أمره فرطا.

وأظن أن سبب إقبال السوريين على الهرة في ألمانيا، وقد وجدته من إسراعهم إلى اقتناء الهريرة، هو الحنين إلى حضن الوطن، وكانت سوريا قد اجتهدت في أمر واحد ثقافياً، هو الشعر الجاهلي، فتكدست الدراسات في الجامعات، حتى صار أحد كتاب الشعر الجاهلي رئيساً لاتحاد العرب بكتاب عن “الحيوان في الشعر الجاهلي”، لصرف النظر عن الحيوان في القصر الجمهوري، طبعاً هذا ليس هو السبب الرئيس، في اختبار المذكور رئيساً لاتحاد الكتاب العرب، فليس للرئيس السابق كتب عن الحيوان في الشعر الجاهلي، ولا اللاحق، السبب هو داء الكلب. فالكلب داء طبعي، غير السعار، هو الذلة.

كنت أطمح إلى كتابة كتاب عن الحيوان في السيرة النبوية، وقد قرأت مقالات عنها، لم تروِ غليلي من العطش إلى الكلام بلغة الطير، ولا أزال أؤمن أنه في قصص الحيوان في السيرة النبوية دراما كامنة، ودروس، وعبر.

وكنت أحب كثيراً عجز البيت الشعري في قصيدة نزار قباني الدمشقية التي يقول فيها: “وقطّةُ البيتِ تغفو حيثُ ترتـاحُ”، وقد عرض علي أصدقاء مالاً مهراً لهريرتي الصهباء، فذكرتهم بالحديث الشريف، الذي نهى عن أكل الهر وثمنه، الهرُّ ملكية عامة، فهو ينتاب حياً كاملاً، أما الكلب، فملكية خاصة.

الهرة اشتراكية، والكلب رأسمالي.

الكلب أذكى، وأكثر لعباً من الهر، لكن للناس أسبابهم وأهوائهم، وقد رغب كثير من الألمان إلى حيوان الهامستر، ويسمونه في ألمانيا باليربوع الدمشقي، ولم أسمع بشاميّ واحد يربي الهامستر. وما زلت مذهولاً ببطولة الفأر العالمية، التي طوبتها وصدرتها ديزني لاند عبر أفلامها ومجلاتها، ونصرتْ ميكي ماوس على الهر توم. ولم أستحلِ فيلم الفأر الطباخ “رات تويلي”، فهو فيلم منكر، وسبب نكارته هو أن شكله ما يزال يشبه شكل الجرذ العادي، أما ميكي ماوس، فقد كان خلقاً جديداً، كأنه ليس فأراً.

كنت أمشي وصديقي في حي حلبي في أوائل الثمانينيات، فوجدت موظفاً في البلدية يدس سماً في حجور الجرذان، وعرفت أن بلدية حلب لا يزال بها خير، لأنها استجابت لمحاضرة تقول: إن حلب مهددة بالدمار في سنة 2030 بسبب كثرة جرذانها، فذكروني بسدّ مأرب الذي سقط بالفئران، وربما كان السبب في استجابة بلدية حلب لنداء محاضرة، في دار الكتاب الوطنية، تنذر أهل حلب من الفئران، هو أن السمَّ لا يؤكل، وإلا كان قد سرق بسبب الفساد، ثم كان أن دمرت حلب بسبب الجرذان البشرية.

الجرذ حيوان المختبرات، وأقربها للإنسان الأمريكي، فالأمريكي هو أفسد مخلوقات الأرض طراً، ولهذا أحب الأمريكان ميكي ماوس، وجعلوه بطلاً ينتصر على الهر توم، يقول المسيري: إن أفلام توم وجيري دعوة مقنعة للارتماء في حضن الطبيعة والمادية، فالفأر، رمز القذارة، الذي يتلف البيوت ويدمر الاقتصاد، ذكي ومدهش، أما الهر، رمز النظافة، الذي يحرس البيوت، فغبي وكسول!

لعاب الكلب لا يتطهر إلا بالتراب، أما الهرة فيمكن مشاركتها الطعام بالصحن نفسه، ولم تكن السيدة عائشة تغسل صحنها من أثر الهرة. الأمريكان يحبّون الأقوياء. المجرمون هم أبطال الأمريكان، الشرير هو البطل، الوسيم، السريع في إطلاق النار، وقد نجد تفسير ذلك في إبقاء الأسد على السلطة، وموالاة السيسي، وبقية الرؤساء الأعداء.

في اليوم الثامن قضت الهريرة الصغيرة، حاولنا إرضاعها برضّاعة صناعية، اشتريناها بثمن غير بخس، وحقن فمها بالحليب، لكنها ماتت.

ماتت، وفمها مفتوح على مواء، طويل.

بقيت جثتها ملقاة أمام أمها ساعات، نويت دفنها، لكن زوجتي رجتني أن أؤجله لحين عودة البنات من المدارس. أظلم الليل، وهطل المطر، وإلتمَّ شمل العائلة، وخرجنا في موكب جنائزي لدفنها، وأنا أردد قول الشاعر الأعشى: ودّع هريرة أن الركب مرتحل….

حفرت الأرض بمخالبي، حفرة غير عميقة، على ضوء الشموع الإلكترونية، من أجهزة الهواتف النقالة، وطمرت الهريرة في التراب، على جنبها باتجاه القبلة، ومعها حبلها السري، وكأنها ستشفع لي يوم القيامة. كانت هذه هي الهرة الثالثة التي أدفنها، وقد دفنت هرتين، لكل منهما قصة موجعة، دفنت هرتي وفمها مفتوح لنداء أخير، لاستغاثة من أجل نداء الحليب.

عدنا إلى هرتنا الأم، ووقفنا فوقها، كان الهريران يرضعان سعيدين، في تجانس، رفعت الأم رأسها وغردت تغريدة حزينة، مكسورة، باطنية، وعادت إلى الغمض.

كنت أفكر في مئات الضحايا، التي دفنت في حدائق البيوت، والشوارع السورية.

المدن

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى