صفحات المستقبل

في ثماني عشرة ثانية


كالمعتاد، وقف سائق الميكرو عند “حاجز الجرة”، وهو واحد من الحواجز العديدة المتركزة عند مداخل مدينة دوما. عندها بدأت بقراءة العبارات الجديدة التي كتبها أفراد القوات النظامية على مدرعاتهم وتحصيناتهم العسكرية. لفتت نظري إحدى تلك العبارات المخططة والتي تقول “ستبكي بابا عمرو عليك يا دوما.” كنا قد اعتدنا هذه العبارة وغيرها من باقي الشعارات التي تدعو إلى بث الرعب والترهيب وإعادة سلطة الخوف التي فقدها النظام.

مضت بنا الحافلة إلى داخل المدينة تاركةً تلك العبارة على الحائط وراء ظهورنا، إلا أنّ أصداءها كانت قد سبقتني لتأخذ طريقها بين أهالي دوما. فوجئت بأنّ الموضوع يأخذ منحى مغايراً لمنطق الخوف وسطوته — منحى المفاخرة بين الأهالي والإعتقاد أنهم يسطّرون أسطورة الصمود في إحدى أعظم أيقونات الثورة السورية.

منذ انطلاقة الثورة، ومع الوقت، أخذت الأحداث الميدانية تتسارع وتتطور لتأخذ الثورة أشكالاً أخرى، وليصبح الحراك الثوري والتصعيد الأمني في تصاعد مستمر. أخذت المدينة تدخل في مواجهات عسكرية عنيفة غير معهودة من قبل، حصدت مئات الشهداء في أيام وخلقت حالة من الرعب والترقب بين قاطنيها، تصبغ وجوههم بسمتها وتتعمق أكثر فأكثر في حياتهم اليومية بأدق تفاصيلها. ومع اشتداد القصف اليومي على المنطقة يكون الهاون والصاروخ روتيناً يومياً يقسم من خلاله المواطنون اليوم إلى أجزاء يتكون كل منها من ثماني عشرة ثانية، وهو الزمن الفاصل بين إطلاق القذيفة ووقوعها على المدينة، لتصبح هذه الثواني الأكثر إثارة للتوتر والترقب.

فدوما التي تُدك يومياً بمئات القذائف مازالت تعد شهداءها الذين قضوا عند الثانية الثامنة عشرة من كل لحظة. حينها كنت أتساءل كيف قضى ذلك الشهيد تلك الثواني. فإما قام بكتابة وصيته في ثماني عشرة ثانية؛ أو قام بالدعاء لربه؛ أو قرأ الشهادتين؛ أو أخذ يعد الثواني عداً تنازلياً أو تصاعدياً؛ أو أخذ يتذكر زوجته وأولاده أو صديقته؛ أو أخذ يركض مختبئاً نحو الغرف الداخلية أو ينزل إلى الطوابق السفلية؛ أو كان ينتظر، مثلما اعتاد أن يفعل أبي، عند إحدى النوافذ، بينما أنا أهرع إلى الداخل. حينها، في هذه الثواني، تفر من نفسك لو استطعت. وعندما تخطئك القذيفة وتسقط عند أحد جيرانك، تسنح لك الفرصة لتتفقّد من سقطت عليه، وبعدها يعاود الأدرينالين التدفق خلال ثماني عشرة ثانية جديدة.

عند الثانية الثامنة عشرة يكون قد استشهد طفل أو امرأة، وتكون المأساة أكبر إذا كانت والدته. عند الثانية الثامنة عشرة يكون قد استشهد الشيخ والحجر والشجر. يصبح شغلك الشاغل عد الثواني حينها، وإذا أخطأتك يجدد لك الوقت، وكأنك في لعبة هي لعبة الموت. لا يتوفر لك إلا انتظار الإستشهاد أو البقاء. عندها تعتليك حالة من السُكر يصبح الموت معها عبارة عن فكرة وعادة. سأستذكر حينها ذلك الشعار وأقول: “هل بكيت يا بابا عمرو علينا؟” لتأخذني الثواني المتبقية مرة أخرى.

هنا البقاء شجاعة والتمسك صمود ولكن إلى حين… عندها لا نستطيع أن نخفي أنّ الإنتظار أصبح مرهقاً ومقلقاً.

وهذه المرة أيضاً أخطأتنا القذيفة على بعد أمتار، وعند اشتداد القصف كان خيار قاطني البناء النزول إلى الطوابق السفلية. ورغم كثرتنا إلا أنّ صوت القذائف وصراخ الأطفال هما الوحيدان اللذان يكسران الصمت الموجود، لتستطيع حينها أن تقرأ حيرة الكبار أمام صراخ أطفالهم، لتراهم يتراكضون بين أذرعهم كل ثماني عشرة ثانية.

طوال ثماني عشرة ثانية نحن ملزمون أن نبقى هادئين ومتماسكي الأعصاب خاصة أمام الزوجات والأطفال وأيضاً أمام الجار المرتعب. ولزاماً عليك أن تخفي رعبك وقلقك وأن… وأن… وأن… حتى وإن أصبحت الساعة، خلافاً للطبيعة، تدق كل ثماني عشرة ثانية، عليك أيضاً ألا تتفاجأ.

وفي ساعات الليل تعم الظلمة والصمت. ولكن ما يواسي هو أنّ أصوات التكبير تطلق كل ثماني عشرة ثانية، أعرف عندها أنّ جاري قد أخطأته القذيفة أيضاً وأنه لا يزال بخير حتى هذه الثواني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى