صفحات العالم

في رثاء مهمة عنان


عبد الوهاب بدرخان

ما إن أصبح مبعوثاً- وسيطاً “سابقاً” حتى نطق فقال إن الحل في سوريا يبدأ بـ”رحيل الأسد عاجلاً أم آجلاً”. هذا الاعتراض كلف كوفي عنان فشلاً جديداً مدوياً في سجله، هو الحائز “نوبل للسلام”. يتطلب الإنصاف عدم تجاهل سلامة النية والطوية لدى الرجل، فهو محترف ديبلوماسية وإذا كان له مطمع شخصي فهو أن يوقف سفك الدماء. ولأنه محترف عرف باكراً أنه ربما جيء به بعد فوات الأوان، أي بعدما تجاوزت “عسكرة النزاع” نقطة اللاعودة، أو قبل الأوان، أي قبل أن ينضج تفاهم دولي، بالأحرى أميركي- روسي، لابد منه لتفعيل أي “حل سياسي” للأزمة السورية.

لم يكن عنان صانع فشله وحده، بل شاركه فيه الجميع، من أعداء وأصدقاء الشعب والنظام. ولكنه، كمحترف، كان ينبغي عليه أن يدرك مع أي نظام سوري يعمل، وبالتالي كان عليه أن يمارس أقصى الشدَّة في تحديد شروط التعامل معه. صحيح أن قواعد الوساطة باسم الأمم المتحدة تفترض احترام السيادة وشرعية النظام القائم، إلا أن عنان أوفد مع فريقه ليتعامل مع واقع اختلّت فيه المعايير. فمع وصوله لمقابلة الرئيس السوري كان عنف السلطة قد حصد أكثر من عشرة آلاف من أبناء الشعب، ولحظة مؤتمره الصحافي الوداعي كان العدد قد تضاعف، مع ما يعنيه من فوضى مسلحة وتراجع لسيطرة الدولة، أي أن الوسيط كان مُطالَباً بمصارحة رأس النظام بأنه لم يأتِ لمشاركته في إدارة عدوانه على الشعب والمجتمع وإنما للاتفاق على تغيير جذري لهذه الإدارة.

 منذ اللقاء الأول مع الرئيس السوري، وما نشر رسمياً عما قاله الأخير، كان واضحاً أن مهمة عنان سجلت بداية خاطئة. إذ قيل له إن النزاع هو بين الدولة و”عصابات مسلحة”، بينها وبين “إرهابيين”، وأن “الدولة” لن تتخلى عن مهمتها القضاء على الإرهاب وتوطيد الأمن. وبمعزل عما إذا كان أخذ بهذه “الرواية” أم لا، وهي ما رددته مصادر النظام منذ اليوم الأول، إلا أن المسار العام لوساطته ولعمل بعثة المراقبين الدوليين ولمفهومه للحل السياسي أظهر أنه صدّق الرواية. ولذلك كان موضع ترحيب في موسكو وبكين، ثم إنه نال المدائح على دعوته إلى الاستعانة بإيران وما لها من نفوذ في سوريا.

بعدما يئس الجميع من إمكان إقلاع “خطة النقاط الست” بوقف أو حتى ببداية وقف إطلاق النار، وعلى وقع مجازر متنقلة على خط جغرافي مذهبي، بدأ سريعاً البحث عن البدائل من خطة عنان. لم تكن هناك بدائل معروفة يمكن تأمين توافق دولي عليها. فأبواب مجلس الأمن مغلقة، والفيتو الروسي- الصيني بالمرصاد لأي خطوة نحو معالجة الوضع السوري تحت الفصل السابع الذي يتيح التدخل العسكري في نهاية المطاف. ثم إن الدول الغربية أعربت أكثر من مرة، حتى بلسان حلف الأطلسي، أنها لن ترسل جنودها إلى بلد تتوسع فيه رقعة الحرب الأهلية. وبدافع من ذاك اليأس طرحت فكرة تجاوز وقف إطلاق النار للشروع في “عملية سياسية” قد تفلح في التأثير إيجاباً على الوضع الأمني. وهنا أمل عنان بأن يحصل على تعاون أكبر وأفضل.

المشكلة أن الانقسام السياسي الحاد حال من دون بلورة فهم واحد لمختلف الأطروحات، فما يرفضه أو يقبله هذا الطرف وذاك بدا دائماً غير قابل للنقاش. من ذلك مثلاً هل يعني “انتقال السلطة” تنحياً للرئيس السوري ونقلاً لصلاحياته أم أن الانتقال يمكن أن يتم بوجوده وإشرافه؟ قال “أصدقاء النظام” إن الشعب هو الذي يقرر، ولأنهم يعرفون مسبقاً ماذا قرر الشعب فقد دعموا طبعاً بقاء الرئيس والنظام وبالتالي خضوع الشعب لإرادته، فبالنسبة إلى هؤلاء “الأصدقاء” لم يحصل شيء في سوريا منذ سبعة عشر شهراً. لم يكن أحد يتخيل أن أي “حل سياسي” يمكن تسويقه إذا لم يكن النظام مستعداً لتنازل جوهري من أجل التصالح مع الشعب. وهكذا، فعندما نجح عنان في حشد “مجموعة الاتصال” في جنيف، لم يتصور أنه سيشهد تجديداً للانقسامات والخلافات، ثم وجد نفسه مسلحاً بوثيقة نزعت منها الأسنان، لذا وافق عليها النظام السوري لعلمه أنه يمكن تطبيقها على طريقته. وكان بديهياً أن هذه الورقة الأخيرة احترقت في يد عنان حتى قبل أن يستخدمها.

أمكن لعنان أن يعقد اللقاء الأخير مع الرئيس السوري، في الوقت المستقطع بين مجزرتين، واستمع إليه يردد الروايات ذاتها، لكنه حاذر أن يقول له ما الذي ينتظره إذا فشلت الديبلوماسية. وفيما يجري البحث الآن عن بديل لعنان، لم يعد أحد يراهن إلا على المنازلة الدموية الدائرة على الأرض وقد أصبحت حرباً إقليمية ودولية بـ”الوكالة”، لكن المخاوف تكبر من احتمالات تمددها إلى خارج حدود سوريا.

الاتحاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى