صفحات مميزةمنذر خدام

قراءة في طروحات الرئيس السوري

 

    منذر خدام

قبل نحو سبعة أشهر كان الرئيس السوري بشار الأسد قد ألقى خطاباً حسبناه في حينه أنه ربما يكون الأخير، وذلك لانه كان يحلق في عالم الخيال والتوهم.

منذ ذلك الحين وحتى اليوم طرأت تطورات كثيرة على الواقع جعلته في نظر السوريين وفي نظر المراقبين والمتابعين للشأن السوري أكثر إقناعا بعدم جدوى الحلول التي دمرت كل شيء من شجر وحجر وبشر فعمت “المعاناة أرض سوريا” ولم تبقِ “مكانا للفرح في أية زاوية من زوايا الوطن”، إضافة إلى أن “الأمن والأمان غابا عن شوارع البلاد وأزقتها” باعتراف صريح من قبل من يفترض به انه المسؤول الأول عن أمن السوريين وأمانهم. نعم “من رحم الألم يجب أن يولد الأمل” لكن ليس بوجود سلطة تسد كل المنافذ لولادة هذا الأمل بحسب ما جاء في خطاب رئيسها، وليضع السوريين أمام خيار وحيد هو ” شبيحة للأبد كرمال عيونك يا أسد” بحسب ما ردد الهتافون في قاعة الأوبرا والتي ترجمتها العملية  إما “الأسد أو نحرق البلد” وهم ماضون في حرقها بكل عناد، ويا للأسف.

لقد جاء الخطاب متوتراً مليئا بالتناقضات وتعبيرا عن انفصال تام عن الواقع ومجرياته، وهو في منطلقاته كما في خواتمه لا يخرج عن كونه خطابا يرتكز على وهم انتصار غذّته بعض نجاحاته العسكرية التكتيكية المؤقتة في بعض المناطق رغم كل ما سببته من دمار وقتل وتهجير، وغاب عنه تماما هاجس إنقاذ الوطن والشعب. وفيما يخص منطلقات الخطاب من غير المجدي مناقشتها فهي مكررة إلى درجة بدأت تعاف الآذان سماعها، فما يجري في سوريا بحسب رأيه مؤامرة كونية عليه، وهي تستهدف خطه السياسي الممانع، وإخضاع سوريا للهيمنة الخارجية. ولم يكن غريبا أيضا عليه توصيفه للمعارضة بوضعها جميعها في خانة العمالة واللاوطنية، بحيث لم يبق منها من سوف يحاوره سوى تلك التي تدور في فلكه. وكان من الطبيعي أن يرفض تسمية ما يجري في البلاد ثورة، بل هي حرب يخوضها إرهابيون وتكفيريون وعملاء الخارج ضد نظامه ولذلك فهو قد ركز على الطابع الإرهابي بحسب رأيه للثورة في سوريا في رسالة واضحة للدول الغربية وعلى رأسها أميركا التي صنفت جبهة النصرة كمنظمة إرهابية. باختصار يعتبر الرئيس أن سورية في “حالة حرب بكل ما تعنيه الكلمة من معنى” تهدف إلى إضعافها ليسهل السيطرة عليها من بعض الدول القريبة والبعيدة وتغيير نهجها السياسي الممانع، بل السعي إلى تقسيمها. وهو في كل هذا الجانب من خطابه المكرر كان يركز بصورة لافتة على استنهاض الوطنية السورية ودغدغة مشاعر السوريين الأصيلة، فسوريا “كانت وستبقى حرة سيدة لا ترضى الخنوع ولا تقبل الوصاية” وإن بعض الدول المعروفة تريد “استغلال أحداث داخلية لإخراج سوريا من المعادلة السياسية للمنطقة” وليضربوا “فكر المقاومة”، هذه الوطنية التي اجتهد نظامه للقضاء عليها بكل الوسائل خلال عشرات السنين.

الجديد في الخطاب هو تلك “الرؤية” للحل السياسي التي طرحها وطالب الآخرين بالحوار معها وحدها أو على أساسها  فهي تؤسس لحوار ” بين أبناء سوريا… وبقيادة سوريا “بحسب رأيه، لكنه من الناحية العملية يسد المنافذ أمام أية مبادرة أخرى يطرحا السوريون المعارضون له، أو ما يمكن أن يطرح دوليا وبالأخص مبادرة الأخضر الإبرهيمي. وبدون الخوض في تفاصيل مبادرة الرئيس الاسد فهي معلنة ومعروفة، ومع ذلك نود تسجيل الملاحظات الآتية عليها:

أولا، ترفض المبادرة وقف العنف المتزامن إذ تطالب المعارضة المسلحة بوقفه أولا، بالتزامن مع وقف الدول الداعمة لها عن تقديم دعمهم. وفي مجمل الأحوال يحتفظ لنفسه بحق الرد بل الاستمرار بالعنف حتى القضاء على آخر “إرهابي” بحسب رأيه. في هذا المطلب يريد الرئيس أن يقول أن المشكلة برمتها تعود إلى تدخل الدول الإقليمية في شؤون سوريا، فهي البادئة في الصراع المسلح من خلال تشجيعها المسلحين المحليين ولذلك يطالبها “بوقف تمويل وتسليح وإيواء المسلحين”. بحسب منطوق الخطاب لا توجد أسباب داخلية للأزمة السورية، وإن مطالب الشعب السوري في الحرية والكرامة والديموقراطية لا تعدو كونها حقا يراد به باطل، فليس هناك ثورة ولا ربيع بل “فقاعات صابون”.

ثانيا، وفق المبادرة على الحكومة الحالية أن تقود الحوار بين السوريين، مما يعني عمليا تحديد مساراته وموضوعاته ومصادرة نتائجه.

ثالثا، لم تحدد المبادرة من هي ” أطياف المجتمع السوري” وبالتالي أحزابه التي سوف تتوجه الحكومة إليها بطلب الحوار، خصوصا ان الخطاب جاء واضحا في خراجه جميع المعارضات الجادة من دائرة الحوار.

رابعا، تدعو المبادرة إلى عقد مؤتمر “الحوار الوطني الشامل” للتوصل إلى ميثاق “سيرسم المستقبل السياسي لسوريا ويطرح النظام الدستوري والقضائي والملامح السياسية والاقتصادية والاتفاق على قوانين جديدة للأحزاب والانتخابات والإدارة المحلية وغيرها…”. وهذا  بلا شك تطور مهم في اعتراف السلطة بان كل الأسس الدستورية والتشريعية والقانونية للنظام الاستبدادي القائم قابلة للمراجعة والتغيير. لكن من جهة أخرى ثمة شك كبير في إمكان حصول مراجعة جدية لها في ظل هيمنة السلطة على الحوار، وفي ظل غياب أية معايير لحسم الاختلافات في الرؤية بين أطراف الحوار. إضافة إلى ذلك لم تتطرق المبادرة إلى إمكان مراجعة الأسس القانونية للقوى الأمنية والعسكرية وبالتالي إمكان إعادة هيكلتها لتكون فعلا في خدمة الشعب وليس أداة من أدواة السلطة لقمع الشعب.

خامساً، “تجاهلت المبادرة أن جوهر الأزمة هو في النظام الاستبدادي القائم، وبالتالي فإن الهدف من الحوار ينبغي أن يكون الانتقال من نظام الاستبداد القائم إلى النظام الديموقراطي، وليس الانتقال من “حالة اللااستقرار إلى حالة الاستقرار” كما جاء في الخطاب.

سادساً، ركزت المبادرة على فكرة المصالحة الوطنية الشاملة، متجاهلة أن هناك جرائم ارتكبت بحق الشعب ينبغي أن يحاسب عليها من ارتكبها.القضية تتعلق بالتسبب بوفاة عشرات الآلاف من السوريين ناهيك عن اختفاء أكثر من هذا العدد، إضافة إلى تهجير الملايين من السوريين وتدمير مساكنهم، وتدمير البنية التحتية والاقتصادية للبلد. هل يعقل أن يتم التغاضي عن كل ذلك وكأن شيئا لم يكن؟

سابعاً، ركزت المبادرة على ضرورة استفتاء الشعب في ما يتوصل إليه المتحاورون، لكنها تجاهلت تحديد معايير الاستفتاء والرقابة عليه، فالشعب السوري اختبر استفتاءات النظام وانتخاباته ويعرفها جيداً.

ثامنا، المبادرة وفق منطوق الخطاب موجهة لكل “من يريد الحوار”، لكنها من الناحية الفعلية موجهة فقط لجمهور النظام ولمن يدور في فلك السلطة، لأن الخطاب منذ البداية رفض الاعتراف بوجود معارضة لديه بل هي عصابات وإرهابيون وعملاء.

تاسعا، الخطاب كما المبادرة في اعتقادنا جاءت لترفع من معنويات مناصري السلطة بعد أن كادت تنهار، ولتسد الأبواب في وجه أي حل سياسي محتمل، ولتبقي على خيار الحسم العسكري كخيار وحيد رغم أنه قد صار واضحا كم هو مستحيل، ناهيك عن نتائجه المدمرة على الوطن والشعب. ربما لو طرحت هذه المبادرة قبل قيام الشعب السوري بثورته كما طالبنا بذلك في السادس من آذار من عام 2011 ، أو تلبية لنداء وجهه أكثر من أربعمئة من الشخصيات الوطنية السورية التي وقعت على بيان كنا قد أصدرناه في 22 آذار من عام 2011 أيضا لاعتبرت مبادرة تاريخية، لكنها اليوم لا تعدو كونها تعبيرا عن انفصال تام عن الواقع وتحليقا في عالم الوهم والخيال.

معارض سوري

النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى