صفحات العالم

كي لا تسقط حمص مرتين/ الياس خوري

 

حين بدأت صور خروج المقاتلين الحماصنة تتوالى على وسائل الاتصال الاجتماعية، تذكرت باسل شحادة، ورأيت وجهه يتلألأ فوق دمار المدينة الهائل، كأنه ايقونة تطلع من رماد المدينة المحترقة، لتعلن ان الحكاية لم تنته، فزراعة الحياة وسط الموت الذي تصنعه جحافل المغول يجب ان لا تنتهي هكذا.

روت اجساد المقاتلين الناحلة، ووجوههم الشاحبة وبنادقهم المحمولة على اكتافهم التي لم تنحن، حكاية المدينة التي صارت عظيمة في مدن بلاد الشام، وتعمدت بدماء ابنائها وبناتها شقيقة للقدس وبيروت، في صمودهما العظيم ثم في سقوطهما المدوي امام جحافل الصهاينة.

دخلت حمص في وجداننا، ليس بصفهتا مدينة الحجارة السوداء والقلوب التي تشع ببياض الذكاء والسخرية والمروءة فقط، بل ايضا بصفتها المدينة التي لم يركع فتيتها، وبقوا صامدين يقاومون جوع الحصار الوحشي بالأعشاب البرية، يحتضنون البيوت المهدمة، ويغسلون حزن المدينة بدمائهم وصمودهم واغنياتهم التي اخترعت الأمل وسط اليأس.

لم يكن سعدالله ونوس مخطئا حين كتب عبارته: ‘نحن محكومون بالأمل’، لكن خيال هذا المسرحي السوري الكبير لم يأخذه الى حيث تفوق الديكتاتور بجنونه على كل خيال. نعم نحن محكومون بالأمل، لكن قبل ذلك علينا ان نخترع الأمل.

فتية حمص الشجعان اخترعوا الأمل، وصنعوا من مدينتهم رمزا لقدرة الشعب على اختراع الحياة وصناعة مقاومة الوحش بالصمود والتحدي. وكان سلاحهم كاميرا هنا ونشيدا هناك، محولين سلاحهم الخفيف ونقص الذخيرة والتموين الى اسطورة لا يحسن صناعتها الا شعب قرر انه يريد، وان ارادته هي الأعلى.

كنت ارى صورهم، وارى مشهد مذبحة ساحة الساحة التي صار اسمها ساحة الحرية، وارى كاميرا باسل تعيد بناء الأنقاض بوعد الحرية.

عدت الى فيديو تشييع باسل في حمص، ورأيت نعش الشاب الذي قطع دراسته في كاليفورنيا كي يكتب شهادته بالصورة، كان مجموعة من الشبان يقفون امام نعش مغطى بعلم الثورة السورية، احدهم يتلو الصلاة الربانية التي علمها المسيح لتلامذته، ثم يرتفع صوت عبدالباسط الساروت منشدا للشهداء والحرية، قبل ان يوارى جثمان باسل شحادة في ثرى حمص.

وفي الذكرى الثالثة لاستشهاد باسل (سقط باسل في 28 أيار- مايو 2011 في حي باب السباع) سقطت حمص القديمة، عبر اتفاق قضى بخروج المقاتلين الحماصنة بأسلحتهم الخفيفة من المدينة التي استباحت ما تبقى منها قطعان المغول والشبيحة. وهو اتفاق تم برعاية روسية- ايرانية، جاءت كإعلان أخير بأن النظام فقد السيطرة على الأرض وأسلم قياده لرعاته الاقليميين والدوليين.

جاءت صورة باسل شحادة، لا من اجل ان نتذكر زمن بدايات الثورة، حيث احتل الشعب الساحات وأطلق صرخته معلنا سقوط نظام الاستبداد فقط، بل ايضا من أجل ان ننظر الى واقعنا، وسط هذا الدمار الوحشي الذي يسحق مدن سوريا ودساكرها، ويحول الشعب السوري الى شعب من اللاجئين.

امتلأت صفحات وسائل الاتصال الاجتماعية بالاستهجان والعتب على عبد الباسط الساروت، الذي ادلى بتصريح مفاجيء عشية مغادرته حمص، يطلب فيها المدد من جبهة النصرة ومن داعش. لم يلاحظ احد ان حارس مرمى فريق الكرامة لكرة القدم، الذي ملأ الفيديوهات بالأناشيد الثورية، كان يعبر عن أزمة رفاقه الذين يخرجون الى عراء ثورة حولتها داعش الى مقبرة للثوار، وأنه قال مأزق الثورة السورية بطريقته الشعبية، كاشفا علامات الواقع المرير الذي يواجهه شباب حمص، في تغريبتهم من مدينتهم المدمرة.

لن أقول انني فوجئت، لأننا شعرنا منذ الانعطافة العسكرية التي فرضها النظام الاستبدادي على الثورة، ان ما تفتقده الثورة السورية هو الكوادر، اي النخب الثقافية العلمانية التي أُخرجت من ساحة المعركة في المرحلة الأولى من الثورة، بفعل القمع الوحشي الذي زج بعشرات الألوف في السجون، وفرض على الباقين الخروج من البلاد، في عملية نزوح كبيرة تذكّر بدياسبورا الثقافة العراقية.

لم ار سوى مجموعات من شباب الأحياء الفقراء يحملون كرامة مدينتهم الى جانب بنادقهم، ويخرجون من مدينة هدمها الجوع والقصف الى ريف لا يعرفون من يسيطر عليه، والى ثورة سرقها اللصوص، فاجتمع النظام الاستبدادي في سورية مع انظمة الاستبداد العربية المعادية له على هدف واحد هو افراغ الثورة من مضمونها الشعبي الديموقراطي، وادخالها في لعبة الأمم.

لم ار باسل شحادة او من يشبهه بين الخارجين، وهذا امر لا يثير العجب بعد ان قام زعران من شبيحة الاصوليين الذين خطفوا الثورة بأموال اسيادهم الخليجيين باختطاف رزان زيتونة ورفاقها.

لكن ألم يأتِ أوان طرح السؤال الكبير عن مسؤولية القوى السياسية التي تصدت لقيادة الثورة من الخارج، فأسلمت قيادها للدول النفطية الراعية، وانتظرت بلا جدوى تدخلا غربيا عسكريا، كأن الولايات المتحدة وحليفها الاسرائيلي سوف يحرصون على الشعب السوري! متناسية الف باء السياسة الكولونيالية القديمة والجديدة التي تريد تركيع العالم العربي واذلاله.

لحظة سقوط حمص، هي لحظة حزن واسى، ولكنها اولا لحظة نظر واعادة نظر. كيف نقرأ الغياب الكبير للقوى السياسية والاجتماعية التي تحمل الفكر اليساري والليبرالي والديموقراطي عن ساحة المعركة، وتسليمها بالمنفى بصفته قدرا؟

النخب الديموقراطية السورية سقطت كزميلتها اللبنانية في امتحان الحرب الأهلية، وفي عدم قدرتها على استشراف مدى الضوء الأخضر الذي أخذه النظام الاستبدادي من القوى العالمية كي يجهز على بلاد الشام بأسرها: لبنان وفلسطين واخيرا سوريا.

انها لحظة للمراجعة وليست فقط لحظة للتأمل في وحشية النظام، الذي تفوق على التتار.

هدف هذه المراجعة هو اختراع الأمل. فالنظام الاستبدادي سقط وتداعى ولن يستطيع احد انقاذه، لكن انقاذ سوريا لا يزال ممكنا بل يجب ان يكون ممكنا.

الياس خوري

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى