صفحات المستقبل

لا تخشَ أظافره الطويلة/ خليفة الخضر

بعد رسالة قصيرة عبر “واتس آب” من أختي الصغيرة آلاء، طلبت مني فيها مساعدتها في حلّ مسألة رياضية حول الدائرة مرفقة بصورة اقتباس للمسألة من الكتاب، انقطع الاتصال. آخر ظهور لآلاء “أون لاين”، كان مع خبر نشرته مواقع إخبارية عن سيطرة مليشيات النظام المدعومة بغطاء جوي روسي، على حي مساكن هنانو شرقي حلب، منذ أيام.

مرّت ساعات بعد ذلك، ولم يظهر أحد من أهلي “أون لاين”، ليأكلني القلق والتوتر. وبعد منتصف الليل، أرسلت لي آلاء ما جرى معهم:

“بينما كنت أبحث في غوغل عن حل لمسألة الرياضيات، ازداد صوت الغارات الجوية على غير عادته، وبدأت أصوات الناس في الشارع تعلو، قبل أن يدخل أخي عبد الرحمن إلى المنزل يلهث”.

طلب عبد الرحمن من آلاء أن تحمل ما تستطيع وتركض باتجاه الناس، فحملت آلاء ابنة عبد الرحمن، ماري، وقبضة من الألوان الخشبية، تاركة خلفها لوحات كانت قد رسمتها لتقيم معرضاً عن القصف الذي تتعرض له حلب. نظرت آلاء إلى لوحة استخدمها عنصر من “الدفاع المدني” لحمل طفل صغير، وتمنت أن تحرقها وباقي اللوحات، كي لا يدوس عليها عناصر مليشيات النظام والشبيحة.

أمي تدفع آلاء باتجاه باب المنزل، طالبة منها الاستعجال، فالقصف يزداد أكثر و”الشبيحة تزحف نحونا”. ركضنا تجاه المناطق المحررة المحاصرة المتبقية لنا. نسمع أصوات الشبيحة عبر مكبرات الصوت كالغول المتخم من الطعام”.

بالنسبة لآلاء، صوت الشبيح ليس جميلاً.

الأخ الكبير عبد الرحمن بكى، وهو الذي لم تعهده آلاء ابنة الستة عشر عاماً، يبكي من قبل. “صار عبد يركض خلفنا ويطلب منا الاستعجال، ينظر خلفه ويصرخ بوجه الناس بصوت متقطع تقطعه الغصة: قولوا الله وامشوا بحمى الرحمن”.

تقول آلاء: “عبد الرزاق أخي الصغير، يمسك بيد أمي ويطلب مني النظر تجاه جثة لرجل كبير مرمية على قارعة الطريق، ويقول لي بنبرة ضجر: أنني أكرهه.. فأظافر أصابع يديه طويلة”. آلاء التي تقص أظافر عبد الرزاق، كل مساء خميس، لطالما قالت له إن الشبيحة فقط من يطيلون أظافرهم. لكن الرجل/الجثة، ليس شبيحاً وأظافره طويلة.

“أمي صامتة كعادتها، تشهق وتمشي وتسبّح الله”.

تكمل آلاء: “نمشي بخطوات غير متناسقة، وكلما ابتعدنا أكثر عن منزلنا كلما خَفّت خطواتنا. وكلما رأينا عناصر الجيش الحر كلما ارتحنا أكثر. لم أود النظر خلفي كي لا أرى الشبيحة في منزلنا، يقتلون عمران الذي في اللوحة، كما قتله طيران زعيمهم الكبير بوتين”..

اصطدمت العائلة الهاربة من تقدم مليشيات النظام إلى هنانو، بأعداد غفيرة من الهاربين مثلها. تقول آلاء: “أزمة أقدام في الشارع الواصل بين حي جورة عوّاد والشعار. ورغم اتساع الشارع، إلا  أنه يعجّ بالناس يسيرون في اتجاهين متعاكسين. منا من يهرب باتجاه المناطق المحررة المتبقية من حلب، ومن الناس من يحمل حقائبه متجهاً نحو اوتوستراد حي مساكن هنانو، أي باتجاه المناطق الجديدة التي سيطرت عليها الشبيحة”.

من يسيرون باتجاه المناطق المحررة المتبقية، قلة قليلة، “التصق بأمي وأضم بشدة ماري بنت اخي، أضع الألوان الخشبية بعد تعرق يدي منها، في أكمام كنزة ماري، وأضع كفي على رأس عبد الرزاق، احك شعره، اضحك بوجهه، أخبره أنه في حال وصلنا إلى منزل صديق عبد الرحمن، سأعمل على صنع خلطة عجيبة له تُمكّن أظافره أن تصبح حديدية وفولاذية كي نحفر نفقاً في الأرض باتجاه ريف حلب الغربي المحرر”.

تتعب آلاء من المشي، “أخجل أن اطلب من أمي المُسنِة الراحة، اتمنى في قلبي لو أن أمي تتعب وتستريح كي نستريح”.

وتحت جسر الشعار، تستريح عائلات المتجهة إلى القسم المُحرر، “نسمع أن فلاناً من الجيش الحر سلّم نفسه للنظام، تصل إلى أذني الجملة بين آلاف الجمل المحكيّة في الهواء. حتى الهواء اصبح سلبياً لا ينقل لي إلا الأخبار السلبية”.

تمشي العائلة نحو المدينة القديمة، فتشاهد سيارات الجيش الحر، وعناصر يرفعون سلاحهم في الهواء، ويُكبّرون متجهين إلى مناطق الشبيحة. تتذكر آلاء، أول يوم تحررت حلب صيف العام 2012، وكيف دخلت سيارات قليلة للجيش الحر و”حررت حيّنا. نبرة التكبير ذاتها وبحة الصوت ذاتها، اسمعها الآن من هؤلاء المقاتلين”.

باتت العائلة الصغيرة في الشارع، وكلما شاهدت إعلامياً مع عائلته أو مقاتلاً من الجيش الحر يمشي معهم في الطريق ذاته، تبتسم، وتنسى الجوع. “نبتعد عن بعضنا كي لا يرى فينا الطيار الروسي وجبة دسمة، أتخيّله كيف يصورنا في جهازه ويرسل الصور لأطفاله، وفي هذه اللحظة بالذات لا يريد قصفنا، استهداف علم ثورة المرسوم على جدار قديم من جدران مدينة حلب القديمة، ربما بالنسبة للطيار العلم أهم من قتلنا. وعلى الطريق، كل لوحة لعلم الثورة باتت مقصوفة. أشاهد النجمة الحمراء فقط أو جداراً مدمراً لونه أخضر”.

تقف سيارة صديق عبد الرحمن، وتطلب من عائلات أخرى الصعود أيضاً، فـ”بيت الضيق يتسع لألف صديق”. ولكن “يا فرحة ما تمت”، إذ تعطلت السيارة قبل أن تقطع مسافة تريح الأجساد الصغيرة المنهكة. أين العطل؟ طبعاً “الحمل الزائد، ولكن التهمة طاولت صاحب تكرير النفايات ومستخرج الوقود منها، لو خاف الله لما كان قد باع صديق أخي، مازوتاً مغشوشاً”.

“مشينا الحيط الحيط ونقول يا رب الستر. ارتحنا أكثر، بدأ الشباب في حي الكلاسة يمشون على مهلهم، حتى أخي الصغير عبد الرزاق، ترك يد أمي وصعد على تلة بناء مدمر وقال لي: صرت أطول منك”.

وصلت العائلة حي صلاح الدين، واستقبلهم صديق أخيهم، الذي كان بانتظارهم. “فتح لنا باب منزل في البناء، اعتذر من أمي لعدم نظافة المنزل، وأمسك بيده حطباً من حديقة المنزل، وطلب من أخي وأمي اشعاله للتدفئة به. علّق مازحاً: حتى إن اتسخ دهان جدار المنزل من دخان النار، لا يهم”.

نظرت آلاء إلى الطفلة ماري، كانت تبتسم، فسرت البسمة على وجه آلاء أيضاً، “ربما الأطفال دون عمر السنة، يستشعرون بالخطر قبلنا، كما في درس العلوم، أن الحيوانات تستشعر بالخطر قبلنا بـ20 ثانية. ماري قطة عائلتنا الجميلة، هي الآن تبتسم، إذاً لا خطر الآن”.

“ما إن انتهت أمي من الصلاة حتى شرعت في تنظيف المنزل وطلبت مني مساعدتها وعدم التكاسل. نجحت في إقناعها، كسلاً، أن ننظف غرفة واحدة فقط ونترك الباقي للغد”.

بعد ذلك، جاء صديق عبد الرحمن، يحمل طنجرة معكرونة، وكيساً فيه قبضة سكر وشاي. والضيافة الأهم كانت كلمة السر لولوج الانترنت، وبطارية مشحونة.

“أكلنا المعكرونة وشربنا الشاي؛ شاي الحطب الذي لا تطلب مني أمي بعده تنظيف البراد، ولا أتركه حتى أرى صورتي منعكسة عليه”.

وبعدما ارتاحت العائلة، عادت آلاء متصلة “أون لاين”، لتصلها رسالة مني على “واتس آب”. كانت رابطاً لأغنية “بس ضحكي” مرفقة بكلماتها.

آلاء ارتاحت من وظيفة الرياضيات، وحل المسألة التي طلب الأستاذ حلها من دون الاستعانة بـ”غوغل”. تقول البنت اليافعة: “أكيد الإستاذ سلم حالو للنظام وارتحت من حلّ الوظيفة”.

المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى