صفحات العالم

مؤتمر اسطنبول ونتائجه المحدودة


نقولا زيدان

عندما غاب سعود الفيصل عن مؤتمر أصدقاء سوريا في اسطنبول، أيقن المراقبون الذين يتابعون عن كثب التطورات المتلاحقة التي تحيط بالأزمة السورية، موضوع المؤتمر وجدول أعماله الوحيد، ان قراراته ستأتي منخفضة السقف خافقة النبرة. ذلك أنه قد سبق المؤتمر لقاء وصف بالفاتر بين العاهل السعودي وهيلاري كلينتون وزيرة خارجية أميركا، بل تبعه لقاء متوتر آخر أعقبه مباشرة بين كلينتون وسعود الفيصل. لقد أظهر للعيان بجلاء ووضوح تبايناً حاداً في وجهات النظر، فالبيت الأبيض جاء ينبّه المملكة ومعها قطر وسائر دول مجلس التعاون الخليجي من مغبة وتداعيات المضي في سياسة تسليح المعارضة السورية والجيش السوري الحر، فواشنطن تعتبر جدياً أن خطوة كهذه ستقود منطقة الشرق الأوسط الى مواجهة خطيرة ذات تداعيات اقليمية ودولية. إلا أن “الرياض” لم تتراجع وهي ما زالت ترفض الخضوع للابتزاز الايراني وتورط إيران المباشر في المعركة الدائرة على طول امتداد الساحة السورية. وقد عبّر الفيصل في مؤتمره الصحفي المشترك مع كلينتون عن ذلك الاصرار بالعربية والانكليزية “إن تسليح المعارضة السورية واجب” لا تراجع عنه.

وكان أن أعلن مرشد النظام الايراني علي خامنئي بالفم الملآن ان طهران ستقف مع نظام بشار الأسد حتى النهاية. تماماً كما صرّح “نجاد”: تصلب في مواقف الحليف الأوفى لنظام دمشق حمله معه “أردوغان” الى أروقة مؤتمر اسطنبول.

بدا المؤتمر، بفعل الضغط الأميركي ومخاوف الادارة الأميركية، ميالاً الى اصدار قرارات هادئة منخفضة السقف. فالولايات المتحدة منهمكة في معركة الانتخابات الرئاسية، كما أن “أوباما” غير راغب بتاتاً بالمجازفة برصيده الانتخابي باللجوء الى خطوة محفوفة بالمخاطر في اعادة ارسال قوات أميركية مجدداً الى الشرق الأوسط بعد أن أجلاها عن العراق منذ شهور.

لكن خواطر السعوديين والقطريين وحلفاؤهم لم تعد قابلة للتهدئة حتى لو صرح وزير الدفاع الأميركي “بانيتا” أن أميركا بصدد بناء قاعدة بحرية عائمة في وسط الخليج رداً على تهديدات إيران بإغلاق مضيق هرمز، وبنشر شبكات صواريخ مضادة للصواريخ أكثر تطوراً وفعالية من “الباتريوت”.

لقد جاءت وقائع المؤتمر لتؤكد صدق توقعات الفيصل وشعوره المسبق بالخيبة والخذلان، فبدا أقرب مع قطر الى الشعارات التي رفعها متظاهرو المدن السورية المنددة بالتخاذل، في إشارات واضحة الى النتائج الهزيلة التي صدرت عن قمة بغداد العربية غداة انعقاده.

والحق أن مؤتمر اسطنبول قد خيّب آمال الوطنيين العرب والسوريين معاً، فلم يشر رئيس الدولة المضيفة “أردوغان” ولا “كلينتون” ولا نبيل العربي ولا “آلان جوبيه” بكلمة واحدة لموضوع تسليح المعارضة السورية والجيش السوري الحر. ولم يحصل “برهان غليون” بعد كلمته الجامعة والمسؤولة من الأميركيين سوى على 12 مليون دولار وبعض وسائل الاتصالات المتطورة الأميركية، ودعم الجيش السوري الحر بالعتاد والتجهيزات وصرف المرتّبات. وقد كان لافتاً في كلمته دعمه لنضالات الطيف الكردي في سوريا شرط عدم المساس مستقبلاً بوحدة سوريا.

وكمؤتمر بغداد، وجد مؤتمر اسطنبول في التركيز على مبادرة “أنان” وبنود مشروعه، مخرجاً لتقديم شيءٍ ما للانتفاضة السورية. فالمطالبة بمهلة زمنية محدودة يعينها “أنان” للأسد لتنفيذ بنود مشروعة كانت المخرج، فقد أشار البيان الختامي الى ضرورة تعيين “أنان” مهلة أسابيع (weeksبالانكليزية) ما جعل بعض سيّئي النيّة من المراقبين يتذكرون عبارة (occupied territories) السيئة الذكر التي لطالما أثارت جدالات ولغطاً شديداً عندما وردت في قرارات مجلس الأمن بعد حرب 1967 والداعية لانسحاب اسرائيل من الأراضي العربية المحتلة نظراً لخلوها من أل التعريف الانكليزية (article)، ما جعلها مبهمة وفضفاضة ومثاراً للتأويل!.

القرار الايجابي الوحيد الذي صدر عن المؤتمر كان الاعتراف بالمجلس الوطني السوري كممثل شرعي للشعب السوري، إلا أن المؤتمر تحفظ على عبارة “وحيد” بذريعة إفساح المجال أمام فصائل المعارضة الأخرى للانضمام الى المجلس.

إلا أنه بالمقابل لم يصدر عن المؤتمر أي قرار بإنشاء “ممرات آمنة ولا مناطق عازلة” كما كان قد اعتاد السيد “أردوغان” على التلويح بها في غير مناسبة خاصة في المرحلة التي كاد أن يتحول فيها الى بطل العروبة الناهض.

في المحصلة، ما كاد المؤتمر ينهي أعماله حتى عمدت وزارة الخارجية السورية التي وجدت في قراراته مرونة بل مهادنة، الى اعلان انتهاء المعركة، فراحت تتحدث عن مرحلة جديدة تنصبّ على تثبيت الاستقرار، حتى خيّل إلينا أن النظام سيعمد الى الدعوة الى احتفالات جماهيرية للابتهاج، إنما عودة المواجهات الدامية في المدن والأرياف في سوريا سرعان ما كذّبت هذه المزاعم والادعاءات.

إلا أن ثمة حقيقة لا تحتمل أي جدال هي أن المعركة مستمرة. وهي التي تطغى على كل هذه التطورات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى