صفحات سوريةعبدالله تركماني

ما يمكن أن تتعلمه سورية من الأنموذج التركي

 


د. عبدالله تركماني

كان منبر اسطنبول للحوار السياسي، الذي عقد فعاليات ‘لقاء اسطنبول من أجل سورية’ في 26 نيسان/ابريل الماضي، بمشاركة مفكرين وباحثين وخبراء وناشطي المجتمع المدني في كل من سورية وتركيا، محقاً عندما أعلن أنّ سورية تقف على مفترق طريقين: إما أن تسلك طريق الحرية والديمقراطية والازدهار أو تبقى عنواناً للظلم والقهر والاستبداد.

وهكذا تستطيع تركيا، بمجتمعيها المدني والسياسي، أن تكون مرشحاً محتملاً للتدخل وتقديم حلول نافعة للوضع البالغ التعقيد في سورية. فقد نجحت في تحييد جيشها، الذي كان ميالاً إلى تدبير الانقلابات، والكف عن التدخل في الشؤون المدنية التركية. كما استطاعت تحقيق توازن نسبي بين كل مكوناتها الفكرية والسياسية والإثنية، من خلال مؤسساتها الديمقراطية وتقاليد الدولة العميقة واقتصاد السوق الحرة، والانفتاح المتزايد على محيطها الإقليمي والعالم.

إنّ أهم درس يقدمه الأنموذج التركي يكمن في أنّ القوة الداخلية هي الشرط الأهم لأية سياسة ناجحة، فلعل أهم ما يميز دور تركيا المتزايد في الشرق الأوسط هو استناده إلى مقوّمات داخلية، تؤهلها لأن تكون أنموذجاً يثير الإلهام. فقد وفرت السياسة التركية، خاصة منذ وصول حزب ‘العدالة والتنمية’ إلى السلطة في العام 2002، أسساً داخلية مهمة لدور إقليمي من خلال المضي في طريق الديمقراطية عبر نظام انتخابي تمثيلي، وكسر حدة التطرف، سواء من جانب ذوي النزعة الطورانية أو من جانب جماعات الإسلام السياسي المتطرف. كما عملت باتجاه إيجاد أسس لمعالجة مشاكل الأقليات القومية، خاصة المسألتين الكردية والأرمنية، بعد أن أرهقتا الداخل التركي على مدار أكثر من عقدين. إضافة إلى تحريك الواقع الاجتماعي في الداخل، بما يعطي فرصة أفضل لتعبير الجماعات التركية عن نفسها وتطوير أوضاعها نحو الارتقاء والتقدم.

وفي الواقع لم تتوقف تركيا عن التغيير منذ عقود تكوينها الأولى، فقد كانت القناعة التي أخذت في التبلور، منذ أيام مصطفى كمال أتاتورك الأخيرة، في أنّ الدولة قد أصبحت عبئاً ثقيلاً على المجتمع، وأنّ إطلاق قوى النهوض لدى الأتراك يتطلب التخفيف من قبضتها على الحياة العامة وأنماط الاجتماع والعقائد. وعلى الرغم من التدخلات العسكرية المستمرة ومن ثلاثة انقلابات سافرة خلال نصف قرن، فقد حافظت تركيا على مسار ديمقراطي تعددي، على هذا النحو أو ذاك.

كما أنّ تركيا الجديدة تتسم بحيوية اقتصادية هائلة، وبمراجعة العديد من القوانين المقيدة للحريات، وتعيش مناخاً من الإبداع لم تعرفه منذ قيام الجمهورية. وقد استطاعت حكومة حزب ‘العدالة والتنمية’، بعد مواجهة عقبات ملموسة كادت تطيح بالحياة السياسية المدنية، تقليم أجنحة المؤسسة العسكرية وإعادة التوازن السياسي في البلاد للمرة الأولى منذ انقلاب 1960، لصالح دمقرطة الحياة السياسية التركية وإرادة الشعب التركي. ففي علاقتهم بالحكم المدني أصبح الضباط أكثر تواضعاً واهتماماً بمجال عملهم الخاص بالدفاع عن البلاد وحماية أمنها.

 

إنّ السياسة التركية المستقلة أصبحت واضحة، بعد أن استطاعت السلطة، بشفافية ومنهجية علمية، أن تبني جسراً من الثقة والتواصل بين جميع الأطياف في المجتمع التركي الكبير، لتصبح القاعدة في تركيا أنّ المصلحة العامة ليست شعاراً لفظياً تتقاذفه الأحزاب لغايات سياسية، بل هو حقيقة واقعية تعمل الحكومة التركية على ترسيخها فعلاً، فتكون العوائد للجميع، والمنفعة عامة.

إنّ تركيا بلد ديمقراطي، فيه مؤسسات فاعلة ومجتمع مدني متكامل: أحزاب، ونقابات، وصحف مستقلة من جهة، ومهيأة للاختراق من مؤسسات المجتمع المدني التركي من جهة أخرى. ففي تركيا يسمح النظام التركي للمجتمع المدني أن يقوم بأنشطته المختلفة في ظل القانون الميسَّر، مثل حرية تأسيس المنتديات والجمعيات، وهذه الجمعيات تلعب دوراً مباشراً وغير مباشر في الحياة السياسية.

أما المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية فإنّ الأرقام في تركيا تتحدث عن تقلص أرقام البطالة بشكل كبير، وزيادة في الناتج القومي، والصادرات التركية المبنية على صناعات تركية ذات جودة عالية أصبحت تنافس في السوق العالمية بجدارة. فبعد أن كانت الأوضاع الاقتصادية في تركيا لا توصف إلا بـ’الأزمة والانهيار والزلزال’ لعقود طويلة، غدا الاقتصاد التركي اليوم في تمام عافيته وصعوده، وهو يعتبر واحداً من الاقتصاديات العشرة الصاعدة في العالم، إلى جانب الصين والبرازيل وروسيا والهند والمكسيك والأرجنتين واندونيسيا. وقد أصبح السابع عشر في العالم وسادس أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي.

وهكذا، فإنّ تركيا هي البلد الوحيد في الشرق الأوسط برمته الذي اندمج بالحداثة، إذ تحوز الآن نظاما سياسيا ديمقراطيا فعّالا، واقتصادا مُنتجا، كما أنها اكتشفت توازنات ناجعة بين الدين والعلمانية، وبين الإيمان والعلم، والهوية الفردية والجماعية، والقومية وحكم القانون… إلخ. وعليه فإنّ ما تتمتع به من مقدرة فائقة على لعب دورٍ إقليمي متميز، لم يأتِ في غفلة من الزمن ولا من جيرانها. فبمقدار ما كانت تتقدم نحو استقرار حياتها السياسية الداخلية، كانت دول الجوار تنحدر إلى مزيد من الفساد والتآكل والحروب الأهلية.

وبالنسبة إلى سورية لعل الحلم التركي، الذي راهن على قدرة الرئيس بشار الأسد في تحقيق الإصلاح والتغيير بدعم تركي، بات اليوم على المحك، مع تصاعد الحراك الشعبي السوري المطالب بالحرية والكرامة، وبعد سقوط مئات الشهداء وآلاف الجرحى على أيدي قوات الأمن السورية وشبّيحتها، إذ أنّ حزب ‘العدالة والتنمية’ الحاكم، الذي بنى سمعته وشعبيته على ترسيخ الديمقراطية ودعم مسيرة الإصلاح السياسي والاقتصادي، لا يمكنه أن يستمر في علاقة مميزة مع النظام السوري إن فشل الرئيس الأسد في تحقيق الإصلاحات السياسية المطلوبة بسرعة ومصداقية، أو غلّب الهاجس الأمني على حساب الحريات والإصلاح. وفي الوقت نفسه فإنّ تركيا قلقة من تداعيات الأزمة السورية على حدودها الجنوبية، وهو ما يبرر هذا المشهد الذي تبدو فيه وكأنها تتدخل في الشأن الداخلي السوري بصورة صديق يقدم النصيحة أحياناً وبصورة أخ أكبر يبدي قلقه وخشيته، لكنه لا يخفي انتقاده ورفضه لما يراه من سلوك، أحياناً أخرى.

ومن ملامح هذا التدخل أنّ وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو انفرد بالرئيس الأسد ساعات عديدة خلال زيارات متعددة، قدم له فيها التجربة التركية في عملية الانتقال من نظام الحزب الواحد إلى نظام التعددية الحزبية منذ عام 1950، وكذلك مسيرة الإصلاحات التي قام بها حزب ‘العدالة والتنمية’ من أجل إنهاء سيطرة المؤسسة العسكرية على مفاصل الدولة، وبعض مواد الدستور والقانون التركيين من أجل الاستفادة منهما في ما يتعلق بقانون الإعلام والتعددية الحزبية، وكذلك التعليم الديني.

وفي الحقيقة لم تكن تلك المجالسات، التي امتدت ساعات وتجاوزت في أريحيتها وصراحتها حدود البروتوكولات الرسمية لاجتماع بين رئيس دولة ووزير خارجية دولة أخرى، درساً في التاريخ السياسي، وإنما كانت محاولة لإيصال رسالة واحدة هي أنّ الرئيس الذي ينضم إلى مطالب شعبه ويستقوي به على ذوي النزعة الأمنية ينجح في تخطّي أصعب الامتحانات. ولكن، يبدو أنّ النصيحة التركية لم تؤخذ في الاعتبار، حيث تصاعد الحل الأمني على حساب الحل السياسي للأزمة السورية، مما دفع الإعلام التركي إلى زيادة جرعة الانتقادات للرئيس السوري. وهكذا فإنّ الآمال التركية كلها بدأت تتبخر سريعاً وتصطدم بالرصاص الذي انهمر كالمطر من بنادق قوات الأمن السورية على المتظاهرين، ولا شك في أنّ الرئيس بشار الأسد، الصديق المقرب للمسؤولين الأتراك، لم يستجب للنصائح التركية، بل التحم بأصحاب الرؤوس الحامية من الحرس القديم، وأنّ أية محاولة للفصل بينهما شبه مستحيلة، فهما وجهان لعملة واحدة: إما أن يبقيا معاً أو يرحلا معاً.

وعليه، فقد صعّدت تركيا من لهجتها تجاه النظام السوري، حيث تضمّن بيان وزارة الخارجية التركية يوم 23 نيسان/ابريل ما وصفته صحف تركية بـ’تحذير من خمسة بنود’: المطالبة بالامتناع عن الاستخدام المفرط للقوة تجاه التحركات الشعبية، والاستمرار بخطوات أسرع في مشروع الإصلاح، والتحرك بما يتناسب مع جوهر الإصلاحات نصاً وروحاً، وإعادة تأسيس السلم الاجتماعي والامتناع عن أية خطوات تصعيدية، والتصرف بصبر وحكمة لعدم تصاعد العنف.

وفي المقابل، فإنّ الحراك الشعبي السوري المطالب بالكرامة والحرية ما فتئ يتصاعد وتتوسع قاعدته الاجتماعية في كافة المحافظات، مستنداً إلى مرتكزين أساسيين: سلمية الحراك ‘سلمية سلمية .. بدنا بدنا حرية’، والوحدة الوطنية ‘واحد .. واحد .. واحد .. الشعب السوري واحد’.

 

‘ كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

القدس العربي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى