صفحات المستقبل

مذكرات “شام” في المهجر/ سحر العقاد

 

 

بلاد العرب أوطاني.. وأنا في طريقي إلى المهجر!

أقلعت الطائرة التي تحمل “شام” وأولادها إلى إحدى دول أوروبا، بعد أن فشلت في أن تجتمع هي وزوجها وأولادها في بلد عربي آمن بعيدا عن الحرب التي تستعر في بلدها الحبيب، فقد قضت ” شام” ما يقارب أربع سنوات تعمل في هذا البلد العربي، وأولادها يرتادون مدارسه، ولكن لم يسمح لها البلد بإحضار زوجها ليقيم معها، فاضطر الزوج إلى الهجرة إلى بلد يتيح لهم تحقيق هذا الحلم البسيط.

(علموني أن بلاد العرب أوطاني.. ولكني لم أجد بلدا آواني)

رحلت “شام” وهي تترك خلفها وطنها.. أمها.. إخوتها.. وأصدقاءها.. لتصل إلى بلد جديد.. حياة جديدة.. لغة جديدة.. عادات وتقاليد جديدة.. بالمختصر.. رحلت لتبدأ حياتها من “الألف” مجددا كفتاة صغيرة.. راجية من الله ان تكون “الياء” في بلدها وهو ينعم بالخير والأمان..

أكثر ما كان يثقل كاهل “شام” هو أنها لا تعلم متى ستعود، أو إلى أين، ماذا سيحل بها في الغربة؟ هل ستتأقلم أم لا؟! العديد من الأسئلة دارت في رأسها المتعب، وللأسف لم تجد لها أي إجابات.. إلى أن خلصت إلى الاقتناع بالمقولة التي مفادها: ما دام القادم بيد الله فتصوره جميلاً..

عندما وصلت إلى المكان الذي يجتمع فيه كل من أتى طالبا اللجوء في هذا البلد، رأت هناك كل أصناف البشر، فهناك ترى الغني والفقير، المثقف والبسيط، الكبير والصغير، الجيد و- للأسف الشديد- السيئ أيضا”..

فها هنا تجلس عائلة بسيطة من بانياس، إحدى مدن الساحل السوري، أي أنها قريبة من مراكز الطائفة المؤيدة لبشار الأسد، تتكون هذه العائلة من أب وأم وخمسة أطفال، ترى على وجه الأم ابتسامة بسيطة يشوبها الحزن، فبعد أن أرهقتهم حياة الحرب في سورية، شدوا رحالهم إلى المجهول.. لعل المجهول يحمل في طياته مستقبلا “واعدا” لابنائهم إن شاء الله..

وهنا طفل لم يكمل السابعة عشرة من عمره، من مدينة درعا السورية – المدينة الحدودية مع الأردن – رث الثياب، منهك القوى، وصل مشيا “على قدميه بعد أن اجتاز البحر وصولا” إلى اليونان، أتى ليرسل لاحقا في طلب والديه وباقي إخوته ليقيموا معه حيث يقيم..

وفي مكان آخر تجد فتاة في العشرين من عمرها، هي وأمها وأخاها الصغير.. هذه الفتاة لا تزال عروسا فقد عُقد قرانها وهاجر زوجها مباشرة منذ عام مضى على امل أن يرسل لها قرار لم الشمل، إلا أن أموره لم تسر كما يجب، فقررت أن ترحل هي وأمها بقوارب الموت لتصل إلى مرفأ الحياة بإذن الله.. ركبوا القارب المطاطي من تركيا إلى اليونان، ثم أكملوا مشيا على الأقدام عبر بلغاريا ثم صربيا ثم هنغاريا مرورا بالنمسا حتى تصل إلى حيث يقيم زوجها..

أما هناك فتجلس عائلة دمشقية راقية، مرفهة، كان الأب يملك مستودعات للأجهزة الطبية، تم قصفها بما فيها من البضائع، ليخسر مصدر رزقه، وبعد أن انفق في العامين الماضيين أكثر من نصف ما جناه خلال خمسة وعشرين عاما من العمل.. أدرك أنه لن يستطيع أن يكمل العيش في بلده، فأرسل ابنته البالغة من العمر ست عشرة سنة مع خالتها منذ عام على متن سفينة سياحية كبيرة تنطلق إلى اليونان، ومنها بدأت رحلتها وصولا إلى هذا البلد.. ثم انتظر هو وباقي أفراد الأسرة أن ترسل ابنتهم في طلبهم ليرحلوا مع ما تبقى معهم من نقود علها تضمن لهم حياة مريحة، آمنة، ومستقرة إن شاء الله..

يتبع..

(سورية)

العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى