صفحات مميزةعزيز تبسي

معركة القصير وأخواتها: خوض المعركة الثورية بالأدوات الأيديولوجية للثورة المضادة وتحالفاته: عزيز تبسي

عزيز تبسي

مدخل

جرى من زمن، إختزال الإنتفاضة الشعبية الثورية في مرحلتيها المتعاقبتين: السلمية/العسكرية، وأسبابها العميقة(الإقتصادية- الإجتماعية –السياسية…)إلى صراع أدواتهاالتنظيمية،وخطابها الأيديولوجي.

وسعت كذلك من الأيام الأولى للإحتجاجات العديد من الجماعات السياسية الرجعية( الطغمة العسكرية ومعارضوها من الإسلاميين وبقايا إعلان دمشق) بمنهجية صارمة، على وسمها بالطائفية العميقة، ولكل من مواقعه وأسبابه ووظائف خطابه الأيديولوجي، وبرز منهم من الطرف الفاشي قطعان المندسين في التظاهرات الذين سوقوا شعار “العلوي في التابوت والمسيحي على بيروت” وتبني الدعوات إلى الجهاد……ومن الطرف الاخر الناطق بإسم إعلان دمشق-قسم الخارج والشيخ عدنان عرعور وعلي البيانوني وبسام جعارة وسواهم، في متتالية من تصريحاتهم على تأكيد وجود قوات لحزب الله والحرس الثوري تقود أو تشارك تجريدات القمع في محافظة درعا، والجامع العمري.

وساندت هذه التصريحات، حزمة واسعة من القنوات الفضائية والمواقع الإعلامية التي تسيطر عليها جماعات الإسلام السياسي في تنويعاته الدعاوية والتبشيرية والتكفيرية، وكان هذا هو الحقل التي تسعى وتخطط له الطغمة العسكرية من الأيام الأولى للإحتجاجات بدفعها المنهجي نحو خشبة المسرح الذي تتقن العمل عليه بحرفية عميقة: الطائفية والعسكرة…..مع الأخذ بالإعتبار الحدود التعبوية والتنظيمية والوظيفية بين هذين المشروعين الطائفيين، لكنهما عملا على سحق القيم التي تحركت عليها الإنتفاضة الشعبية الثورية.. ودفعها عنوة نحو الخيارات الطائفية-الفاشية،أي الخيارات التي تدفع الإنتفاضة الشعبية الثورية إلى حتفها.

وبخيار تاريخي عميق ووحيد للطغمة العسكرية، وهي التعبير السياسي-الحربي عن الإحتكارية الرأسمالية الطفيلية التبعية، تفعّل و تعمّق في سيرورة حتمية سياسية-عسكرية، مرسخاً عجزها عن إجتراح أي مشروع إصلاحي يلاقي الشعب المنتفض في أي مرحلة من الطريق الثوري ، وزاد تعقيد لوحة الإصطفافات السياسية-الطبقية، توضعها على جغرافيا تحمل السمات العميقة للمصالح الإمبريالية: منابع البترول وإحتياطاته/الكيان الصهيوني/الأنظمة العربية التبعية، ومعارضة سياسية لها من المشتركات مع الطغمة العسكرية أكثر بكثير مما يجمعها مع الكتلة الشعبية المنتفضة/والدور الرجعي لجماعات الإسلام السياسي التي تمكنت من تصدر المواقع البيروقراطية الإنتهازية لتمثيل الحركة الشعبية….

-1-

تقع بلدة القصير في الريف الجنوبي الغربي التابع لمحافظة حمص، يبلغ عدد سكانها 42ألف نسمة ويتبعها إدارياً، اكثر من أربعين قرية، وتعد المنطقة مختلطة دينياً وطائفياً. يتركز المسلمون/السنة والمسيحيون في المدينة ومحيطها القريب، وتحيط بهما مجموعة قرى شيعية(البرهانية-العقربية-النزارية….الخ)ومجموعة قرى علوية(الحيدرية-العبودية….الخ)وتعتبر من أوائل البلدات التي إلتحقت بالإحتجاجات، حيث شارك أهلها بعد أقل من شهر في جمعة الشهداء نيسان 2011،وعملت المجموعات الثورية على إستمرار هذه المشاركة وإستكمال تعميقها وتأطيرها..

في هذا الشرط الإجتماعي المعقد دينياً وطائفياً ومذهبياً، لا يمكن التعويل إلا على خطاب موحّد للإنتفاضة الشعبية الثورية يظهر قيمها الوطنية في الحرية والعدالة والمساواة ويؤكد على جوهر خطابها الأخلاقي في رفع المظالم والتهميش ورد الحقوق، لكنه أظهر من البداية قلة وعيه وإنعدام صبره ، وفرض نفسه كبديل عنه، أو إستعيض عنه بخطاب إسلامي-سني، ذا منحى تكفيري، ساهم في صنعه التواصل بين المجموعات المتضامنة في طرفي الحدود بين طرابلس والقصير ،وإمدادات الإسلام السياسي اللبناني وتحالف 14آذار. أشغل هذا الخطاب نفسه وكما هو منهجه التاريخي وسيرورته الأيديولوجية الرجعية، على إظهار الإختلافات وتثبيتها وتعميقها، لا على التعالي عليها ومحاولة ردمها وتجاوزها بفعل ثوري نحو المشتركات الشعبية، التي توفرت لها ممكنات الشروط الموضوعية والتاريخية المناسبة.

وهذا ما فسر الهجرات الكبيرة التي خرجت من مسحيي البلدة وقراها منذ أكثر من عام، والحصارات المستمرة للقرى العلوية والشيعية، وقصف قرى شيعية في سهل البقاع، وإستقدام رجلات دين سنة إلى البلدة وقراها(أحمد الأسير)لتعميق صبغ الصراع والمعركة بالصبغة الأيديولوجية-الطائفية وتسويده على ماسواه، مما أرسى الممكنات الوجودية لصعود خطاب تكفيري-إقصائي، وعمقه إستغلال قوى طائفية-رجعية للإنتفاضة ولأوضاعها الصعبة في عمليتي التمويل والتسليح المشروطين بتبني هذا الخطاب وتسويده على ماعداه. وهذا ما يؤكد مرة تلو الأخرى، وبشكل حاسم عجز الإسلام السياسي عن قيادة إنتفاضة شعبية ثورية.

-2-

بعد الإنتقال في مسارات الإنتفاضة الشعبية نحو المقاومة العسكرية، وتوضعها في احياء حمص القديمة(الخالدية-البياضة-…) ووصولها التدريجي إلى حي باب عمرو، الذي شهد عملية حربية فاشية في شباط 2012،إنتهت بتدميره وإرتكاب مجازر وحشية على أطرافه (كرم الزيتون..)إنتقل معظم المقاتلين والضباط المنشقين منه إلى مدينة القصير، ليساهموا بعدها في إخراجها التام عن سيطرة الطغمة العسكرية. وأظهرت الوقائع أنهم يملكون أسلحة ثقيلة ومتوسطة قادرة على موازاة قوات الطغمة وردعها….مما شكل المقدمة العسكرية للإستعانة بقوات النخبة 1200 مقاتل، من حزب الله في القتال إلى جانبها. بإعتراف الأمين العام للحزب في خطاب الأول من أيار 2013 بمشاركة مقاتلي الحزب في القتال: “أصدقاء سورية لن يسمحوا بسقوطها في أيدي أمريكا وإسرائيل والتكفيريين”…لتسارع بعدها قمة لافروف-كيري6أيار 2013 في تعزيز الخيار الفاشي نحو الحسم العسكري بأي ثمن، في سعي للطغمة العسكرية لتحقيق مكاسب عسكرية على الأرض، قبل أي مفاوضات يمكن فرضها عليها، أو إحراجها بها. لتبقى في النهاية معركة القصير هي عينها معركة حمص، هدفها عزل جغرافيا الثورة عن بعضها، وتوفير طرق إمداد آمنة بين دمشق-حمص-حماة-.

-3-

وتتكرر الواقعة، في بلدتي الزهراء ونبل الشيعيتين في ريف حلب الشمالي، اللذين جرى حصارهما من الكتائب المقاتلة، منذ ستة اشهر لموقفهما الموالي للسلطة ولإستقبالهما العديد من شبيحة القرى المجاورة وعائلاتهم، وتجري على طرفي الخندقين تعبئة طائفية متبادلة، ويدخل على الخط ذاته المليشيات الكردية، الإتحاد الديموقراطي الكردستاني-صالح مسلم- في منطقة عفرين، بعد دخول الكتائب المقاتلة إلى حيي “الشيخ مقصود” و “الأشرفية” وتسببهما في هجرة سكانهما وقسم كبير منهما من الفئات الشعبية الكردية. ويتزامن معهما حصار الكتائب المقاتلة لمخيم النيرب أكبر مخيم للشعب الفلسطيني شمال سورية وإفراغ مخيم حندرات من سكانه وهم من الفلسطينيين والنازحين للعمل في المدينة من الأرياف المجاورة، بالذريعة عينها “وجود شبيحة، والطلب من الأهالي العزل تسليمهم ثمن لفك الحصار”……

تطرح هذه المسائل التي باتت تستنزف الإنتفاضة وتخرجها تدريجياً من سياقها الثوري، لتضعها في نسق صراع أهلي أعمى، تكون قيم الإنتفاضة الشعبية الثورية وصيغها الأخلاقية أول ذبائحها، حزمة من النقاط، التي بغير تدراكها الثوري الحاسم والعاجل لن تقوى على الإستمرار يوماً واحداً تحت الهدف الثوري الذي إنطلق في فجر 18 آذار2011: وحدة الأداة والخطة العسكرية الثورية/ وحدة خطابها الوطني الثوري/وحدة ووضوح أهدافها.

حلب حزيران2013

خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى