صفحات الناس

معركة كسب العشائر السورية بين النظام والمعارضة والخارج/ رامي سويد

 

 

أثارت تصريحات الملك الأردني عبدالله الثاني قبل أيام، التي عبر فيها عن عزم الأردن تقديم الدعم للعشائر العربية السنيّة الموجودة شرقي سورية وغرب العراق ردود فعل متباينة، تراوحت بين الرفض والقبول في أوساط شيوخ العشائر السورية. تردد أظهر مدى تشتت هذه العشائر وتناقض مواقف شيوخها بعد ثلاث سنوات من غيابها عن التأثير الفعلي في مشهد الحرب السورية.

وكان الملك عبدالله الثاني قد أعلن عن رؤية الأردن التي تتمثل بدعم العشائر العربية الموجودة في المناطق التي يوجد فيها تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) ويهدّدها، على اعتباره واجباً أردنياً. وأشار إلى أن العالم “يدرك أهمية دور الأردن في حل المشاكل في سورية والعراق وضمان استقرار وأمن المنطقة”، دون أن يوضح طبيعة الدعم الذي يتوجب على الأردن تقديمه للعشائر في سورية والعراق.

خلال أيام قليلة تلت تصريحات العاهل الأردني، التي جاءت أثناء لقائه بشيوخ عشائر المنطقة الشمالية من الأردن، دعا النظام السوري شيوخ العشائر السنية الموالين له من المقيمين بدمشق إلى اجتماع في أحد فنادق العاصمة السورية، حيث أقيم لهم اجتماع قصير تلته قراءة بيان باسم الشيوخ الحاضرين للاجتماع.

نص البيان الذي قرأه الشيخ محمد الفارس، أحد مشايخ عشيرة طيّ العربية والعضو في مجلس الشعب التابع للنظام السوري، على أن “العشائر السورية ترفض رفضاً قاطعاً ونهائياً دعوة أو طرحاً أو مشروعاً يجردها من جوهرها الوطني وسوريتها وعروبتها وتؤكد أن القومية العربية والوطنية السورية هي حامل انتمائها الديني وإسلامها”. ودعا البيان العاهل الأردني إلى عدم تنفيذ تصريحاته لأنها “تمس بأمن سورية وسلامة أراضيها”.

اللافت أن الشيخ محمد الفارس الذي قرأ بيان العشائر هو قائد مليشيا الجيش الشعبي في مدينة القامشلي أقصى شمال شرق سورية. وتعرف المليشيا التابعة له بين السكان باسم “مجموعات المقنعين”، وهي تتقاسم السيطرة مع قوات “حماية الشعب” الكردية على مدينة القامشلي، بالرغم من وقوع مناوشات بين الطرفين بالأسلحة الخفيفة بين الحين والآخر. وتسيطر مليشيا “الجيش الشعبي” على الأحياء العربية في المدينة وأهمها حارة طي، فيما تسيطر قوات “حماية الشعب” على الأحياء التي تسكنها غالبية كردية.

في المقابل، أصدر شيوخ العشائر المعارضون للنظام السوري بياناً رحبوا فيه بتصريحات الملك الأردني، جاء فيه “نثمن موقف ملك الأردن ونشد على موقفه الوطني لتسليح وتدريب عشائر سورية وأبناء القبائل السورية لتحرير سورية من النظام الأسدي ومن ارهاب (داعش)، ونؤكد أننا جاهزون لإرسال آلاف الشباب للتدريب في الأردن”.

ووقع على هذا البيان شيوخ ثمانية عشر عشيرة عربية تسكن شرق وشمال ووسط سورية، منها عشائر البكارة والحسنة والموالي والعكيدات وشمر وعدوان وعنزّة والولدة والجبور والمشاهدة وغيرها. وكان لافتاً توقيع الشيخ محمد النايف، وهو أحد مشايخ عشيرة طي، على بيان الشيوخ المعارضين للنظام السوري. ويعتبر محمد النايف المنافس لابن عمه محمد الفارس في زعامة عشيرة طي العربية شمال شرق سورية.

تشير مواقف العشائر المتباينة من تكتيك اعتمده النظام السوري خلال سنوات حكمه الطويلة، إذ قام باستقطاب ودعم زعماء عشائر عربية في سورية على حساب أبناء عمومتهم المعارضين لهم، بحيث حاز هؤلاء على المال والسلطة ما مكّنهم من السيطرة على أبناء عشائرهم، وبالتالي تمكن النظام من تحجيم دور أبناء العشائر في الثورة التي اندلعت عام 2011 وخصوصاً في محافظة الحسكة.

غير أن ضخامة عدد أبناء بعض العشائر السورية أفقد النظام السوري القدرة على السيطرة عليها، كما حصل في مدينة دير الزور وريفها التي تسكنها عشائر العكيدات والبوسرايا والبكارة التي خرج أبناؤها في التظاهرات المناوئة للنظام السوري، ثم حمل كثير منهم السلاح ضمن فصائل المعارضة السورية التي قاتلت النظام وتمكنت من طرد قوات النظام من ريف دير الزور ومن معظم أحياء مدينة دير الزور.

وجرى كل ذلك قبل أن يتقدم تنظيم “داعش” ويرتكب مجازر كبرى ضد العشائر التي عارضت وجوده وقاتلته، وكان في مقدّمة هذه العشائر عشيرة الشعيطات التي تمكن التنظيم من السيطرة على مناطق وجودها بعد معارك عنيفة قبل أن ينتقم من أبنائها بإعدام العشرات منهم وتهجير عائلاتهم نحو منطقة تلعفر العراقية، التي يسيطر عليها “داعش”، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان.

ولا يبدو أن تسليح العشائر السورية بهدف قتال تنظيم “داعش” سيكون أمراً فعالاً في المدى المنظور، خصوصاً مع سيطرة “داعش” على معظم محافظة دير الزور وريفي الحسكة الجنوبي والشرقي، ومعظم محافظة الرقة وأرياف حلب وحماة وحمص الشرقية،  والتي تسكنها العشائر العربية.

وتمكن “داعش” بحكم سيطرته على هذه المناطق ذات التركيبة العشائرية من استقطاب عدد كبير من أبناء هذه العشائر، خصوصاً مع اندلاع معاركه ضدّ قوات “حماية الشعب” الكردية، الأمر الذي زاد الوضع تعقيداً وجعل أبناء العشائر العربية في الجزيرة السورية بين سندان “داعش” ومطرقة انتهاكات قوات “حماية الشعب” الكردية. كما تمكّنت فصائل المعارضة السورية إبان سيطرتها على شرق سورية في الفترة الممتدة من نهاية عام 2011 وحتى بداية العام الماضي، من استقطاب آلاف أبناء العشائر في صفوفها، بحيث أصبحت تبعية هؤلاء لفصائلهم بعيداً عن خلفياتهم العشائرية.

ويضعف كل ذلك من احتمالات نجاح الأردن في تنفيذ برنامج حقيقي لتسليح وتدريب العشائر العربية في سورية، كي تتمكن من مواجهة تنظيم “داعش”، حتى ولو حصل الأردن على دعم دولي وإقليمي.

ويبقى أمام المملكة الأردنية خيار الاستفادة من العلاقات التاريخية بين العشائر الأردنية التي تسكن شمال البلاد والعشائر السورية التي تسكن في محافظة درعا جنوب سورية، كي تعمل على زيادة الدعم العسكري واللوجستي لقوات المعارضة السورية في درعا المكونة من أبناء العشائر العربية في درعا، بحيث تواصل تصديها لتنظيم “داعش” وتمنعه من الاقتراب من المحافظة وبالتالي من الحدود الأردنية. قبل أن تتغير المعطيات الميدانية بشكل يسمح بتنفيذ برنامج تسليح وتدريب فعال للعشائر العربية في شرق سورية، بحيث تتمكن من القضاء على “داعش” وتواجه أخطار تمدد قوات “حماية الشعب” الكردية.

العربي الجديد

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى