صفحات الثقافةفارس البحرة

معكوس سقراط والأم: قراءة في موقف نزيه أبو عفش/ فارس البحرة

 

 

مات سقراط إخلاصاً لقيم ثلاث: العقل والحقيقة والديموقراطية. بمشاكسةٍ تشبه مشاكسات سقراط، ونَزَقٍ يشبه نَزَقه ولحيةٍ تشبه لحيته، يضربُ نزيه أبو عفش عرض الحائط بهذه القيم الثلاث، وبلا أي عقل، يندّدُ بالديموقراطية والحقيقة! كَربِّ الأرباب زيوس، متربعاً على عرش الغيوم، ينهال على العباد بالصواعق اللفظية ويقذفهم ببصاقٍ «عاقل»، على حدّ تعبيره. عقوباتٌ تنزلُ بهم نزولَ القدر، أبٌ غاضبٌ ينكّلُ ببعض أولاده، ويفسد بعضهم الآخر بالدلال، بلا سببٍ معروف. إذ لم يفسِّر العهدُ القديمُ لما تقبَّلَ الإلهُ التوراتي قربانَ هابيل وأشاحَ عن تَقدِمَةِ أخيه. لا تفسيرات عقلانية في عالم الأساطير، أما التفسيرات الأخلاقية فلا محلَّ لها هي أيضاً عند من يُبخِسُ جميعَ القيم، فيلعنها ويلعن حامليها، ثم يمدحُ القتلة والطغاة!

بلا ادعاءات أخلاقية، التهمَ كرونوس والدُ زيوس أولاده الواحد تلو الآخر، فلم ينجُ منهم إلا زيوس، الذي احتالت أمه إذ وارته عن أبيه، حتى شبَّ وحرَّرَ إخوته من بطن الأب، لكنه على ما يبدو وَرِثَ عنه ذاك الغضب غير المفهوم على الأبناء، أو بعضهم. لا أسباب عقلانية أو أخلاقية في عالم الأساطير، بل إن الأورفيين كانوا يعتقدون أن عهد ما قبل تحرير زيوس لإخوته، عهد البطش الأبوي غير الواعي لذاته ولا المُتَفَكِّرِ بها، كان نعيماً أرضياً ومشاعاً، ربما كذاكَ الذي يفتقده أبو عفش في حضن «ستالين المعظم»، كما يعلنُ في أحد منشوراته التي نشرها لبعض الوقت ثم عاد ليحذفها. فمثلما تغلي براكين الغضب وتفيض باللعنات، تعود لتهدأ بلا سبب معروف، فيمحو الإله الغاضب ما كتبه، كأن شيئاً لم يكن! كيف يلعنُ الإنسانُ الحقيقةَ والديموقراطيةَ بهذه البساطة، ويمجِّدُ الطغيان بلا مواربة، ولا يَصِفُ بالعقل إلا بُصاقه؟ هل لأنه يعرفُ كل شيء؟ ولأنه على كل شيء قدير؟ كيف ارتقى الشاعر برج العاج؟ كيف انحدر إلى الجحيم؟ هل هو الخوف، الطائفية، المصلحة، حب المشاكسة؟ أم سببٌ محزنٌ مخزٍ آخر؟

في لوحة الفنان الفرنسي دافيد نرى سقراط قُبيل تنفيذ حكم الإعدام به يُشير بإصبعه إلى أعلى، حيث الحقيقة وعالم العقل اللذين يُفسِّرَان تضحية الفيلسوف المعلّم وإقراره إلى حدّ قبول الموت بالديموقراطية التي كان ينتقدها. في لوحة تمثّل مقلوبَ سقراط، سنرى أبو عفش بُعيدَ تنفيذ حكم الإعدام بالسوريين، يشير إلى تحت!

فماذا عن أولاده الآخرين، السوريين الذين يحبهم ويفسدهم بالدلال؟

منذ بداية الثورة السورية باتت كتابات أبو عفش أكثر تواتراً وحمية وحماساً، كأنما يلهبه شعورٌ باكتشافه خيانة كبرى، كمن يريد أن يلفظ حصاةً في صدره، ملسوعَ القلب، ملهوفاً، متودداً إلى أصدقاءٍ يسندونه في العاصفة الأخلاقية الهوجاء التي يجاهد أنواءها مثل ربّانٍ صغيرٍ لينجو بمركبه. كأنه يعكفُ على ابتكار ضميرٍ وإن كان زائفاً، عكاكيز أخلاقية للنظام والموالين، لقومٍ يعوزهم الضمير. فهو أمّ المجرمين، تسخّن لهم الحساء مساءً عندما يعودون إلى بيوتهم متعبين، تغسلُ جواربهم وتمسّدُ الشراشف، تضمّد الجراح التي تسبّب لهم بها ضحاياهم الأوغاد، وتتساءل وحيدةً على الوسادة: لماذا لا يترك أولئك الأشرار أولادي ليسرقوا ويقتلوا ويغتصبوا كما يحبون؟! وتفكرُ كيفَ يمكنها أن تجعل الأولاد يعتدلون في غيّهم ولو قليلاً. رغم أنها تعرف أنهم سينسونها غداً صباحاً ما أن يلمحوا أول إغواء.

لا يريد الديموقراطية ولا الحرية ولا العدالة ولا تهمّه الحقيقة، لعل كل ذلك بالنسبة له منتجات إمبريالية، أو ربما شعارات زائفة، فِخاخٌ تريد اقتناصه من عالمه الذي لا يعتبره بلا عيوب. فهو يريد إصلاح عالمه، لكن من غير ثورات، فلتكن الثورات بعيدة، في مصر وليبيا وتونس، ربما يخرج إلى الشوارع في دمشق ليتظاهر متضامناً معها، لكن ليس ضد نظامه! ليس ضد بشار الأسد الذي شبّهه في مقابلة نشرت في جريدة السفير في العام 2012 بالرئيس التشيلي الأسبق سيلفادور أجِندي! فهو بتعاطفه مع المجرمين والقتلة ليس جان جينيه المتمرد على الدولة والأنظمة والمؤسسات، بل يكاد يكون، لو يفهم هذا النظام، مهندسَهُ الأخلاقي الوحيد الذي يخترع له ضميراً من عدم!

في المقابلة المذكورة أعلاه ذاتها، يقول أبو عفش إن المعارضة تُخيفه، بينما النظام ظَلَمَهُ ومَنَعَهُ من الكتابة، لكنه لم يُخِفه. بعد مرور ست سنوات على هذا الكلام، لم تستطع مخانق السارين ومحارق البراميل ومئات ألوف الضحايا وملايين المهجرين وعشرون ألف قتيل موثق تحت التعذيب، أن تبعثَ الخوف في القلب المرهف لصاحب «هكذا أتيت هكذا أمضي»، الذي لا يُخيفه شيءٌ سوى المعارضة، وربما أن تسقطَ السماءُ فوق رأسه. مضطجعاً كسيدات غوستاف كليمت على وسائد ملالي إيران وملاءات بوتين التطهيرية ورايات الكوليرا وزينب والعباس وزوابع الشبيحة، يبدو مُدَّعي الماركسية منتشياً سعيداً بالنصر الإلهي على الرأسمالية، كما لو كان بين أعمال فاتح مدرس وكتابات أكزوبيري وسوناتات باخ التي يُحبّها. يبدو الأمر متجاوزاً لجنون الشعراء وشطحاتهم النرجسية الاعتيادية. قلبٌ للضدّ في صلب السؤال الأخلاقي، تماهٍ مطلقٌ مع المعتدي، دون أدنى إشارة إلى الحاجة لتقديم شروح! كما لو كنا نُشاطِرُ الشاعر معرفة أسباب انحيازه البديهي لأعتى مجرمي العصر وأبردهم عاطفة وأشدهم عنصرية وفتكاً وفساداً، لكننا ننكر هذه المعرفة! ولا حتى شبهة مبررات عدا عن انفجارات من العنف اللفظي والشتائم الموتورة التي تجعل من يغامر بمناقشته أو مواجهته، لا يتردد في ذلك فحسب، بل يفكر أنْ ربما يكون الرجلُ محقّاً! إذ لا يغضب المرء هكذا إن لم يكن مُحقّاً!

أمّا بوصفه أُمّاً، فلا يشوب أداء أبو عفش شائبة، غير أن أبناءها الذين تحمل همومهم وتبكي مصائرهم واحداً واحداً وتفرح لنجاحاتهم الصغيرة: مجرمون! بينما الأوغاد الذين يعكرون صفو حياتها وينغصّون مسرات أولادها هم الضحايا.

موقع الجمهورية

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى